1-تقديم:

تعرف الساحة الفكرية الإعلامية والسياسية المغربية جدلا كبيرا حول خيارات ومسالك بناء المستقبل السياسي للمغاربة، وذلك ضمن غزارة في الخطاب والمنبر الإعلاميين وفي سياق أحداث وتغيرات دولية وإقليمية ومحلية هامة من حيث هي مؤشرات على ضرورة حدوث نوع تحول وتغير سياسي واجتماعي كبيرين.

وغالبا ما تظهر على السطح أحداث جزئية دالة لكنها لاتتوفر على أي مستوى من عمق الفعل التاريخي، فتأخذ أكثر مما استحق من مساحة التفكير، بل تصير موضوع الخطاب العام نظرا للواقع التواصلي والإعلامي؛ وذلك من قبيل هفوة التوافق ومناورة طي صفحة الماضي، وأحداث 16 ماي الأليمة وما تلاها من اعتقالات ومحاكمات، وآخرها، لحد الآن، انفجار مقهى الأنترنيت في 11 مارس الأخير، وغير هذا كثير.

وبعد أيام من لوك مثل هذه المواضيع على قاعدة غموض شديد في المعطيات وما يحيط بها من أهداف واستراتيجيات، يستفيق المغاربة على التألم على وقت ضاع وجهود تبعثرت وآلام واقع سياسي واجتماعي يكتوي بناره الشعب المغربي صباح مساء.

وإن السؤال الكبير المطروح على المغاربة جميعا: هل من سبيل إلى صناعة نقاش فكري وسياسي وإعلامي مسؤول لتوفير حد أدنى من خطاب جامع يحدد ويدقق في المدخل إلى مستقبل حر وكريم ومستقل وآمن ومطمئن فيه المواطن والوطن؟

إن هذه المقالة تجد نفسها مضطرة إلى جرأة أكاديمية وعلمية لتعرض رأيا، ربما يفيد في الباب؛ فهي محاولة للمساهمة في تصحيح مسارات النقاش الوطني لبناء وطننا العزيز دفاعا عن إنساننا المغربي الذي يجب أن يكون كريما غير مهان من طرف أي كان.

2-المدخل السياسي:

من المسلمات أن أي مدخل سياسي تاريخي إنما يكون نتيجة لانتفاضة فكرية اجتهادية كبيرة، قد تستغرق زمنا طويلا لتتبلور معالمها وتجد مكانها ضمن حركة المجتمع ومؤسساته، لكن من الفروض الوعي بالحاجة إلى هذه الأرضية الفكرية التي تنتج مداخل ومسارات بناء المستقبل. وحتى لا نسقط في فخ المكر التاريخي، وهو لا يرحم أبدا، فإننا ملزمون بالقول: إن هذه الانتفاضة الحاصلة بواسطة عملية تفكير كبرى والتي يجب أن تغطي جميع مجالات وقطاعات ومحاور الحياة تربويا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا ونضاليا& تقتضي إعادة النظر في ما اعتبر، لقرون خلت، مسلمات مجتمعية وسياسية يجلس على عروش قداستها السياسية والدينية والمجتمعية، عبر المكر التاريخي، من لا يعيرون أدنى اهتمام لحياة الشعوب ومعاناتها وآلامها، وهم مستعدون للتحالف مع الشيطان في سبيل الحفاظ على المواقع والموارد والمصادر.

وهو الخيار الوحيد لخوض معركة مستقبل الحرية والكرامة للمغاربة. خيار وحيد لأن غيره هو البقاء على حال الدوران المروع في حلقة مفرغة توهمنا المصابيح الملونة والساطعة المحيطة بها أننا في عمل هام، وما نحن إلا في لغو سياسي وإعلامي يشتغل على قاعدة من الغموض تتيح الفرصة السانحة للأعداء والخصوم لينقضوا، في الوقت المناسب لهم، فيمزقوا الممزق ويجزئوا المجزأ، حتى قد يصلوا إلى درجة أن يفرضوا علينا أن يكون الحكم الذاتي على مستوى العائلات وما يدور في فلكها من أتباع، فلا يبق لنا وطن كبير ولا إنسان جامع؛ فكيف نحلم بأمة قوية عزيزة لها رسالة وقضية إنسانية كبرى من أجلها كانت ولأجلها تعمل.

إن عملية التفكير الكبرى المرجوة، فضلا عن أنها ينبغي أن تبنى على عمق تربوي أخلاقي عال يهيئ شروط الحوار المسئول والتواصل البناء، فإنها توفر واقع المسؤولية والوضوح للخوض في علاج أعقد القضايا التي تشكل مصادر إرباك الواقع السياسي والاجتماعي والفكري المغربي.

