تقلص البادية

رغم أن المغرب كله بادية إلا ما سُمي مجالا حضريا، ورغم أن البادية أقدم من المدينة كما يذكر الحكيم ابن خلدون في المقدمة: “البدو أقدم من الحضر وسابق عليه”، ورغم أن الساكنة “النشيطة” في البادية المغربية ما زالت تحافظ على40 % مقارنة مع 4% في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنها تراجعت عن مركزيتها لصالح المدينة تحث ضغط مجموعة من الإكراهات المحلية والدولية، وتحث ضغط سياسات حكومية متخلفة ومتلاحقة أنتجها نظام سياسي لا مبالي. حتى تقلصت نسبة سكان البادية إلى 45% من مجموع سكان المغرب بعدما كانت نسبتهم تفوق نسبة سكان المدن بكثير، وهي اليوم مرشحة للتقلص أكثر، فخلال الإحصاء العام للسكان والسكنى سنة 2004 تراجعت نسبة سكان البادية في ظرف عشر سنوات من 49% إلى 45%، وتشير توقعات صندوق الأمم المتحدة للسكان (FNUAP ) إلى أنه خلال سنة 2025 ستكون الساكنة المغربية في حدود 39 مليون نسمة، وسيكون نصيب البادية منها 14مليون نسمة فقط.

أسباب أم نتائج؟

ويعزى هذا التراجع إلى تداخل المعطيات التالية:

– إهمال المخزن للفلاحة والفلاحين -باعتبار أن النشاط الأساسي بالبادية هو النشاط الفلاحي( 80% داخل استغلاليات فلاحية)-(1) بل الاستخفاف بمطالبهم وتجاهلها، سواء قَبْل فترة الاستعمار حيث كانت السيبة، أو خلالها حيث رفع يده بالمرة ودخل جُحْر ضَبه، أو بعد الاستعمار حيث كايْن الإهمال لا غَيْر.

– تتابع سنوات الجفاف على الفلاح، الفقير أصلا، دون عون من الدولة، اللهم بعض الترقيعات الصفراء (الحريرة مثلا)! التي لا تمنع تحول الأغنياء إلى فقراء وتحول الفقراء إلى معدومين، خاصة أنه في العشرين عاما الماضية سجل 15 موسما فلاحيا جافا.

– الهجرة الاضطرارية لتحصيل لقمة العيش، إما إلى المدن أو إلى خارج المغرب للنهوض بفلاحة الآخرين.

– الفقر، حيث أغلب سكان البادية فقراء. بالإضافة إلى البطالة وموسمية فرص الشغل (الحصاد مثلا).

– نقص حاد في التجهيزات الأساسية والبنيات التحتية مما يعوق أية نهضة فلاحية في المستوى المطلوب.

– ثقل القروض الربوية وثقل الضرائب غير المباشرة التي تطال عوامل الإنتاج… (قرض فلاحي لصالح كبار الفلاحين).

– تقلص المساحات المزروعة التي تضمن أسباب العيش للفلاحين، مع العلم أن 70% من الأراضي الصالحة للزراعة تتعرض لتعرية كثيفة. وأن الفلاحة البُورية تمثل أكثر من 90% من هذه الأراضي.

– اضطراب الأنشطة الرعوية، خاصة خلال فصول الأمطار. مما عرض “الكَسابة” لخسائر فادحة …حيث انخفض عدد رؤوس الماشية بشكل مهول. (وبالتالي تضرر الفلاح و تضررت البادية، أي المغرب)

– عدم استقرار المناخ وغياب المكننة وقلة استعمال البذور والأسمدة والأدوية.

ضعف مردودية وإنتاجية القطاع الفلاحي، حيث تبين الدراسات أن دخل الفلاح لا يمكن له أن يصل الحد الأدنى للدخل في القطاع الصناعي ما لم يستثمر هذا الفلاح هكتارين على الأقل في المناطق السقوية ومن 6 إلى 18 هكتارًا في المناطق البورية. وأنى له ذلك إذا علمنا أن70٪ من الاستغلاليات الفلاحية لا تتجاوز مساحتها 5 هكتارات؟؟؟ وأن الساكنة التي لها مدخول ضعيف تشكل 5,7 مليون نسمة أي حوالي 43% من ساكنة البادية.

