شعار يرفعه هذه الأيام أناس انبروا بحماسة لتعليم المغاربة أصول المواطنة وروحها وأخلاقها وواجباتها، شعار ينضاف إلى سجل طويل من الشعارات كانت ولا تزال عناوين غامضة لمراحل متشابهة في بؤسها متماثلة في مظاهرها. يحق لنا التساؤل عن مآل تلك الشعارات التي سطرت لها برامج وصرفت لتنفيذها أموال باهظة لم تفض إلا إلى عواقب سياسية واقتصادية يجسد تفاصيلها واقع مغرب اليوم. كان للعهد الماضي “العهد الزاهر” ترسانة هائلة من الشعارات التي تفنن رجالاته في إخراجها و تسويقها بكل الوسائل، كانت “الديمقراطية الرائدة” ودولة “الحق والقانون” رمزا من رموز المغرب “الحديث”، لم يستحي أولئك الملأ من الكذب البواح على ملايين البؤساء وعلى رؤوس الأشهاد في الداخل والخارج، شعارات تلو شعارات منصوبة الأعلام فوق واقع تشهد فظاعات تازمامارت ودرب مولاي علي الشريف ودار المقري وبريشة على قسوته.

شعار هذه الأيام  المواطَنة  أصبح له وقع خاص وبدأ المخزن ومعه السياسيون يرددونه بكل صفاقة يطالبون المواطنين من طرف خفي ملمحين ومصرحين بضرورة الانضباط لقيم المواطنة التي وحدها تحدد درجة صلاح المواطن من عدمه؛ عقلية، لا تزال، تفهم ما تريد مما تريد وتوظفه كيفما تريد.

المواطنة يا هؤلاء مشتقة من الوطن حيث التعايش يفرض على الكل واجبات ويضمن للجميع حقوقا بالتساوي، حقوقا هي الضمانة الأساسية لإفشاء السلم الاجتماعي، حقوقا بدونها يضيع معنى الوطن وينشأ التوتر ويحتدم، حقوقا إن ضاعت يكره الناس أوطانهم ويهجرونها.

ينشأ خلط عجيب، لدى المسؤولين في بلدنا، بين مجال الوطن ومجال الدولة وبالتالي تراهم لا يفرقون بين هذين المستويين، فيصبح مفهوم الوطن – وهو الحيز الجغرافي الذي يعيش داخله المواطنون بحقوق مكفولة وواجبات مبذولة ذائبا في مفهوم الدولة وهي مجال المؤسسات المطالَبة بخدمة المواطنين وحماية حقوقهم، فالدولة هي التجسيد المؤسساتي للوطن، خلط فظيع بين حقوق الناس وحقوق الدولة الشيء الذي يؤدي إلى نشوء التوتر والصراع حين لا تجد الحركات المطلبية متنفسا ضمن الحراك السياسي والاجتماعي نتيجة التضييق على الحريات واختلال البنيات المؤسساتية الناجم عن عدم الفصل بين السلط، فصل لن يتأتى أبدا ما دمنا أيضا لا نفرق بين مؤسسات الدولة ومؤسسات نظام الحكم.

