لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري

بقلم: محمد العربي أبو حزم

ومن الحب دعاء ورجاء

لماذا استهل البوصيري بردته بذكر شوقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟

ألا إنه لَفَيْضُ الحب والشوق يفيض به القلب مع أول نسمة عبير من المحبوب تَنْفَحُ روح المحب بنفحاتها. وإنه لَبُكَاءُ الطفل الصغير ينهمر دمعُه ويزداد نحيبُه وهو يعانق صدر أمه إن ضَلَّ عنها أو غابت عنه، كأنه يشكو إليها ما لقي في غيابها وما كابد مِنْ بُعْدِهَا مِنْ بَعْدِهَا.

وإنه توسل الحبيب إلى محبوبه بما يكابد فيه ويقاسي من نَوَاه.

وإنها لَلَوْعَةُ التعلُّق بمن يَسْبِي لُبَّ القلب وثمرتَه.

أين لوعاتُ المحبين وأشواقُ العاشقين وزفراتُ الوالِهين من لوعات وأشواق وزفرات من تَعَلَّقَ قلبُه بأنورِ روحٍ وأطهرِ قلبٍ وأجملِ مَنْ شهد الْمُلْكُ والملكوتُ بمحبوبِيَّتِه إلى ربه وقربِه منه واستظلالِ الخلق بظلِّهِ صلى الله عليه وسلم المحفوف بعناية العرش؟

ما استظل مستظل إلاَّ بما نَدِيَ من ظله صلى الله عليه وسلم..

ولا اهتدى سارٍ إلا تحت نورٍ من أنوار شمسه صلى الله عليه وسلم..

ولا قُسِمَ لعبد نصيب من رحمةٍ رَاحِمَةٍ إلا ورحمةُ العالمين ولِيُّهَا وقاسمها..

كأن البوصيري يتوسل إلى ربه بِمُقَدَّمِ محبته لنبيه وحبيبه في مطلع البردة لِمُؤَخَّرِ حاجته في خاتمتها.. أو لكأنه يقدم بين يديه ما لا يردُه الكريم على المستجير بحماه: صدقَ ولائه لمن ينتسب إليه بنسب الحب..

لكأن الحب هو بابُ الرجاء، ولغةُ الدعاء، وذاتُ الوسيلة، وموضوعُ الخطاب، ومنتهى الطلب، وغايةُ الأرب.

أَيُّ خطابٍ مُحِبٍّ هذا بل أي دعاء…

خطابٌ رقيقٌ ورجاءٌ مُسْتَبْطَنٌ سَدَاهُ الحب، ولُحمته الحب، وحاديه الحب، ونسيمه الحب، والْمُهْدَى إليه هو عنوانُ الحب، ودليل الحب، وجوهرُ الحب، وذاتُ الحب، ومَعِين الحب.

عَلَى دِينِ الخَلِيل

ما خلق الله تعالى بشراً إلاَّ وزرع في قلبه بَذْرَ الْحُبِّ إعدادا للفطرة ليميل إلى ما به تَنْدَى عاطفتُه وتستأنس روحُه. ميلٌ له في سلالم الحب مَرَاتِبُ ودرجات، وله على قلوب أهله سلطانٌ وأيُّ سلطان. و”حُبُّكَ الشَّيْءَ” -كما قال صلى الله عليه وسلم- “يُعْمِي وَيُصِمُّ” .

إنْ كان الحب يُعْمِي ويُصِمّ، ولم يكن بُدٌّ من سجود القلب في محرابه، فليكن حبّاً في السبيل الذي يجعل الإنسان جديرا بالنفخة العلوية التي تقيم صُلْبَهُ روحاً، ويَخْفُقُ لكلماتها قلباً، ويستحق بها السجود بَشَراً سَوِيّاً بين يدي من أسْجَدَ له ملائكتَه من قبل.

ولا يستوي بَشَرٌ قائماً إلاَّ بتلك السجدة.

فلتكن، إذَنْ، سجدةً عُلْوِيَّةً.

وكيف تكون السجدةُ عُلْوِيَّةً إنْ لَمْ يَتَقَلَّبْ صاحبُها تَقَلُّباً في الساجدين الأعْلَيْنَ؟

إنْ كان الحبُّ يُعْمِي ويُصِمُّ، فإنني أكاد أرِدُ موارد الهلاك إن لم أُوَفَّق في اختيار “مَنْ” أُحِبُّ، مَنْ أسجد “مَعَهُ” “على دينه” للدَّيَّان عز وجل.

روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اَلْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل”.

