ود أهل الرذيلة والفساد بهذا البلد الكريم لو نكون وإياهم في عالم الفسق والفجور سواء، ويأبى الله إلا أن يحفظ أولياءه بمنه و كرمه. ما كان الحبيب يوسف عليه السلام ليقرب السوء أو يقترب منه، لكن السوء نفسه الذي سعى إليه، لذلك قال الله عز وجل: “كذلك لنصرف عنه السوء….” ولم يقل سبحانه لنصرفه عن السوء.

تاريخ اليهود وأعداء الله مليء بالدس والكيد لأنبياء الله وأوليائه من أجل تشويه سمعتهم والنيل من أعراضهم. لكن الله يدافع عن الذين أمنوا.

وتاريخ حكامنا لا يمثل استثناء في عالم المكر والخديعة. اللعب والرهان على ورقة العرض أسلوب قديم معروف لدى الخاص والعام، فلقد انتهج المخزن هذا الأسلوب ضد نزهاء الأحزاب السياسية فأخرص العديد منهم. لسنا بحاجة كي نبرز للشعب المغربي أو غيره تلاعب أهل المخزن بأعراض من أبوا الركوع و الخضوع له. لكن يهمني أن أقف عند أسباب اختطاف هذا الرجل الطاهر المظلوم وتعذيبه ثم تلفيق التهمة له زورا وكذبا.

في أي سياق يأتي إذن هذا المكر السيئ؟

لماذا رشيد غلام بالذات ؟

ما علاقة تصريحاته الأخيرة لبعض الجرائد بما وقع؟

ولماذا هذا التوقيت  ذكرى المولد النبوي – ؟

سياق المكر

إن المتتبع لمسيرة رشيد غلام الفنية يدرك بجلاء مدى الخطورة التي يمكن أن يشكلها على النظام المغربي, فهذا الرجل واجهة وحده لمشروع جماعة العدل والإحسان الفني برمته، ويعلم القاصي والداني في بلاد المغرب بسيطا كان أم مثقفا أن النظام المغربي سائر إلى المجهول, فلا برامج ثمة ولا تصور ولا رؤية اقتصادية أو سياسية ولا احترام لحقوق الإنسان ولا….. لكنه مع كل هذا لا يزال له وجود, ما السبب في ذلك و كيف ذلك؟ الجواب قد يفاجئ البسطاء لكنه الحقيقة الغائبة, إنه تخدير الشعب عن طريق الفن والرياضة، فمعظم حكام العرب  نقول معظمهم لتفادي تعميم لا يحبذه المناطقة وإلا فمن الاستثناء- يتخذون من الفن والرياضة طريقا لتعمية الشعب و إلهائه. لذا يمدونهما بالأموال و الرعاية السامية فيحضيان بالاحتضان والاهتمام وتسخر لهما كل الطاقات حتى يوطدا دعائم الحكم ويسهما في التمييع والتضييع ويضحيا أحبولة للفساد والإفساد خاصة في أوساط الشباب الذي يشكل قاعدة الهرم السكاني بالمغرب.

الفنانون والرياضيون أشهر وأكثر تأثيرا وأوقع في نفوس الشباب من الزعماء السياسيين والمثقفين والمفكرين وما يحشده رياضي هاو أو فنان مبتدأ في مباراة أو حفل غنائي، لا تجمع الدولة بمقدميها ومخبريها عشره لمناسباتها الوطنية أو زياراتها الرسمية، لقد أضحى الفنانون والرياضيون صناع رأي عام ومراكز استقطاب وجذب تتسابق على احتوائهم المؤسسات السياسية والاقتصادية لتسويق بضاعتها وصورتها، مجال بهذه الحساسية البالغة لا يسمح بأن يعكر “صفوه ” بالأخلاق السامية و الأغنية ذات الدلالة الثورية و الروحية. “فالفنان رشيد غلام باختياره عالم الفن مجالا للدعوة إلى الإسلام وتبليغ رسالة العدل والإحسان في بعدها الإنساني والكوني وتكثيفه لأنشطته وجولاته وحفلاته يكون قد خرق قانون اللعبة وأعلن الحرب على نفسه منذ البداية” أليس هذا منطق المخزن ووزرائه!!!!

إذ أن العلاقة بين السلطة وأي فنان ملتزم ذو مرجعية دينية أو مرجعية معارضة له،علاقة إقصاء وصراع. وقد زاد من تصعيد الموقف تصريحه الأخير لجريدة “الأحداث المغربية”, والذي لم يكن فيه موفقا من حيث الحكمة السياسية, لأن حديثا بذاك العمق وذاك الفهم كان يجب أن توضع له برامج للتصريف لا مقالات للإشهار, و هو تصريح تقشعر منه جلود الحكام جميعا لا حكام المغرب فقط, لأنه يؤسس لبديل فني كوني بهوية إسلامية بدأ يحقق تجاوبا شعبيا عارما وكاسحا.