ومن ثمة، فإن محاور هذه العملية الكبرى الهادئة يمكن أن ترسم معالم المستقبل المغربي من خلال بناء نقاش علمي وسياسي حول:

أ-تحديد الأسس الكلية لمرجعية الشعب المغربي بحيث يتم تحديد القيم الكبرى التي ترعى حركة المجتمع المغربي وتكون ماهية إنسانه وهويته، فيحدد المقدس من غيره الخاضع للاجتهاد، حتى لا نمارس أية مغالطة تاريخية في حق أجيال الشعب المغربي القادمة، إذ في حال المغالطة سيؤدون ثمنا باهضا كما نؤديه نحن اليوم، حيث يقف عائقا أمام تقدمنا وتحررنا أوهام، ويا للأسف نعتبرها مقدسة والخوض فيها يؤدي إلى زنزانات السجون وغضب “تقليدانية” مجتمعية وثقافية وفكرية ما هي في حقيقتها إلا نتيجة سيئة لتقديس ما لا يستحق الاعتبار فكيف بالتقديس.

إن العمل المسئول الناظر بعين المستقبل القوي والحر والمستقل، على وضوح تام، يؤدي إلى التدقيق الجيد في معرفة حقيقة المرجعية الكلية للشعب المغربي، فالغرب، مثلا، قد حدد مرجعيته حيث صارت الدولة والحزب والمؤسسة المجتمعية فضلا عن النظام السياسي كل منتظم عبر تلك المرجعية في عمل متكامل يضمن الفعالية والجدوى. فماهي مرجعيتها الجامعة بوضوح ودقة تجنبنا أي مستوى من الغموض والتقاتل المجاني والصدام الأعمى: فأي إسلام إسلامنا، وكيف ننظر إلى موقعه في حياتنا العامة والخاصة؟

وبهذا نعرف جيدا أي إسلام نريد، وأين تقع أمور من قبيل الوطنية والديموقراطية والحداثة والأمازيغية والقبلية، وغير ذلك كثير. كل هذا لجنب بلدنا ووطنا وناسنا فوضى مجتمعية وسياسية لا تبقي ولا تذر.

إننا أمام مرحلة، إما أن نوفر لأنفسنا واقعا حواريا تواصليا قادرا على اختراق واقع التأزم وعدم الثقة، أو نزاول الغموض على كومة من القنابل الموقوتة لا يعلم أحد متى تنفجر وعلى من ستنفجر.

إنها مرحلة تاريخية يحتاج فيها الشعب المغربي أن يتخلص من قبضة السياسي- الذي تكون فكره وصنعت نفسه واحترف السياسة بما هي دسيسة وهدف سلطوي حكومي- ليصنع رجالاته الناظرين بعيدا العاملين لمصالحه على وضوح وفق مرجعية اختارها طوعا لا كرها.

ومن مقتضيات هذا التحديد للأسس الكلية لمرجعية الشعب المغربي أن يكون واضحا كل منا ليدلي بموقفه المرجعي ويخرج من تقياته وغموضه الإديولوجي، لا على طريقة الشتم والسب والاستهزاء، لكن بمنهجية علمية واضحة ومواقف عملية صريحة يتحدد من خلالها موقع كل طرف وعلاقته بالشعب وبمصاله الحقيقية.

ولعل هذا النقاش، الذي يطلب الحرية الكاملة، سيفرز صيرورة مرجعية تتحدد من خلالها طبيعة القوى العاملة في الساحة السياسية والمجتمعية المغربية، ويؤدي إلى فرز إيجابي للواقع التدافعي والصراعي داخل المجتمع حيث يؤطر بوضوح مرجعي فكري وثقافي كل الاجتهادات والنقاشات.

وإن رجال الإعلام والفكر والتربية والتعليم هم أولى الناس لقيادة هذه المعركة المصيرية.

ب-إن عملية التفكير الكبرى المرجوة توفر لنفسها قيمة إذا قامت على أساس التأكيد على حقيقة أن لا علاقة للإسلام بالاستبداد سواء أكان في صورة الحزب الواحد أو في صورة نظام جمهوري مزور أو في صورة حكم ملكي وراثي.