لاَ كان حُبٌّ إن لم يكن في ذَاتِ مَنْ زرع حَبَّـتَهُ في روحي بيده، ودَلَّنِي على ماء الحياة الذي يُسقى به بَذْرُهُ بضمانته، ولا كان حُبٌّ إن لم يكن وقوداً لمحرِّكات قلبي أُغَالِبُ بقوتها جاذبية الأرض فترفعني في سَبْعِ سماواته، ولا كان حُبٌّ إن لم يكن حِضْنُهُ موصولاً بمصدر النور الحق وغايته.

“لآ إله إلا الله” تجدد الإيمان، نعم، فما الإيمان؟

أقصد: ما هي مادة الإيمان التي يجددها الإكثارُ من قول “لآ إله إلا الله”؟

روى الطبراني عن عبد الله بن عباس مرفوعاً: “أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللهِ وَالْبُغْضُ فِي اللهِ”. وفي رواية للإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “أي عرى الإسلام أوسط (خَيْرُ) ؟ فقالوا: الصلاة. قال: “حَسَنَةٌ وَمَا هِيَ بِهَا”. قالوا الزكاة. قال: “حَسَنَةٌ وَمَا هِيَ بِهَا”. قالوا صيام رمضان. قال: “حَسَنٌ وَمَا هُوَ بِهِ”. قالو الحج. قال: “حَسَنٌ وَمَا هُوَ بِهِ”. قالوا الجهاد. قال: “حَسَنٌ وَمَا هُوَ بِهِ”. قال: إِنَّ “أَوْسَط عُرَى الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ وَتُبْغِضَ فِي اللهِ”.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا. أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ” .

ولا يُكْتَسَبُ الإيمان، أعني المحبة، إلا بالتربيَّة كما ربَّى النبي صلى الله عليه وسلم صحابته، ولا تربيّة إلاَّ بيد من أُوتِيَ مفاتيحها النَّبَوية، وأهم مفاتيحها محبوبيةُ حاملها واستعداد الْمُرَبَّى للتحلي بشُعَب الإيمان.

وإذا كانت الأخلاق النبوية هي الفيضَ الغامرَ الذي يسقي القلوب بخيراتها، فإن المحبة هي الوديان التي تصل المنبع النبوي المبارك بمصبِّه في هذه القلوب تَمُدُّها بالمقسوم من أرزاقها.

الحب في ذات الله دِينٌ مِن الدين يَدِينُ به العبد لربه، ولو كان مرادِفٌ يصلح رديفاً للفظة: “دِين” لكان هو “الْحُبّ”. حُبُّهُ عزَّ وجلّ، والتحابُّ فيه عزَّ وجل.

“المرء على دين خليله”.. طريقُه من طريقِه، وغايتُه عَيْنُ غايتِه، وحصادُه من جنس حصادِه. وهو، أقصد دينَ أيِّ خليل، إن ظَلَّلَه رضا الله تعالى قَبَسٌ مِنْ فيضِ نور نبيه الكريم، وهو، إلاَّ يَكُنْ، ظلمةٌ من حالكِ الظلمات والعياذ بالله تعالى.

يقول عزَّ من قائل في سورة الحديد:

“هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ”.

ثم يقول جلَّ وعلا بَعْدُ في السورة ذاتها:

“يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ، بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا، ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ. قِيلَ: ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا. فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ. يُنَادُونَهُمْ: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَتَرَبَّصْتُمْ، وَارْتَبْتُمْ، وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ، حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ. فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، مَأْوَاكُمْ النَّارُ، هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ” .

يسبق المؤمنين والمؤمناتِ نورُهُم، حظُّهُم من “عَبْدِهِ” الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربه في الدنيا، لِيَؤُمَّهُم بقبسه يوم لقاء الله، محفوفين بالْبُشْرَيَاتِ إلى مكانهم من رضا الله تعالى ومن ظلِّه عز وجل على المنابر النورانية الموعودة يغبطهم به النبيون والصديقون والشهداء.

ومن شدة سَبْقِ المؤمنين والمؤمنات يستبطئهم المنافقون لينتظروهم حتى يستمدوا من أرواحهم لأنفسهم الهالكة، ومن أنوارهم لظُلْمَتِهم الحالكة؛ فيقال لهم في تَبْكِيتٍ مَرير:

“ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا”.

إن كنتم أعددتم من دنياكم لهذه الظلمة نوراً فاطلبوه.. ولكن هيهات هيهات..

“يُنَادُونَهُمْ: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ”؟

حُجّةٌ دَاحِضَة.