تشهد الساحة المغربية اليوم مظاهر توضح بُعد الساسة والمتمكنين من دواليب التدبير والتسيير عن مفهوم المواطنة وتجلياتها، لذا نُساءل بعض هؤلاء وأولهم المخزن العتيد عن أوضاع مخزية تعيشها شرائح مجتمعية بالجملة، من ضيع حقوق هؤلاء وجعلهم عرضة للضياع والموت البطيء؟ ألا تقتضي المواطنة ضمان حقوق هذا الشباب، ثروة المغرب الحقيقية وعدته للمستقبل؟. توضح الإحصائيات أن شباب المغرب “المواطن” (أقل من 35 سنة) تقارب نسبته حوالي 75% من السكان، شباب يجتر البؤس والبطالة في الشوارع لا حق له حتى في التعبير عن سخطه، كل حظه السلخ والضرب والاعتقال إن هو سولت له نفسه الاحتجاج بشكل متمدن للمطالبة ببعض حقوقه، شباب ويا أسفاه يرمي بنفسه عرض البحر لعل ضفافا أخرى في زعمه تسعفه في نيل حظه من العيش الكريم، أو يلقي بنفسه في أتون المخدرات “يحقق” في سرابها بعضا من أحلامه الوردية، أو تجده فريسة للتطرف والتكفير يفجر الكراهية النابتة في نفسه بفعل التهميش فيقتل إخوانه “طلبا” لجنة الآخرة حين ييأس من أن ينال نصيبه من الدنيا، أو يبقى عرضة لأمراض نفسية لا فكاك منها تدفعه دفعا إلى المجهول فينتهي به المطاف في سجون مظلمة أو مصحات كئيبة إن حالفه الحظ، ألم يطلع علينا وزير الصحة يوم 22/02/2007 بتصريح صحافي بين فيه بالأرقام حالة الصحة العقلية بالمغرب؟ أزيد من 48% من المواطنين مصابون بأمراض نفسية تتراوح بين القلق والتعصب والدهان والحمق الصريح(*)، ألا تدفع هذه الكارثة الصحية حكومتنا “المواطِنة” (بكسر الطاء) للتفكير عميقا في أسبابها؟ أليس الواجب الأكثر إلحاحا الآن هو البحث عن حلول مستعجلة تحفظ على المغاربة عقولهم.

إن المخزن لا يفهم من المواطنة إلا ضرورة انخراط المواطنين جميعا في جوقته الضخمة الفخمة التي تعزف نشيد “العام زين”، من لم يحجز لنفسه مقعدا للعزف في هذه السيمفونية الميتافيزيقية يعتبر مارقا منبوذا لا حق له حتى في الوجود. هذا الفهم السقيم يريد من المواطنين المشاركة في الحياة العامة على مقاس خاص ووفق تصور محدد، على الكل أن ينضبط للقواعد الخاصة باللعبة المتوافق عليها حيث الحدود مرسومة سلفا وسقف المطالب محدد لا يجوز تجاوزه على الإطلاق.

أما البرلمان فتفعيل المواطنة بين أعضائه وتجلياتها قد سارت بها الركبان، برلمان غائب عن كل قضية إلا عن أجور نوابه، يساءَل البرلمان عن دلالات المواطنة عند أعضائه وهم يغيرون انتماءاتهم بكل يسر واستهتار من اليسار إلى اليمين ومن اليمين إلى اليسار، ألا تقتضي المواطنة يا قوم احترام أصوات ناخبيكم واحترام “مبادئ” أحزابكم أم أن اللعبة في ملاعب المغرب السياسية لا تخضع لقواعد ولا تعترف بمبدأ؟ ما عاد في المغرب فرق بين يسار ويمين، بين “اشتراكيين” و”ليبراليين”، بين “مناضلين” وأعوان سلطة إلا ما رحم ربك، عشنا سنوات طوال نسمع عن الاشتراكية وبرامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى إذا جيء بروادها عبر التناوب الممنوح لم يجدوا من البرامج إلا أشدها ليبرالية وأعتاها رأسمالية، برامج متوحشة أدت إلى إغلاق مئات المعامل وتسببت في تسريح آلاف مؤلفة من العمال ناهيك عن الخصخصة بالطريقة المغربية طبعا (باعت الدولة اتصالات المغرب وهي كانت حين تم تفويتها تدر أرباحا هامة على الخزينة وبالمقابل أممت قناة دوزيم وكانت على حافة الإفلاس إنقاذا لرأسمالٍِِِ أصحابه لا تجوز في حقهم الخسارة !!!). هؤلاء الحربائيون المتقمصون لكل لون والداعون لكل فكرة والمتكلمون بكل خطاب المتمخزنون الجدد لم يعد لهم من هم سوى التقاط الإشارات المركزية التي يرسلها سادة البلاد فيجعلوها محور “برامجهم” وجوهر عملهم ومنتهى آمالهم، تعجب في المغرب من سرعة البرق التي تؤيد فيها الأحزاب كل مبادرة تصدر عن مؤسسة الحكم دون أن يكلفوا أنفسهم بحث أبعادها ومراميها ناهيك عن نقدها أو تقويمها، يتم الإعلان عن مبادرة ما بالمساء فتجد صحف الغد تبز حتى أصحاب المبادرة في فهم أهدافها ومحاسنها وفضائلها وقيمتها و…. وما لا يخطر على البال.