– ضعف التمويل وعدم مرونة مسطرة القروض مما أوقع العديد من سكان البادية في فخ تسليم الأرض للمخزن، ومغادرة البادية إلى هامش المدينة، وإنتاج البؤس الذي لا ترفعه تنمية الشعارات…

الفشل بالألوان

تعترف الدولة أحيانا بفشلها في معالجة “العجز الذي تعاني منه البادية المغربية في مجال التجهيزات الأساسية والخدمات الاجتماعية” (2)، لأنه ما يُعْرَف على المخْزن (الحكم المستبد) هو عدم تركيز اهتمامه على شيء من الوطن، لا تعليم ولا اقتصاد ولا حقوق الناس ….لا في البادية ولا في المدينة، إلا أنه في البادية يستحق المرور من “المجلس التأديبي” على تعمده منهجية التفريط والتهميش والاحتقار، واتخاذ أقصى العقوبات في حقه، والتي أخفها الطرد من المسؤولية لأنه مارس جريمته وهو في حالة سكر تام.

والغريب أن التهميش واللامبالاة تزداد في حالات الجفاف التي يتنصل فيها الحُكام من أية مسؤولية حقيقية، حيث تتساقط الثلوج على تلك الوعود الانتخابوية الموسمية وينفضح عَوَر المقاربة المَخزنية المُخزية، وتنكشف النتائج المُزْرية لعُمْرٍٍ من الإفساد والتلاعب بمصير شعب مُسَالم، حيث لم يعد الخَماسْ يجد على من يٌخَمسِْ ولا الحصاد لمن يحصد ولا ماذا يحصد ؟ ولا الكساب ماذا يكسِب وكيف يكسِب؟ ولا حتى الطَلاب (المُتسول المتعفف) ممن يطلب! ولا ما يطلبه!

بِنية تقليدية هشة وشعارات عصرية رنانة!

تَنَمروا وهم قطط

تتبجح كل الحكومات باهتمامها بالبادية وتبرهن على ذلك بأرقام (وكأن البادية تحتاج إلى أرقام) و”مشاريع” لا تطبق إلا على الورق، مبادرات بل شعارات مطاطة تُمدد الأزمة وتبدد الأمل، ولا تزيد الفقير إلا إملاقا ولا الكادح إلا كدحا ولا الضعيف إلا موتا بطيئا …..ولم ينجز ميدانيا سوى الخيبة والفشل، والأرقام أيضا.

فرغم أن البادية تحملت الكثير من أجل الاستقرار، سواء قبل الاستعمار حيث كانت السيْبَة والإهمال، أو مع وجود الاستعمار لما تعرضت الأراضي الفلاحية لتسلط المعمرين وعنصريتهم وطرد الفلاحين من أراضيهم، ناهيك عن تعسف القُواد المغاربة المُوَالين للسلطات الاستعمارية، بالإضافة إلى الضغط الجبائي الظالم وما تسبب فيه من تفقير عام، ومن ثم واجب الجهاد لتحرير الأرض من الغازي الكافر، ثم بعد الاستقلال العسكري حيث سيطرت النخبة المُغَربَة على مراكز تنفيذ القرار المخزني المُجحِف، والتي لا تنظر إلى البادية إلا من حيث هي مورد سنوي لكبش عيد الأضحى الأقرن الأملح. كما تم تفويت أكثر من 700 ألف هكتار من الأراضي المسترجعة إلى كبار الملاكين العقاريين المقربين من المخزن، والذين يستحوذون على 90% تقريبا من الأراضي الزراعية التي كان يستغلها الاستعمار (890.470 هكتار).

