أدلى الأستاذ عمر أمكاسو نائب الأمين العام للدائرة السياسية بحوار لأسبوعية المشعل حول تفجير 11 مارس ننشر نصه:

 كيف تقيمون الأحداث الأخيرة المتصلة بالإرهاب؟

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام الأكملان على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. وبعد

أود في البداية أن أحيي جريدة المشعل والقائمين عليها، كما أحيي جمهورها الكريم.

الأحداث الأخيرة لها دلالات عميقة وتحمل رسائل إلى من يهمهم الأمر، أرجو أن يستمعوا لها بإمعان وتعقل. ومن ذلك:

o هذه الأحداث وما سبقها من اعتقالات على خلفية الإرهاب ـ إذا صدقنا الرواية الرسمية جدلا ـ دليل قاطع على فشل مقاربة السلطة لهذه الظاهرة، والتي تقوم أساسا على بعد شبه أحادي، هو المعالجة الأمنية. فبعد استحداث قوى أمنية مختلفة وتغيير العديد من المسؤولين، وإنفاق الملايين لتشديد القبضة الأمنية، يبدو أن المستهدفين من هذا كله لا يزالون يتمتعون بحرية الحركة والاستقطاب والإعداد.

o صحيح، يتحدث المسؤولون عن مبادرة التنمية البشرية التي توحي بوعيهم بجذور القضية، وقد سوقوا هذه المبادرة على نطاق واسع، وجعلوها عنوانا لكل الإنجازات الوهمية المزعومة، وأنفقت الملايير عليها.

لكن يبدو أن الواقع المعيش لم يراوح مكانه، واقع البؤس والحرمان وأحياء الصفيح التي تفتقر لأدنى شروط الحياة، أية حياة. بل تضاعفت أحزمة البؤس والحرمان المطوقة لجل مدننا، وتضاعفت معها معاناة المستضعفين المهمشين، مقابل الاغتناء الفاحش للحاكمين ومن يدور في فلكهم، ونهب أموال الشعب المستضعف ومؤسساته العمومية.

فمن يتأمل صور أحياء الصفيح مثل حي سيدي مومن الذي ينحدر منه منفذا تفجيرات مقهى الإنترنيت وجل منفذي تفجيرات فاجعة 16 ماي، هذه الصور الأليمة المعبرة التي هي وصمة عار في جبين الحاكمين والتي لا نراها إلا في مثل هكذا مناسبة، في حين يغرقنا الإعلام الرسمي بصور التدشينات التاريخية لدور الشباب وقاعات الرياضة في هذه الأحياء الكارثية كأن القوم لا ينقصهم سوى الرياضة؟؟، من يتأمل هذه الصور لا يملك إلا السخرية من المبادرة المزعومة، وإلا، فإذا لم نر لهذه المبادرة الشفوية آثارًا في مثل حي سيدي مومن حي سكويلة والهراويين وغيرها من أحزمة البؤس والحرمان، فأين يا ترى تجليات المبادرة التاريخية المزعومة؟ فالمشكل إذن ليس في التوصيف، بل في عدم استعداد المسؤولين لمعالجة جذور هذه الظاهرة، أو إذا أردنا أن نحسن بهم الظن رغم أن الواقع لا يسعفنا في ذلك، لنقل أن المشكل هو عجز الحاكمين في التدبير العام.

الرسالة الثالثة التي تضج بها هذه الأحداث الأليمة، هي فشل ما يسميه الحاكمون بتدبير الحقل الديني، فأي تدبير هذا الذي يفسح المجال لانتشار أفكار اليأس والتطرف والغلو، في الوقت الذي تنظم فيه السلطات حملة شعواء على جماعة العدل والإحسان منذ قرابة سنة حتى بلغ عدد المتابعين أزيد من 640 شخص، وشمعت عدة بيوت ورمي أصحابها في العراء في أوقات متأخرة من الليل بمن فيهم الأطفال والنساء الحوامل، وضيق العديد من أعضاء الجماعة والمتعاطفين معها في أرزاقهم، وتم توقيف أزيد من 84 إماما وواعظا ممن يشتبه في انتمائهم للجماعة، علما أن الخاص والعام يشهدون لهم بجهودهم الجبارة في تربية الشباب تربية متزنة تربطه بخالقه وتحفزه على حب كل الناس والسعي لمصلحة البلاد والعباد، وغيرها من الانتهاكات الصارخة التي يجدها المتتبع في موقع الجماعةwww.aljamaa.net