بعد طول تحليق في سماء الشعارات قررت الحكومة الهبوط إلى الأرض لتُخرج لنا شعارا عريضا اختارت له هذه المرة جملة بكاملها: الأرضية المواطنة للنهوض بثقافة حقوق الإنسان، هذا الشعار/الخطة أعلن عنه الوزير الأول أواخر شهر فبراير الماضي في حفل كبير حضره بعض أعضاء الحكومة وبعض ممثلي الأحزاب وهيآت حقوقية وبعض أعضاء السلك الدبلوماسي وشخصيات دولية ووطنية، ووُضع لهذه الخطة برنامج سيمتد خمس سنوات “سيتمكن” المغرب بعدها من إشاعة ثقافة حقوق الإنسان. التزام غير مكتوب لحكومة السيد جطو صفقت له المنظمات الحقوقية المغربية دون أن تحصل على أي ضمانة، وأولها وضع آلية للمحاسبة والمساءلة وتفعيلها في كافة مستويات السلطة والمسؤولية. صفقت الهيآت والمنظمات ووقعت على بياض ولن يجد أحد بعد السنوات الخمس من يذكر هذه الحكومة بالتزامها الأخلاقي مادامت ستذهب بعد شهور معدودة من الآن ومادامت كل حكومة تنسخ عمل من سبقها، ولن يبق للمصفقين إلا التنديد حين يكتشفون أن الأرضية لا تزال غير مواطنة. حري بكل مشروع يهم حقوق الناس يراد له النجاح حقا أن يُشرك فيه المواطنون وسائر مكونات المجتمع المدني اقتراحا وتنفيذا ومتابعة، وإلا فقد علمتنا السنون وصرنا على يقين تام أن كل “حق” يمنحه المخزن لن يجيزه إلا ضمن المساحة التي تضمن استبداده.

يا قوم، المواطنة تقتضي تربية عميقة تؤسس لقواعدها وأهدافها، ما صلاح الناس إلا نتيجة لصلاح نفوسهم بالتربية الدينية المبنية على القيم والأخلاق التي هي روح هذا المفهوم، تربية ينبغي إشاعتها في المساجد والبيت والإعلام، موازاة مع تقويم رافعة الإصلاح وقاطرته: التعليم، هذا القطاع الذي بات ينذر بالفشل المستقبلي في كافة الميادين والذي غدا عنوانا للتخبط والعشوائية في تسطير البرامج وتنفيذها ورائدا في إهدار سنوات ثمينة من أعمار أجيالنا، إن لم تتم مراجعة المنظومة التعليمية بكافة مكوناتها وبشكل عاجل فاقرؤوا السلام على الوطن والمواطنة.

أما المغاربة فهم وطنيون بالفطرة والحال ولن يجدوا غضاضة في المشاركة والتفاعل مع كل مبادرة مواطنة شريطة أي يلامسوا صدق من يتصدرون لتفعيلها، وإلى ذلك الحين فلتبق المواطنة في الانتظار وكل عام وأنتم مواطنون.

(*) انظر تصريح وزير الصحة باللغة الفرنسية عن الصحة العقلية بالمغرب بتاريخ 22/02/2007 بالموقع الالكتروني للوزارة.