هذا الوضع المختل فرض على الفلاح خيار التشبث بالأرض على ما هي عليه وتحمله المعانات الثقيلة والدائمة. (حَرْفَة بُوكْ لا يْغَلْبُوكْ…وشَدْ الأرْضْ حْتَى تْشَدَّكْ)…

في حين لم يعد خاف على أحد تورط جهات عليا ومسؤولة بالبلاد وعلى امتداد عقود في مجال إنتاج مختلف أنواع المخدرات والاتجار فيها والمساعدة على ترويجها وتهريبها. فماذا ينتظر صاحب المِحراث والمِخلاة (العَلاَّفَة) من عصابة مُدَرَّبة على السطو على خيرات البلاد والعباد؟ وماذا عساها تقدم له مافيا متخصصة في المخدرات؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة” متفق عليه.

الإهمال بلا حدود

ندرك نحن أبناء البادية أن الدولة لا تتوفر على سياسة فلاحية قوية وواضحة، وندرك أن ما تعتبره مخططات هو فقط جعجعة موسمية لا تخلف طحنا  والواقع يشهد- وندرك أن كل ما هنالك مجرد أقاويل الفيش والفشل والجدل، تزيد الأزمة عمقا والفقير سحقا. وندرك أن للعقلية المخزنية عداء قديم مع البادية والريف، لأن الطغيان والاستعلاء في الأرض يمنع صاحبه من التواضع للتفكير في مشاكل الضاحين والمُعوِزين والمستضعفين والبدويين.

وإلا لم وصلت البادية إلى هذا الوضع الكارثي الذي تعيشه؟

هناك مجموعة من المؤشرات التي تظهر بوضوح أن وضع البادية جد خطير:

– بيوت الله  المْسِيدْ- ونظرا لمحوريتها في العلاقات الاجتماعية أصبحت في أغلبها مهجورة أو شبه مهجورة لتوالي سنوات الجفاف على الفلاحين من جهة، ولأقدمية الوزارة الوصية في ممارسة الإهمال من جهة ثانية، ولانشغالاتها الرسمية المكثفة بخدمة الأعتاب! (نسبة إلى سوق السبت آيت عتاب بنواحي بني ملال)، وإذا ما تململت تحث ضغط الأسياد الأمريكان! فراتبك سيدي الفقيه 200 درهم شهريا!!! أي حوالي 6 دراهم في اليوم!!! لتُؤذن وتُصلي بالناس وتُدرِس وتُغسل وتُكفن وتُبلغ المْقَدمْ أخبار من له لحية أو ألقى موعظة في إحدى المقابر المهجورة أو جمع جيرانه من أجل إفطار جماعي !! أو قرأ معه الحزب الراتب من القرآن أحد أعضاء جماعة العدل والإحسان!!!

كلما ذهب المخزن إلى بلدٍ إلا وقال له الفساد خُذني معك.

– أما المهرجانات المائعة التي يُكفن فيها الحياء ويُغَسل فيها الدين ويُصلى فيها على الشعب فالمخزن دستوريا يحمي حماها ويضمن نشاطها إلى منتهاها! ولا نستغرب أن نسمع مستقبلا عن تنسيق ممكن بين وزارة الأوقاف ووزارة الفلاحة -في إطار الشراكة والمفهوم الجديد للسلطة ومحاربة الإرهاب والقضاء نهائيا على الجفاف- لتنظيم مهرجان متنقل بالبادية! يفتتحه عادل إمام بإحدى القرى التي تعاني الجفاف والإهمال، السْماعْلة نموذجا!

ومن المتوقع أن يصطف جمهور الجوعى والمرضى والمنكوبين والكَسابة والطُلاب المعطلين والحَصادة القدامى على بوابة المهرجان ليرددوا شعارات ساخطة مثل:

حْنا طْلبْنا إمام عادل وانْتُوما جَبْتُوا لينا عادل إمام!