فإذا كان الاشتغال الواضح على مستوى التدقيق المرجعي يجنبنا أن نبني مستقبلنا الكبير على أساس من التلفيق والترقيع المرجعيين الغامضين، كما نفعل بفهوم الأصالة والمعاصرة، مثلا، الذي نجني أشواك غموضه الضارة اليوم، فالفصل بين نظام الإسلام والأنظمة الاستبدادية شرط كلي لخوض معركة التحرير الحقيقية، حيث من أكبر المؤامرات التي وقعت في حق الأمة الإسلامية أن تصدى بعض العلماء، في فترات حرجة مبكرة من تاريخ المسلمين، لتبرير اغتصاب السلطة من طرف الأمويين ومن جاء بعدهم إلى يومنا هذا، وقد تظافر الغموض والسيف والخوف فتكرست هذه المؤامرة كحقيقة مبرهن عليها عقلا وشرعا. ولذاك فالمستقبل لن يكون حرية وكرامة وقوة ما لم ننهض، بكل جرأة ومسؤولية تاريخية لنقول: إن المدخل لمستقبل سياسي حر في المغرب هو القدرة العلمية والعملية على تفكيك وفصل العلاقة بين الإسلام ووبين الاستبداد من جهة، وبين الإسلام وبين التطرف الأعمى من جهة ثانية. فالاستبداد والتطرف وجهان لعملة واحدة؛ عملة اغتصاب حكم الأمة ونظامها السياسي الذي أبدعته وضحت من أجل قيامه.

ولعل خوض نقاش مسؤول، في هذا الباب، سيؤدي حتما إلى بناء علاقات واضحة بين مكونات المجتمع المغربي في تكامل مع النقاش على مستوى المحور الأول المتعلق بتدقيق المرجعية القيمية الاعتبارية للشعب المغربي، وكل هذا سيمنحنا أرضية صلبة للبناء والمقاومة، كما يدقق لنا مقاصد جامعة لعملنا السياسي والمجتمعي تجنبنا التفت والتشرذم وتضمن لنا تعددا تنوعيا إجابيا مبدعا.

فلا علاقة للإسلام بالاستبداد، وأن إمامة المستولي بالسيف والغصب والظلم لا مكان لها في نظام الحرية الكامل، وهو مطلب الشعب المصيري.

ج-من القضايا التي ينبغي أن نناقشها بوضوح ومسؤولية تاريخية أن ندقق في الطبيعة القبلية، إذ برزت بعض التحاليل التي تخوف المغاربة من أن البديل عن نظام استبدادي هو التقاتل القبلي. وهي مغالطة ومؤامرة لا تقل أهمية عن مؤامرة البرهنة عن شرعية اغتصاب السلطة والتسلط على رقاب أمة قاومت تداعيات الحكم الفردي الاستبدادي المطلق قورنا من الزمن.

فهذا التهويل من الاعتبار القبلي السلبي، شاء أصحابه أم أبوا، وعوا أم لم يعوا، فهو خادم للاستراتيجية العامة التي تؤطر فعل الصهيونية الصليبية الاستعمارية المهيمنة اليوم.

إذ إما أن نملك الجرأة لنقول بصوت عال وعمل واع ومسؤول لا للاستبداد ولم يبق له بيننا مكان، أم أن نبق ننمق العبارات ونزاول الغموض على أنفسنا وشعبنا حتى نجد أنفسنا وقد صرنا لقمة سائغة لرأسمالية متوحشة و بين أفواه دباباتها وقاصفاتها النارية تحرق أرضنا وأجسامنا وتنبهب خيراتنا؟

فالطبيعة القبلية أمر مغروس في كل الأمم، فهو إما أن يكون عامل قوة وتعاطف وأخوة وتعاون أو يكون عامل هدم خطير. ولعل الصبر على إحداث تحول تاريخي وفق عملية تفكير كبرى تغييرية إصلاحية جامعة هو المدخل لننتقل من مرحلة استبداد مقيت إلى مرحلة بناء جديد حر وقوي ومستقل وآمن تهيمن عليه معاني الأخوة والتعاون على الخير في سياق نقدي إيجابي ومسئول وبناء. فمن المعلوم أن أنظمة الحكم المستبدة هي أول من راهن على الصراع القبلي والنزعات العرقية لصناعة واقع توازني يضمن له البقاء والتحكم ويديم الضعف المجتمعي والحركي. فهل آن الأوان لنفكر بصوت عال قائلين: إنه لا خوف على أمننا واستقرارنا إذا قطعنا مع الاستبداد والتسلط وأسسنا لعلاقات سياسية واجتماعية ومجتمعية مبنية على الثقة ووضوح المرجعية الجامعة، حيث بين يدي الاستبداد وتبعاته والقهر وألوانه لا يجد الإنسان ملاذا إلا قبيلته فيتعصب ويصنع قبيلة إن لم تكن، أما في جو الحرية والأمن والاستقرار والاطمئنان المرجعي فالملاذ يكون هو الوطن والأمة الراعية المحتضنة الواعية بمرجعيتها والبانية لنظامها السياسي الحر.