قبل استعراض الدور المنوط بالحركة الإسلامية في المشهد السياسي المغربي أرى أنه من اللازم التعرف على تركيبة هذا المشهد.

المحور الأول: المشهد السياسي

يمكن تقسيم عناصر المشهد السياسي بالمغرب إلى ثلاثة مكونات:

” المؤسسة الملكية: يختل التوازن لصالحها وهي صاحبة الحل والعقد، والفعل والرأي، والأمر والنهي بنص الدستور وشهادة الواقع مستندة على الشرعية الدينية والتاريخية، وهذا يشكل حرجا لباقي المكونات، ونلمس هذا من خلال بعض التعبيرات الفرية المحتشمة من قبيل الإشارة إلى تقليص صلاحيات الملك أو اعتماد ملكية برلمانية، سرعان ما يؤدي صاحبها الثمن تضييقا ثم تهميشا.

” التوجه العلماني: وهو منقسم على نفسه، مرتكزه الشرعية الوطنية لدى جزء كبير منه. عرف إخفاقات كثيرة ومتوالية على العديد من الأصعدة دفعته إلى التراجع عن مبدأ الإصلاح السياسي والدستوري (مثلا من تغيير الدستور إلى تعديله إلى تفعيله ومباركة ما فيه)، يتحكم في المؤسسات. انتقلت الديمقراطية لديه من حلم إلى كابوس مخيف قد يمكّن للأعداء والخصوم!! فرفعواْ شعار«لا ديمقراطية لغير الديمقراطيين» حيلولة دون بروز الإسلاميين.

” التيار الإسلامي: بدوره منقسم على نفسه، توسط الميدان وأضحى ملاذا سياسيا وأخلاقيا لجماهير عريضة، ينادي في معظمه بتحكيم الشرعية الديمقراطية كآلية للتداول على السلطة وتدبير الاختلاف، يمتلك رأسمالا سياسيا كبيرا يتمثل في شعبيته الكبيرة ومشروعه المجتمعي (قد يتكامل رغم التعددية والاختلاف).

هكذا إذا يتقاسم الفرقاء السياسيون الأدوار والوظائف طوعا أوكرها: ملكية تنفرد بالحكم، وعلمانيون على رأس الحكومة، وإسلاميون على قدر كبير من الشعبية والمصداقية.

ولا ننسى أن هناك فاعلين آخرين من قبيل جمعيات ونقابات ولكنهم بمثابة ملحقات لهذا المكون أو ذاك توظيفا حزبيا أو سياسيا. ولا نتجاهل التأثير الخارجي واختراق بعض الأطياف للمشهد بين الفينة والأخرى (فترة الانتخابات مثلا).

المحور الثاني: دور الحركة الإسلامية في المشهد السياسي

بالنظر إلى المواقع المتقدمة التي أصبحت تحتلها الحركة الإسلامية، واعتبارا للجبهات الجديدة المفتوحة أمامها، واستحضارا للتحولات العميقة والشاملة المطلوب تحقيقها، ومراعاة للإكراهات وتقديرا للإمكانيات، وحتى لا يكون عملها ضياعا للأوقات وهدرا للطاقات أرى أن “الواجب” السياسي المرحلي ما يلي:

1. طمأنة الفرقاء: تتوجس النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية خيفة من بلوغ الإسلاميين إلى السلطة فيتم الانقلاب على الديمقراطية والتراجع على الحرية والعودة إلى حضارة الجمل… لهذا أضحى ضروريا طمأنة هؤلاء وغيرهم بكل صراحة ووضوح:

– إن كنتم تخافون عن الديمقراطية فإننا نراها حكمة إنسانية، والحكمة في ديننا ضالة المؤمن.

– وإن تداخلت مصالحكم في الجاه والمال والسلطان مع مصالح لوبي الفساد ففكوا الارتباط!!

2. بث روح التفاؤل لدى الشعب: هذا التفاؤل ينبغي أن يكون على أساس صحيح، لا يخفي حجم الأزمة وعمقها كما لا ينفي إمكانية التغيير إن توفرت الإرادة الحقيقية، لأن هذا الفساد ليس عاهة ورثناها عن أسلافنا، ولم يكن ولن يكون بإذن الله قدرنا إلى يوم القيامة، وفي التاريخ أمثلة عديدة لا يتسع المجال لذكرها.

3. تعبيد الطريق نحو الديمقراطية: من الحقائق التي يقف عليها المتتبعون للوضع السياسي بالمغرب أن الطريق نحو الديمقراطية مغلق بفعل فاعل وبالتالي لابد من فتحه بقدرة قادر. وأقدر أن فتحه وتعبيده متوقف على أمور عدة:

أولها: لمّ الشمل من خلال حوار لن يكون إلا ممارسة لعملية التفكير المشترك في ماضي المغرب وحاضره ومستقبله يفضي إلى عقد ميثاق جامع للأسس والمرجعيات ومانع للخلاف والتراجعات.

ثانيها : إصلاح دستوري مرجعيته الميثاق وينص فيما ينص على فصل السلط وسمو القانون وضمان الحقوق والحريات ويقر التعددية وحق الاختلاف.

ثالثها: فتح باب التباري بدون إقصاء ولا تهميش مما يسمح بتنشيط الحقل السياسي وملء الفراغ الحاصل فيه ومحاربة الجمود الطاغي عليه.

4. تحرير موضع النزاع: ليعلم الجميع أن قضية الحركة الإسلامية هي قضية «لا إله إلا الله» لا قضية غالب ومغلوب وضارب ومضروب وفائز ومهزوم. إنه سؤال: من المعبود؟

5.

محـاذير:

إن القيام بهذا الدور الكبير واقتحام هذا المجال العظيم تحفه مخاطر جمة على عدة مستويات:

– في العلاقة مع الذات: يخشى تلبس الدعوي بالسياسي فلا ندري أيهما يخدم الآخر فيتسرب مشروع الهداية والتغيير العميق في رمال السياسة الآنية.

– في العلاقة مع مكونات المشهد: ينبغي الحذر من الاحتواء والتمييع والذوبان فتقدم هذه الجماهير التواقة للإسلام كله، الإسلام وحده قاعدة لجبهة تسير بالمسلمين في درب التيه.

– في العلاقة مع الشعب: الخطر على هذا المستوى أن يتم التنازل على مطالب الشعب بدعوى الواقعية أو الإكراهات.