كنت ممن حضر أمسية للمديح المحمدي قبل سنوات عدة في منتصف تسعينيات القرن المنصرم بالمركب الثقافي للمعاريف بالدار البيضاء…، المآت ممن احتشدوا لدخول قاعة الحفل لم يصدقوا أنفسهم أن فلتت هذه السهرة المحمدية أخيرا من المنع والمصادرة لصاحبها الذي لايملك سوى فنه وانتمائه لجماعة العدل والإحسان…، حتى ينال هذا الكم الهائل من العدوان المكشوف من طرف المخزن المغربي…، وقف على خشبة المسرح الشاب النحيف الجسم، البهي السمت، يحيي جمهوره بتحية رقيقة، وابتسامة ارتياح أن سمح له أخيرا في غفلة عن المتربصين، أن يجاهر بحبه لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فحسب، وما إن توسط مجموعته الإنشادية وبدأ تغريده يعلو وعذب ألحانه يصدح، حتى غمر القاعة بنفس روحي وفيض سماوي طغى على الحاضرين وأسرهم…، كنت كغيري ممن حظي بحضور هذه الأمسية الفنية، مأخوذا بصدق إحساس المنشد الشاب، وقوة أدائه وشدة محبته لصاحب المديح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي قصيدة تصف الشوق للمحبوب، ومع أبياتها التي كانت تنساب مع لحن رائق حزين من مقام الصبى، كانت دموع الفنان الشاب تغالبه، فتنساب تباعا على وجنتيه، في عفوية مؤثرة نادرة، فيداريها بمنديله تارة..، ولما غلبته أغمض عينيه مستسلما لها لفترات..، كأنه يهرب من جمهوره بإحساسه ويضن به…

وأشد لوعات الحب البوح به * * * * * ومن لفح الجوى بوح الحادي

لم يكن ذلك الشاب المرهف الحس الرقيق المشاعر سوى الفنان رشيد غلام، كوكب ذري في سماء الحب الإلهي والمحمدي، نجم الطرب الروحي الراقي، الذي لمع مؤخرا بشكل أثار ضجة فنية وإعلامية هائلة في القاهرة مؤخرا، لم يكن يتخيل حتى في أحلك الكوابيس التي يصنعها شياطين الجن، أن قصة الحصار والتضييق الطويلة التي يعيشها ستتحول إلى مرحلة غير مسبوقة في الخطورة والإجرام، لقد تحول هذا الفنان إلى ضحية.. حيث تعرض لعملية خطف وتعذيب وحشي، تنتهي بتلفيق تهمة أخلاقية، على بعد أيام قليلة فقط من مناسبة عظيمة طالما منع فناننا الحبيب رشيد غلام من إحيائها داخل بلده المغرب… إنه عيد المحبين وموعد المشتاقين، ذكرى المولد النبوي الشريف…، وبهذا الإجرام المخطط والمدروس، يأبى من تواطأ على هذه الجريمة البشعة، إلا أن يكون قد اختار الإنضمام في حملة الإساءة إلى كل ما يمت إلى حرمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بصلة…، وهذا فخرك وشرفك يارشيد غلام !أن تنال نصيبا غير قليل من هذه الحملة…

تابعنا قبل أيام كيف برأ القاضي الفرنسي في عاصمة العلمانية باريس، الصحيفة التي تهجمت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأساءت إلى جنابه الشريف  فذاك أبي وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم  معتبرا ذلك محض حرية تعبير…، لكن في بلدنا الإسلامي المغرب فالمصيبة أدهى وأمر، فحتى خدام الحضرة المحمدية الشريفة محاربون أيضا، ومن ينشر ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتملى في جماله، ويتشوق إلى جنابه ويقف فنه عليه فحسب، فهو يستحق أشد أنواع البهتان خبثا ودناءة، وأقسى صور التشهير قتامة ولؤما…

عاصمة الفن العربي مدينة القاهرة كانت تجهز أفضل قاعاتها وأجملها دار الأبرا، لتستضيف الفنان رشيد غلام، إحياء لأجمل ذكرى، وأياد من الغدر هنا في المغرب، كانت تسابق الزمن وتجهز زنزانة بدلا عنها لرشيد غلام.

لسنا ندعي في هذا المقام الدفاع عن هذا المغرد في سماء الحب المحمدي، فلنا وله رب يتولى عباده الذين استضعفوا: “إِنَّ اللَّه َيُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ {38}” -سورة الحج-.

كما دافع من قبل عن أمنا عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها وبرأها بوحيه، وأعجز قوم سيدتنا مريم العذراء الصديقة ونصرها بمعجزته، وحمى سيدنا يوسف  الصلاة والسلام عليكم ياأنبياء الله- ورفعه بعفته وطهره، أتذكر فقط قبل سنوات عديدة خلت…، لما أراد ضابط استخبارات شهير التنكيل بممثلة مغربية، جرمها أن أحبها الشعب المقهور، وبنفس الأسلوب المعهود: خطف وتعذيب وتنكيل، ينتقم ربك الجبار القهار من هذا الضابط ويفضحه على وجه الكرة الأرضية ويختم له بخاتمة سوء والعياذ بالله، الأمثلة كثيرة قديمة وجديدة يعرفها حتى من جاؤوا خلفا لذلك الضابط الغير المأسوف عليه، ولكن وكما قال أحد صالحي مراكش المتقدمين – وياحسرة قلبي على مراكش أولياء الله، التي اضحت أسيرة اليوم لكل مشاريع السياحة الجنسية والدعارة بإسم قانون الترويح و”التفجاج” على كل من يملك حفنة من اليورو أو الدولار- هذا الرجل الحكيم رد على من هتف به أن يعظ بعض الناس: “إن من الناس من لو احترق نصف جسمه لم يتعظ النصف الثاني”.

وللذي يدعي محاربة الفساد في بلادنا، أقول له تعال واتلوا معي بعضا من كلام الله تعالى:

” وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {8} الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {9} إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ {10}”- سورة البروج -.

“إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {23}يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون َ{24} يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ { 25}” – سورة النور-.

مواجيد غلام تشكو الى الله من حبسها في ذكرى المولد النبوي وراء القضبان، وصوت عندليبنا اختاروا له زنزانة هذا العام، فحسبنا الله ونعم الوكيل.