في المغرب عْليك أمانْ لا حكومة لا برلمان…

لا لا ثم لا لتهميش البادية…

– النتيجة أيضا هجرة وتسول، إذ بلغ عدد المتسولين جراء الهجرة داخل المدن إلى 500.000 متسول! أكثر من 60% منهم جعلوا التسول حرفة للعيش بعدما يئسوا من الحصول على عمل في دولة تسلخ الدكاترة! أمام البرلمان! في العاصمة!

ملايين من المواطنين! يتسكعون في المدن أغلبهم من المياومين والحمالين والعاطلين والعمال اليدويين وماسحي الأحذية وبائعي النعناع والقزبر والمعدنوس، ويسكنون بمدن الصفيح، ولا يزال “المغرب أحسن بلد في العالم”.

أما عن الهجرة إلى خارج المغرب فقوارب الموت تُحدثك يا من يكْذب على الناس بأن “المغرب بلد الحق والقانون”!

– الإهمال أيضا بالجملة في التعليم حيث أكثر من 80% أميون، بالإضافة إلى قلة المدارس وضعف الشبكة الطرقية، بل انعدامها أحيانا، إذ مازالت بعض البوادي تعيش على نفس الوضعية التي كانت تعيش عليها قبل الاستعمار، مما يجبر رجال ونساء التعليم على قضاء ساعات كثيرة مشيا على الأقدام بين أدغال الجبال معرضين أنفسهم لكل المخاطر صيفا وشتاء، (ربما هذه هي السياحة الداخلية) وهذا ينعكس مباشرة على الأبناء الذين غالبا ما ينقطعون عن الدراسة في سن مبكرة، لعدم وجود منح ولا مطاعم ولا أقسام داخلية كافية ولا ماء شروب ولا كهرباء ولا مصارف صحية، ليُسْهِموا في إعادة إنتاج الأمية من جديد، وبالتالي الإهمال… في حين أن المخزن والمخازْنية والمخازْنيات يبتسمون ببلاهة في المهرجانات الصاخبة التي تُمَوَّل من مال الأمة المستضعفة ويكدِّسون هم أموالهم في بنوك الغير!

– الإهمال في المرض، أو قًلْ مرض الإهمال، حيث يعاني سكان البادية من خصاص مُهوِل في الأطباء والممرضين والمشفيات والأدوية و سيارات الإسعاف وقاعات الولادة… وكل حاجيات التغطية الصحية. فمن لم يسمع عن أطفال خنيفرة الذين يموتون بردا وجوعا وأمية وتهميشا؟ أجيال تموت في البادية، و “أجيال” تغني الانحلال والتفسخ والمسخ في M 2.

– الإهمال في الماء الذي لا يضر بالصحة، حيث يضطر الناس إلى قطع مسافات طويلة جدا تصل إلى 50 كلم وأكثر من أجل الحصول على قطرة ماء  إن وجدوها- لكفاف الأسرة أو لقُطيْعاتِ الأنعام، هذا في الحالات العادية أما في حالات الجفاف فالأمر سيء للغاية، وفي المناطق السقوية ارتفعت فاتورة ماء السقي بأكثر من 50% بين 1984 و 1992.

– الإهمال في الكهرباء، نحن الآن في سنة2007 و لم نستطع “كهربة” حتى 10% من مجموع البوادي المغربية!  الإهمال في الخدمات العامة، في كل شيء، ..

– الشباب في البادية يتعرض للموت البطيء، لا عمل ولا دعم ولا عون، والمؤسف هو اكتساح البادية بقاعات اللعب والقمار. ( زادْ الوَيْلْ عْلَى الوَيْلْ وْجَابُوا فِيلَة للفْيلْ).

– الجمعيات التنموية بالبادية تعيش غالبا التضييق والحصار أكثر من أخواتها في المدينة، بلا قانون ولا منطق، اللهم منطق تمَخْزَنيت الذي لا يراعي للكرامة الآدمية حُرمة .

– أما موظفو الجماعات القروية (360 جماعة) فمعاناتهم أصبحت تعاني هي الأخرى من مشاكل مادية خانقة، إذ أغلبهم مُصنَّفون ضمن السُّلم 1! الله أكبر عْلَى تنمية بشرية دْيالْ بَصَّحْ!