يحتج المنافقون بصحبتهم للمؤمنين في الدنيا، ولكنها “صحبة جسمانية” لم تتجاوز حقيقتُها أبْشَارَهُمْ إلى قلوبهم.

كانوا “مَعَ” المؤمنين أجساداً ومكاناً، ولم يكونوا “مِنَ” المؤمنين قلوباً وأرواحاً.

ما شَارَكُوهُمْ مَغَارِمَ الأولى ليفوزوا معهم بِمَغَانِم الآخرة.

ما كانوا “مع” المؤمنين ينتقون أطايب الكلام في جِنَانِ الدنيا ورياضها: حِلَقِ الذِّكْر، وما كانوا يسبِّحون ويدعون ويستغفرون. وما كانوا يتواضعون لإخوانهم ويتهمَّمُون بِهمِّهِم ويخفضون لهم جناح الذل. وما صَهَرُوا معادنَ نفوسهم في أفران التربية صَهْراً يدفع شوائب النفوس كما تدفع الحرارة المتأججة شوائب المعادن. وما التفُّوا مِنْ حول حامل مفاتيح النفوس صلى الله عليه وسلم، وفي ساحات الجهاد خلفه يَبْذُلُ أحدُهم نفسَه بَذْلاً في ذات الله طلباً لرضاه. وما بَنَوْا، بفضل الله ومِنَّته، ما بَنَى المؤمنون من أُسُسَ الدعوة بأنفاسهم وعرقهم وحظوظهم وأرواحهم.. بل كان من عشش النفاق في قلوبهم يَكْثُرُونَ عند الطمع ويقِلُّون عند الفزع.

وهذا ما حَجَبَ المنافقين عن نيل منالِ المؤمنين.

“أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ”؟

بلى، ولكن حَجَبَتْكُم عن نور الحق فِتْنَتُكُمْ لأنفسكم، وتربُّصُكُم بالمؤمنين الدوائرَ، وشَكُّكُم وتَشَكُّكُكُم، وانخداعكم بأمنيات شيطانية كاذبة، حتى خَطَفَ القدر أرواحَكم وأنتم على ما ارتميتم فيه من مهالك والعياذ بالله تعالى.

“وَمَنْ أَبْطَأَ به عملُه …”؟

أي معية وأي كينونة يضمن بها العبد موضعاً كريما من ظل النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم، وحظّاً موفوراً من نوره يسعى بين يديه يَوْمَ الظلمة الحالكة؟

وكيف يفعل “مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ” عن إدراك مراتب المحبوبين من ربهم تحت ظلِّ نبيهم؟

بِصَبْرِ النفس مع المؤمنين على ما تكره حتى تَجِدَ ما تحب مما وعد به المولى تعالى، والحرصِ الرحيم على ذات المؤمنين حُبّاً وتفانياً، واليقينِ الثابت بخط السير الموصل إلى الغاية بإذن الله، والاستعانة على الشيطان وكيدِه وحزبِه بالوكيل سبحانه، والعملِ بمقتضى المحبةِ دستوراً وبرنامجاً…

“وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ”؟

عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ كَعَمَلِهِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ”. فَقَالَ أَنَسٌ: فَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ قَطُّ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الإِسْلاَمَ، مَا فَرِحُوا بِهَذَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ أَنَسٌ: فَنَحْنُ نُحِبُّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَعْمَلَ كَعَمَلِهِ، فَإِذَا كُنَّا مَعَهُ فَحَسْبُنَا.

(فَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ قَطُّ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الإِسْلاَمَ…).

نعمة لا تعدلها إلا نعمة الميلاد إلى نور الإيمان من غيابات الشرك.

(فَإِذَا كُنَّا مَعَهُ فَحَسْبُنَا).

إن كان حظَّنَا منه صلى الله عليه وسلم مَعِيَّتُهُ في الآخرة فإنها نعمة لا مَزِيدَ عليها. إذ إن مَقامَه المحمودَ صلى الله عليه وسلم هو الأعلى عند ربه عز وجل، ومن كان معه صلى الله عليه وسلم غَنِمَ بمعيته أعظم مما يأمل ويجتهد ويرجو.

ومحبتُه صلى الله عليه وسلم، بهذا، ضمانُ المراتب العليَّة في ظل صحبته الندية.. صلى الله عليه وسلم.

“وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ”؟

“وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ” أسرع به حُبُّه.

والمرءُ هناك مع مَنْ أَحَبَّ هنا.

نقحت هذه الحلقة والتالية لها صباح الجمعة 16 مارس 2007 م