إذن من خلال هذه الدلالات وغيرها كثير مما لا يتسع المجال لذكره، أؤكد أن هذه الأحداث برهان آخر يضاف إلى العديد من البراهين التي تبين بالواضح المكشوف فشل الحاكمين في تدبيرهم القائم على الاستبداد والنظرة التجزيئية والتمكين لقيم الميوعة باسم الحداثة وما شئت من أوصاف…

 ما هي تداعيات تلك الأحداث على جماعتكم؟

لا أعتقد أن هذه الأحداث ستكون لها تداعيات مباشرة على جماعتنا المعروفة عند النظام قبل غيره بموقفها المبدئي الرافض للعنف والغلو والتطرف. لكن يمكننا الحديث عن تداعيات غير مباشرة، أولاها أن هذه الأحداث تزيد أبناء الجماعة اقتناعا بمنهجها الدعوي القائم على التربية الإيمانية التي تقوي في الفرد اليقين وحب الخير للغير، والقائمة على الدعوة بالتي هي أحسن، وعلى النفس الطويل وتجنب سياسة ردود الفعل.

وثانيها، أننا ابتلينا في هذا البلد الحبيب بمن يتقنون الصيد في الماء العكر ويستغلون آلام الآخرين لتسويق بضاعتهم البائرة المرفوضة من عامة شعبنا المسلم الأبي، فلا نستبعد أن يجند هؤلاء أقلامهم المرتزقة من جديد للنيل من كل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية واتهامهم بالمسؤولية المعنوية عما وقع، كما حدث عقب أحداث 16 ماي.

ومن التداعيات المرجوة جدلا، لكنها مستبعدة واقعيا مع الأسف، أن يستيقظ الحاكمون من غفلتهم ويكفوا عن غيهم ويلتفتوا إلى المعارك الحقيقية التي يجب التصدي لها وهي معارك التنمية الحقيقية، والعدل، والمساواة، والديمقراطية الحقة، والقطع مع الاستبداد والفردية … عوض اقتحام بيوت يذكر فيها الله ويقام فيها الليل ويحفظ القرآن الكريم، وترويع الآمنين الذاكرين، وإخراج المواطنين من دورهم، وحرمانهم من أرزاقهم.. وغيره من الأساليب القمعية التي تنهجها السلطات في حق جماعة العدل والإحسان خصوصاً، وفي حق القوى المعارضة عموماً.

 في تقديركم، ما هي الجهة الحقيقية التي قد تكون وراء هذه الأفعال؟

لا يمكننا الحسم في هذا الأمر إلا بعد استكمال التحقيقات القضائية على افتراض نزاهتها، ودعكم من التصريحات الاستباقية التي يرددها المتنفذون قبل التحقيقات مما يزري بقضائنا ويحتقره إجراءاته.

المطلوب الآن، بل المفروض أن نسعى إلى تحديد الجهات الحقيقية المسؤولة بشكل غير مباشر عن هذه الأحداث وغيرها من مآسينا التي لا حصر لها.

 إن الجهة الأولى المسؤولة عن هذا كله، هي حكم الاستبداد، والانفراد بالرأي، وتجميع السلط في يد واحدة، وقمع المعارضات الصادقة وإقصاؤها، مقابل التمكين لزمرة الانتهازيين ومصاصي أرزاق الشعب والراقصين على جراحه.

 الجهة المسؤولة عن هذا كله هي سياسة إغناء الغني وإفقار الفقير، وتراكم الثروات في الأيادي النجسة، وحرمان عموم الشعب من حقوقه في السكن الكريم والعمل والتعليم والصحة وغيرها من متطلبات الحياة الآدمية العادية.

 الجهة المسؤولة عن هذا كله، هي أحزمة البؤس والحرمان التي تطوق مدننا والتي تنذر بانفجارات اجتماعية ـ لا قدر الله ـ لا تبقي ولا تذر، وقد سبق لمرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين في رسالته المدوية الجريئة” الإسلام أو الطوفان” منذ 1974 أن أنذر من هذا الخطر الذي يتهدد بلادنا في ظل السياسة غير الرشيدة المتبعة.

 الجهة المسؤولة عن هذا كله هي سياسة القمع التي تنهجها السلطات في حق الحركة الإسلامية المتزنة وخاصة جماعة العدل والإحسان مما يحرم الشعب من مساهمتها في التربية المتزنة والمشاركة الحرة في البناء الوطني المنشود.

