بشرى للمؤمنين

حرصت على أن أكتب هذه الكلمات في يوم المولد النبوي الشريف لأبشر بها المؤمنين عموما والمظلومين خصوصا ليفرحوا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاءنا بهذا الفضل العميم والخير الكثير، عسى أن يكون لنا يوم القيامة شفيعا، وعلى الحوض ساقيا، وفي الفردوس الأعلى رفيقا.

تحريم الحق جل جلاله الظلم على نفسه وفي الكون كله

أخرج الإمام مسلم في صحيحه، باب تحريم الظلم: عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال:

(يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضالّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه)

عظمة هذا الحديث القدسي الذي يحرم الظلم

ما أعظم هذا الحديث لأنه من العظيم جل جلاله، فهو حديث قدسي، ولعظمة ما فيه من درر فإن راوي الحديث يشخص لنا هذه العظمة من خلال لسان حاله عند روايته له،وقد نقل لنا سعيد بن المسيب رحمه الله هذا المشهد المثير من هؤلاء الرجال الذين يستشعرون عظمة المخاطب وعظمة الخطاب فيقول:( كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه).

فكيف سيتعامل علماؤنا في هذا البلد مع هذا الحديث؟ وهل سبق لحكامنا ولكل من بيده سلطة أن اطلعوا عليه؟ وكيف تلقوه إن اطلع البعض منهم عليه؟!!!

قدرة الله المطلقة واستحالة الظلم في حقه

ما أرحمك يارب وما أعدلك، أنت الغني، لن يبلغ أحد نفعك فينفعك، ولن يبلغ أحد ضرك فيضرك، ولن تنقص طلبات الخلق كلهم من خزائنك، بل الخلق كلهم جميعا ملائكتهم وإنسهم وجنهم وحيوانهم وجمادهم مفتقرون إليك، لا تسأل عما تفعل والمكلفون من الإنس والجن يسألون، لا تضرك معصيتهم ولا تنفعك طاعتهم، إذا شئت أبدلتهم بمن هم خير منهم علما وعملا وتقوى، مصداقا لقولك جل شأنك في سورة فاطر: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز)

ورغم قدرة الله المطلقة، لم يُجز لنفسه سبحانه وتعالى الظلم، بل حرمه على نفسه قبل أن يحرمه علينا، فهو سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة في الدنيا ولا في الآخرة، ومن أسمائه الحسنى العدل جل جلاله، ونظام السماوات والأرض ما قام إلا على العدل، وإذا انعدم من مكان وساد الظلم فيه عمه الفساد والهلاك والدمار.

تعريف الظلم ومنشؤه

1 ـ تعريف الظلم: الظلم هو الجور ومجاوزة الحد.

2 ـ منشأ الظلم: يقول ابن حجر العسقلاني في كتابه ـ القيم ـ فتح الباري:( منشأ الظلم عن ظلمة القلب، لأنه استنار بنور الهدى فلم يعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئا) (الفتح 5/63)

وجوب النظر إلى ما يقع في الكون كله بعين العدل

إذا كان الظلم هو الجور ووضع الشيء في غير موضعه الشرعي، فهو مستحيل في حق الله سبحانه وتعالى، لهذا فإن كل ما نراه في الكون فيه حكمة ربانية، وليس فيه تجاوز للحد من الحق عز وجل، فإذا رأينا معوقا مثلا فليس ذاك ظلما من الله له، وإذا أصاب الله عز وجل قوما بنكبات، فليس ظلما منه سبحانه وتعالى، وإذا أفقر بعض الناس وأغنى البعض، فليس ظلما من الله عز وجل….قال النووي رحمه الله في هذا الشأن: ( كيف يجوز سبحانه وتعالى حدا وليس فوقه من يطيعه أو يرسم له عملا إن تجاوزه ظلََم، وكيف يتصرف في غير ملك، والعالم كله ملكه وسلطانه) (مختار الإمام مسلم2/441).

وقال تعالى في سورة فصلت: ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد) الآية 46

الظلم منبع الرذائل كلها

إن مما ينبغي ألا يغيب عن أحد، أن الظلم عاقبته سيئة، وهو منبع الرذائل، ومصدر الشرور.

وحد الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهو انحراف عن العدالة، ومتى فشا الظلم وشاع في أمة أهلكها، وإذا حل الظلم في قرية أو مدينة دمرها، والظلم والفساد قرينان، بهما تخرب الدنيا وتزول الأمصار وتقل البركات ويحل القتل محلها، وهو ظلمات تزل الأقدام في غياهبه، وتضل به الأفهام، ويظهر الفساد، وينتشر بسببه الفزع في الناس. فهل أدرك حكامنا وكل من استمد السلطة منهم هذه الحقائق أم لا؟

كيف تدرك شناعة الظلم؟

إنني مهما حاولت أن أبين لك ـ أخي القاريء ـ شناعة الظلم وفظاعته على الكون كله فقد لا تدرك ذلك إلا إذا مورس عليك وذقت مرارته، ولا إخالك إلا قد ذقت ألوانا من الظلم، في هذا البلد الذي تعيش فيه، بل الظلم الممارس عليك من جهتين:

الجهة الأولى: إما بسبب حقك المهضوم أو الاعتداء عليك واتهامك زورا وأنت بريء أوهما معا.