النتيجة: بادية دون تخطيط، بل بلد دون تخطيط. والفشل في التخطيط كالتخطيط للفشل.(3)

الإستغلال الفاحش

يعرف تاريخيا على أبناء البادية المغربية -شمالا وجنوبا ووسطا- عدم قبول المذلة والمهانة، وهو ما ترجمته غيرتهم على دينهم وعرضهم وأرضهم في الجهاد لصد العدوان (الهَاجَمْ يْمُوتْ شْرَعْ)، وقد أبلوا البلاء الحسن بقيادة رجال المقاومة وعلمائها. نسأل الله تعالى أن يتقبل منهم جهادهم وأن ينفع به ذرياتهم.

بادية مجاهدة بأميتها فكيف إذا كانت متعلمة؟

لا يمكنني أن أنسى تلك الأيام العصيبة والليالي السوداء على سكان البادية أثناء الحملة المجحفة التي فرضها المخزن بالحديد والنار من أجل بناء مسجد للملك في مدينة الدار البيضاء، وكان والدي من المتضررين من جراء الظلم الشنيع حيث أُكرِه على أداء حوالي 500.000 فرنك (نصف مليون سنتيم!) كواجب مخزني تحت السب والشتم والتهديد بالسجن، وأذكر أن والدي لم يأتنا بعشاءٍ تلك الليلة القفراء. بل بلغ الاستخفاف إلى إجبار الفلاحين الصغار الذين يعانون من ظروف معيشية صعبة جداً على تأدية مكوس مغلظة على أغنامهم وكلابهم و شُجَيْراتهم! مما حدا بجيراننا إلى قطع الأشجار وطمس معالمها وقتل الكلاب وتهريب شُوَيْهاتهم!

فما علاقة مكوس الكلاب ببناء المساجد؟؟؟

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن صاحب المكس في النار” (الألباني، السلسلة الصحيحة، 3405)

ما تْقِيشْ حْشيشي

أما أيام الانتخابات والديمقراطية العْرُوبية فلا حاجة للمتنفذين  أعوان المخزن وحلفاءه القدماء- إلا تمزيق البادية وتمريغها في وحل الحزازات والعصبيات، حتى تقاسم الناس المساجد والمقابر، بل طُلقت النساء وعُلقت الأرحام. ناهيك عن رعونة الشيوخ والمقدمين في إجبار الناس على التصويت وتخويفهم وتهديدهم بالسجن! تلبية لنزوات سياسوية موسمية.

واستغلال آخر يتجلى في تعاطي بعض أطراف البادية (97000 أسرة/ 800 ألف نسمة) للمحظور شرعيا وأخلاقيا (المخدرات)، حيث تقدر مساحة زراعة مخدر الحشيش (القنب الهندي) ببعض الأقاليم الشمالية (تطوان، شفشاون، العرائش، الحسيمة وتاونات) ب: 134 ألف هكتار، ويبلغ الإنتاج حوالي 47400 طن! لكن المستفيد دائما هو علية القوم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.

سؤال: أين تُصدر هذه الآلاف من أطنان الحشيش؟ ألا تراها أجهزتنا المتضلعة في الخواء الخاوي؟

جواب: آ… في إطار الانفتاح على الآخر يسمح للحشيش أن يمر بسلام عبر البحر الأبيض “المُتحشِّش” طبعا، وتحث شعار “ما تْقيشْ حْشِيشي” إلى حضارة ما بعد الأندلس (إسبانيا) التي تعد أهم محطة لعبور “حشيش المملكة” إلى شباب تتقاذفه لوبيات الخمور والمخدرات والجريمة والانحراف.

أما الغابات مسكينة بمراعيها وأشجارها -وإن كانت تقدر ثروتها بحوالي 91 مليون هكتار- فهي تتعرض لنزيف يومي حاد جراء سوء الاستغلال وحسن الإهمال؛ بسبب القطع العشوائي وعدم تجديدها من خلال إعادة التشجير.