لماذا رشيد غلام؟

رفض هذا الرجل/الفنان السير وفق التيار المعروف في عالم الفن كما رفض الانبطاح المعهود. فتمت محاولات تلو المحاولات لشرائه بالأموال الخيالية والعروض المغرية, ولكنه كان يؤسس لما هو أكبر من هذا؛ حين صرح لجريدة الأحداث: أن يكون الفنان فنانا بالمقاييس الفنية فقط, وتبقى أخلاقه وتدينه قيمة مستقلة تكسبه مكانة الرجل النموذجي في المجتمع. فالتقط منظرو الفساد ببلادنا جيدا رسالة التوجه وعمقها. خاصة وأنها صدرت من شخص كرشيد غلام يمتاز بشخصية كاريزماتية وإطلاع واسع وعلم غزير وروحانية عالية. قوة روحية و نبوغ فكري جعلاه قبلة داخل الصف الإسلامي وخارجه.

اختيار المخزن لهذا الرجل إذن اختيار موفق، اختيار من العيار الثقيل، ولا شك أنه سيدر عليهم من الربح السياسي الكثير:

” إنهاء الرمزية التي اتصف بها الرجل من أخلاق سامية داخل الأوساط الفنية.

” ضرب لسمعته التي أضحت اليوم عالمية: أمريكا، ألمانيا، فرنسا، ايطاليا، سويسرا، مصر، سوريا، لبنان، الجزائر…….

” تشويه لجماعة العدل والإحسان بحكم أنه يعتبر مثالا مما تقترحه في المجال الفني….

” ضرب مصداقية جماعة العدل والإحسان التربوية باعتباره أحد وجوهها التربوية أيضا.

لماذا هذا التوقيت؟

استدعت دار الأوبرا بالقاهرة فناننا النزيه رشيد غلام لإحياء الليلة المحمدية؛ ليلة ذكرى المولد النبوي. لكن السلطات المخزنية منعته من مغادرة التراب الوطني، نظرا لما رأته فيه من تألق ونجاح بهر الخاص والعام، فلا يقبل أهل الرذيلة أن تكون نجما لا يقدم البيعة والطاعة. يدخل هذا المنع في سلسلة فضائح العهد الجديد وما يتبجح به من احترام لحقوق الإنسان.

منع الرجل من حقه في التجوال إذن، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن بقائه في بلده له من السلبيات ما يقض مضاجعهم، وما من شأنه أن يضيف لعنات أخرى في سجلاتهم المعهودة بهتك حقوق الإنسان.

بقاؤه في بلده يتبعه ضمنا طلب الترخيص له بإحياء الليلة المحمدية في القاعات المغربية، فيكون من الأمر ما هو معهود؛ آلاف من الحجاج والمعجبين، وأوامر منع مخزنية.

فما الحل غير الاختطاف وتلفيق التهم؟؟؟

هل من قبيل الصدف أن محترفة الدعارة تشهد شهادة الحق رغم الترهيب؟ هل من قبيل الصدف أن تلتقي قصة سيدنا موسى عليه السلام بقصة رشيد غلام؟

” إن في ذالك لآيات..”

زنى اليهود بامرأة و طلبوا منها أن تنسب الجنين لسيدنا موسى عليه السلام، فلما اجتمع الناس للمحاكمة، طلب من المرأة الإدلاء بالشهادة، فقالت: “والله لأنت أطهر من ماء السماء يا موسى.”

وخطط زناة المخزن وحموا أوكار الزنا في البلد برمته وطلب إلى المرأة أن تدلي بشهادتها على رشيد غلام فما كان جوابها؟

أنقل مما نشر في بعض الجرائد النزيهة “… والسيدة المزعومة نفت معرفتها المسبقة برشيد غلام معترفة أنها تمتهن فعلا الدعارة وأنها تلقت الدعوة من وسيطة تدعى خديجة ….” أي شهادة هاته وأي جرأة وقوة ونبل تحلت بها هذه المرأة حيث أثبتت مهنة الدعارة لنفسها و نفت الرذيلة عن الفنان متحدية بذالك تعليمات المخزن ووعيده. “إن في ذالك لآيات… ” “والله لأنت أطهر من ماء السماء يا غلام العدل والإحسان”.

خلاصة واستنتاج

خلاصة هذه أجعلها نداء للشعب المغربي قاطبة وخاصة من يدعي اليوم بأنه آمن في سربه؟ ما وقع للفنان غلام اليوم هو ما وقع لمناضلين حزبيين بالأمس فكسرت شوكتهم فلم يجدوا غير التصالح مع النظام ملجأ لستر فضائح لفقت تلفيقا، وهو ما سيقع لكل من صدرت منه بادرة خروج من بيت طاعة المخزن. فإلى متى الانتظار؟

إن كان “من الإيمان حسن الظن بالناس” فالوعي السياسي يفرض علينا وجوبا أن نضع قاعدة كلية للتعامل مع من أذلهم الله وأخزاهم من أزلام المخزن فلا تاريخهم ولا سوابقهم ولا حتى الحسابات السياسية الضيقة يمكن أن تدفعنا إلى تصديق ادعاءات من تاريخه كذب وتزوير وتلفيق، كما يفرض علينا وجوبا أن نرفع شعار: ” من الإيمان سوء الظن بالمخزن”.