الجهة الثانية: عدم الاكتفاء بما مورس عليك بل تزييف الحقائق في حقك، وما كل هذا إلا لكون الله العليم الحكيم أراد أن يجعل منك إماما تهدي بأمره إن أنت استوعبت الدرس وفهمته. وسأقرب للقارئ الكريم ما قلته بالمثال الحي لأن بالمثال يتضح المقال.

يحكى أن شيخا عالما مربيا كان يدرس الأطفال ويحفظهم كتاب الله، ويؤدبهم بآداب الإسلام، وكان ممن يدرس عنده ابن حاكم البلد، وفي يوم من الأيام،قصد الشيخ ابن الحاكم دون سائر التلاميذ فاعتدى عليه وضربه ظلما وعدوانا.

وبعد سنوات عديدة مات حاكم البلد وتولى ابنه الحكم بعده ـ كما هو شأن حكام العض والجبر من بعدهم كما أخبرنا الحبيب المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى ـ فكان أول ما قام به هو إرسال الجنود للبحث عن شيخه ومربيه والإتيان به إن كان على قيد الحياة، فلما وجدوه وقد كبر سنه ووهن عظمه، مثل بين يدي الحاكم فسأله عن سبب ضربه إن تذكر ذلك، فأجابه الشيخ المربي بيقين المربي واطمئنان المرشد الموجه، لقد ضربتك ظلما وعدوانا لأنني لاحظت رجاحة عقلك وذكاءك، وأنك ستتولى الأمر من بعد أبيك، فأردت أن ألقنك درسا لن تنساه في شناعة الظلم وأثره على المظلوم حتى لا تظلم أحدا. فهل يا ترى حكامنا وذوو السلطة في بلدنا تلقوا مثل هذا الدرس وذاقوا مرارة الظلم ولو مرة واحدة، وما أظن أن من الشيوخ المربين من تتاح له الفرصة لتربية حكامنا لأنهم لايتلقون تربيتهم إلا من الغرب الذي يعتزون به ويتتلمذون على يده، ويا ليتهم كانوا تلامذة فطنين فتشربوا من أساتذة الغرب السمين من أخلاقهم وتركوا الغث.

الله مع المظلوم ولو كان كافرا

أيها الأخ الكريم، أيها الأخت الكريمة، أيها الشعب المظلوم المقهور، كونوا على يقين لا يشوبه أدنى شك أن كل ظالم سواء في بلدنا هذا أو في غيره من بلدان العالم إنما يحفر بظلمه حفرة عميقة لنفسه ولأتباعه، لايستطيعون الخروج منها، ولا تقوم لهم بعدها قائمة، ولا تنفعهم بعدها ندامة، جاء في شعب الإيمان للبيهقي (أن مسلما بن يسار سمع رجلا يدعو على رجل ظلمه، فقال له مسلم: اترك الظالم إلى ظلمه فإنه أسرع إليه من دعائك عليه، إلا أن يتداركه بعمل وقمن أن لا يفعل) (7481). بل سيكون ظلمهم فتحا ونصرا للمستضعفين المظلومين في مشارق الأرض ومغاربها عموما، وفي بلدنا المغرب خصوصا إن شاء الله تعالى، لعدم دوام الظلم، لأن عمره قصير، ولأن الله مع المظلوم ولو كان كافرا، فما بالكم إذا كان مسلما، وما بالكم إذا كان ما لحقه من ظلم في سبيل إعلاء كلمة الله بالحكمة واللين وبالتي هي أحسن.

عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال:(إن الله تعالى لما خلق الخلق واستووا على أقدامهم رفعوا رؤوسهم إلى السماء وقالوا: يارب، مع من أنت؟ قال : مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه). ومن كان الله معه فلن يهضم حقه، طال الزمن أم قصر، وتاريخ البشرية، والواقع المعيش شاهد على ذلك إلى أن تقوم الساعة، والأمثلة على ذلك كثيرة.

وأول عقوبة للظالمين في الدنيا قبل الآخرة أن الله عز وجل يحرمهم من متع الدنيا وإن تظاهروا للناس بأشكالها، قال الله تعالى في سورة النساء: ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما) الآيتان 160 ـ 161

والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أي أن الآيتين لا تتحدثان عن اليهود فقط بل عن كل من سلك هذا المسلك الذي به حرموا متع الدنيا ولذتها، فخسروا دنياهم وآخرتهم بسبب ظلمهم أولا، وصد أنفسهم وغيرهم عن دين الله القويم ثانيا، وبسبب تناولهم الربا الذي نهوا عنه ثالثا، واستحلالهم أموال الناس بغير استحقاق رابعا. ل