أما التعاونيات الفلاحية، فرغم أن المنخرطين فيها لا يتجاوزون6 % من سكان البادية، وتقوم بمعالجة 40 % من الحليب المجمع وطنياً فإن رُوح المخزن تفسدها، إذ يستغلها المتنفذون بلا حسيب ولا رقيب. ولا يحترمون مقتضيات قانون التعاونيات؛ كعدم وضع سجل للأعضاء وعدم عقد الجموع العامة وعدم ضبط المحاسبة… مخزن مُصغَّر والسلام!

مستقبل فلاحتنا في ظل العولمة؟

أمام هذا الانهيار العام في مختلف القطاعات ونظرا لأهمية الجانب الفلاحي في إقامة التوازن الاجتماعي والاقتصادي والمجالي لا يمكننا أن نحرز نجاحا وتقدما إلا بإعادة النظر جذريا في الأساليب العامة والتفصيلية التي أنتجت الفشل وسَوقت الوهم وعممت الخراب.

وها نحن بلا كفاية إنتاجية أمام انفتاح فاضح على السوق العالمية، فبأية فلاحة سنواجه مخططات الغزو المقنن حتى نصون كرامتنا ونحافظ على استقلالنا؟

أما حكومات الفشل والاستغلال  السفيهة- ولظنها أن النمو والتقدم لا يمر إلا عبر “الأمْركة”، فهي حاذقة في المسارعة إلى التوقيع على مجموعة من اتفاقيات التبادل الحر (4) التي تسعى إلى إغراق السوق المغربية بسيل من المنتجات المتدفقة من وراء البحر، وإخضاع البلاد لتوصيات المؤسسات الدولية ولتوجيهات البلدان الاستكبارية التي تتحكم فعليا في تحديد الاستراتيجيات العامة لبلدنا.

من أوصلنا إلى هذه المهانة؟

…فلاحتنا كسيحة، وصناعتنا معوقة، وسياستنا مُمَخزَنة ومُمَخْزِنة، وأحزابُنا كأحزانِنا كثيرة ولا يُعول عليها، وبرلماننا يُصَفق، وإعلامنا مائع، وتعليمنا تابع، وقضاؤنا فاسد واقتصادنا كاسد، وصحتنا مريضة، وأميتنا عريضة….

ولا يظهر في الأفق وجود أية إرادة سياسة تنموية حقيقية للنهوض بأوضاع البادية، رغم توالي الوعود المخدرة وضجيج الشعارات الفارغة. لأن الإصلاح أكبر من خُطبة ومكياج.

فما العمل؟

أتسألني يا ابن أُمِّ الإهمال ما العمل؟

اِعمل كما عملت الأمم الحرة. بدأت بالأساس، فربَّت الناس على العطاء والعدل والإخلاص في تواد وتفان وحماس، وقضت على الظلم والاستبداد والارتكاس…

ابدأ بتأهيل الانسان فهو مادة التغيير وموضوعه، وأساس العمران وقوامه، بصلاحه تصلح الدنيا والآخرة، وبفساده وإفساده لا ترجى حياة ولا عزة ولا كرامة.

العدل أساس الأمن والاستقرار والبقاء، و”الظلم مؤذن بالخراب”…

وبعد إرساء دعائم الدولة العادلة حدث الناس آنذاك عن نهضة فلاحية حقيقية يشارك فيها الجميع، بالأموال التي تصرف في غير موضعها، والسواعد الطاهرة التي تنتظر تحريرا، والعقول الخبيرة التي تطلب تدبيرا سليما وحكمة، والقلوب السليمة التي تريد لبلاد المسلمين نهضة، والمؤسسات الراشدة التي تحتاج حكما راشدا….

آنذاك فقط نتحدث عن قومة زراعية، وصناعية وسياسية بعد القومة الإيمانية التي تحرر الباعث وتحدد المقصد وتوحد الغاية… وإلا فالبناء على الخراب خراب. “واللِّي حَرْثوا الجْمل دَكُّو”.

