بسم الله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه المهتدين.

أما بعد، لما اختار الله عز وجل خاتم الأنبياء عليه أفضل الصلاة والتسليم نبيا لهذه الأمة، وابتعته إليها، كانت لا تزال في قبائلها العربية آثار وبقية من دين الحنيفية ملة أبينا إبراهيم عليه السلام، فلما دعاهم لتوحيد الله تعالى بالعبودية وتخليص المقصد إليه، خاطب فيهم هذا الحس الدفين، وحرك الأفئدة لتتعاظم فيها “حمية” الحنيفية السمحاء، ودعاهم إلى التزكية وفاضل الأخلاق، وحثهم على ما اعتادوه من المكارم والخصال. وانظر إليه صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب بعض من جاءه ممن لايزال الشك عالقا في فؤاده بقوله “ألم يئن لك يا فلان أن تعرف الحق”، فاهتدوا بفضل الله تعالى وتحركت فيهم البقية الباقية من دين الحنيفية السمحاء لتبرز صدق النبوة، فتحرروا من عبودية الأرض واهتدوا إلى عبودية “السماء” وانفجرت منهم طاقة العطاء لما سموا بكمال الأخلاق، وازدانت بهم الفيحاء لما عبدوا الواحد الخلاق، وازدادت في نفوسهم ذات الفطر السليمة مكارم دين الله الجديد المهيمن، وتهيئوا ليكونوا قدوة للعالم ودعاة وشهودا، وما أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أخذ الرسالة من بعده جند الله من الصحابة ممن عاشوا دهرا في كنف الجاهلية فهذبهم الإسلام ونمى فيهم الفطر السليمة.

وإننا إذ نخاطب الأمة اليوم لتعود لدين الله عودا كريما صافيا، لا محيد لنا عن مسلك رسول الله تعالى بمخاطبة القلوب والفطر السليمة خطاب الروح والعقل الدالين على المنعم، تروم فض الغبار عن ذلك الإيمان الدفين الذي تراكمت عليه حوادث الزمان وأتت عليه عاديات الأيام، ففي الأمة وأبنائها اليوم لا يزال تمسك عامة الناس وخاصتهم بدينها عظيما جليلا وإن كان قد خالطته بعض الشوائب والآثام، ألم تر أنهم عند كل حادث عظيم، تقوم فيهم قائمة الدين، وتظهر عليهم علامات اليقين في رب العالمين، فلئن كان الزمان قد جار ببعض الفتن، ففي التذكير بالله تعالى وبرسوله خير معين، وفي حث القلوب واستنهاض النفوس إثارة لذلك الإيمان الدفين، واستجلاء له وتبيين.

ثم إن حديثنا إلى أمة الله وعبد الله تذكيرا بالله وبموعود الله وبجنته وناره، ليس حديث مناورة ولا حديث ممانعة لمقصد دنيوي طارئ، إنما هو من معين دين الله، صادر عن قلب يرجو الله ويأمل في مرضاة الله ونيل جناته ورؤياه، يستهدف القلوب لتزيل عنها غشاوة الأغيار وترى بوضوح جلال الأسرار في ملكوت المنعم الجبار، فيندفع منها الطلب وتتقوى منها الهمم وتنجذب إليها الطاعة من الله زيادة وتفضلا ونعيما، فتسير بسيرة الأولين وتغنم غنيمة السابقين.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله صحبه وسلم تسليما.