وتسلى أنت أيها العاجز باستراتيجية 2020 التي سمعناها منذ 1999، والتي لا تتعدى أن تكون مجرد خَوَار آخر من الخوارات الكاذبة التي لم يعد يصدقها حتى أصحابها.

عمارة الأرض

يقول صاحب كتاب: “في الاقتصاد: : البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية”، متحدثا عن متطلبات إصلاح البادية: {…يكون جهاد عمارة الأرض، واستصلاحها. وتهييئها للإنتاج، وحسن توزيعها، وتسيير العمل فيها، من آكد أنواع الجهاد. لأن بعمارة الأرض تحصل الأمة المجاهدة الأزَْواد وتضمن الأمن الغذائي. ثم إن صلاح الزراعة قاعدة ضرورية لتأسيس اقتصاد صحي يأتي التصنيع مكملا له…

إن القومة الزراعية تتطلب إعادة النظر في مِلكية الأرض، وتوزيع عوامل الإنتاج توزيعا متوازنا بين أنواع الصناعة وأنواع الزراعة، والعدل في أجور اليد العاملة بين عمال الحواضر والبوادي، وحماية الفلاح، وضمان أمنه، واستقراره، وحاجاته، لحبس الهجرة من البادية لحاضرة مدن القصدير، واختيار أنسب التقنيات للإنتاج، وتيسير الإدارة، ورفع وصاية الحكومة عن الفلاح، وتشجيع التعاونيات الفلاحية الإنتاجية والتسويقية، ودعم الإنتاج الزراعي بتيسير أثمان المخصبات، والآلات، ودفع قروض سخية لأكثر المنتجين نفعا، وتوجيه الزراعة للإنتاج المغدي (الزراعية المعاشية) بدل إنتاج التصدير، وحبس استيراد المواد الكمالية من الخارج، والتدرج في إيقاف استيراد الحاجيات لتشجيع السوق الداخلية الإسلامية…} (5)

قرر الحاكم إصلاح الزراعة

عين الفلاح شرطي مرور

وابنة الفلاح بياعة فول

وابنه نادل مقهى

في نقابات الصناعة!

وأخيرا عين المحراث في القسم الفولكلوري.

والثور مدير للإذاعة

قفزة نوعية في الاقتصاد

أصبحت بلدتنا الأولى

بتصدير الجراد

وإنتاج المجاعة. (6)

1- يمثل القطاع الفلاحي مابين 15 و 20٪ من الناتج الداخلي الإجمالي، ويشغل حوالي 40٪ من السكان النشيطين في المغرب و 80٪ من سكان الوسط القروي، كما أن 96٪ من الاستغلاليات الفلاحية لاتتجاوز 20 هكتارا وتغطي 67٪ من الأراضي الفلاحية.

2- أنظر بلاغ صحفي لمجلس النواب،الرباط 07 دجنبر 2003 موقع من طرف عبد الواحد الراضي .

3- باستثناء ما يخططه لها “المْقَدمْ” الذي يتتبع عورات الناس ويراكم التقارير بصددها وعليها تحدد التحركات. اللا مُجدية طبعا.

4- اتفاقية “الغاتْ” (GATT) سنة 1987، و الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية بعد التوقيع على اتفاقياتها التأسيسية بمراكش سنة 1994. اتفاقية الاتحاد الأوروبي التي دخلت حيز التطبيق في مارس 2000، ومع تركيا انطلاقا من فبراير2005، واتفاقيات خطيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية دخلت حيز التطبيق في فبراير2005 ، ثم التحضير لإحداث منطقة للتبادل الحر مع ثلاث دول من الضفة الجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط وهي: مصر والأردن وتونس.

5- عبد السلام ياسين، في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، الطبعة الأولى، ص157-158

6- لا فتات أحمد مطر، ديوان “إني المشنوق أعلاه”.