 الجهة المسؤولة عن هذا كله، هي سياستنا الخارجية الخرقاء التي دفعت بلادنا إلى انخراط مجاني في الخطة الأمريكية ضد ما تسميه الإرهاب، فاستفزت المستهدفين من هذه الخطة وجعلتهم يعتبرون بلدنا ساحة مرشحة لهذه المواجهة، ولنا أن نسائل أصحاب هذه السياسة ـ إذا قبلوا المساءلة، وهذا غير مألوف من جنابهم على كل حال ـ عما جنيناه من هذا الاختيار، سوى مثل هذا الاستهداف. فالموقف الأمريكي من قضية الصحراء لم يراوح مكانه، اللهم إن اعتبرنا شهادة حسن السلوك التي ما فتئت الإدارة الأمريكية تمنحها للحاكمين هي الثمن المرغوب. لكن حتى إذا انطلقنا من نظرة سياسية صرفة، فهذا المقابل لا يمكن أن يوازي أمننا واستقرارنا وتلاحمنا وقيمنا المستباحة على محراب الأسياد.

 الجهة المسؤولة عن هذا كله، هي المعالجة البوليسية التجزيئية التي تركز على النتائج ولا تلتفت إلى جذور المشكل، والتي لا تتوانى عن ارتكاب المزيد مختلف أشكال انتهاكات حقوق المتابعين والمعتقلين كما وقع عقب أحداث 16 ماي، مما يوفر جو الاحتقان والنقمة والحرمان، ويزيد من تشجيع الناقمين والميؤوسين والمهمشين لمثل هذه الردود غير المبررة على كل حال.

 وبالمناسبة نتمنى أن نرى معالجة أمنية متزنة لهذا الملف، تعطى فيها الكلمة الأولى والأخيرة للقضاء المستقل، وليس لمنطق التعليمات. ومادام المتنفذون مولعين بالنموذج الغربي ـ ويا ليتهم يحترمون هذا النموذج في هذا المجال ـ فليأخذوا العبرة من جارتنا الشمالية إسبانيا التي تعاملت مع أحداث القطار بمدريد باتزان وبعد نظر، فلم يزد عدد المعتقلين عن العشرة، بينما تجاوز عندنا الآلاف، وأنا هنا لا أستهين بما وقع، ففي ديننا الحنيف من قتل نفسا واحدة فكأنما قتل الناس جميعاً، لكنني أرجو أن تأخذ القضية حجمها الطبيعي وتعالج باتزان ومسؤولية وبعد نظر وبالاحترافية المطلوبة أمنيا وقضائيا. وهنا لا يسعني إلا أن أستغرب مع كل المتتبعين الصور التي تقدمها لنا وسائل الإعلام الرسمية عن مثل هذه المعالجة، والتي تنم عن محدودية الإمكانيات إن لم نقل انعدامها، وكلنا يتذكر الصورة البئيسة للشاحنة المتهالكة التي جيء بها لحمل متفجرات حي مولاي رشيد، والمنظر المقرف للشرطة “العلمية” وهي “تفحص” المتفجرات بمغرفة الحريرة، واضعة إياها في بانيوات، وغيرها من الصور التي لا يشفع لمقدميها إلا افتراض تعمدهم استعمال هذه الوسائل البدائية جدا لئلا يستفزوا ساكنة هذه الأحياء التي تعيش هي الأخرى بوسائل بدائية، وإذا صح هذا الافتراض فهو إنجاز رائع للمسؤولين، أي استعمال الوسائل المناسبة في المكان المناسب؟؟

 هل يمكن أن نتصور توظيفا سياسيا لما حدث، خصوصا أمام عدم إعلانكم عن أي موقف رسمي بخصوصه؟

سبق أن قلت بأن التوظيف السياسي وارد، خاصة أننا على مشارف مهرجان الانتخابات التي يعمد فيها “اللاعبون” بتوظيف كل شيء مهما كان دنيئا وحقيرا، للدعاية لأنفسهم والنيل من المنافسين.

وما حدث عقب أحداث 16 ماي في حق الإسلاميين لا يستبعد تكراره، وهذا من أدلة فساد مشهدنا السياسي وتعفنه حيث أصبح مرتعا للانتقامات والتحرشات والمزايدات والمتاجرة بآلام الشعب والضحك على ذقوننا والزور والبهتان. ولا أتمنى تكرار هذه المهازل السخيفة الممجوجة، وبالمقابل أرجو أن يتعقل الجميع وأن ننتبه جميعا أننا مدعوون أكثر مما مضى إلى لم شعثنا، والاعتراف بإخفاقاتنا، والاجتماع على ميثاق جامع، يؤسس لعمل وطني جديد واعد، يقوم على القطع مع واقع الاستبداد، ويضع بلدنا على السكة الطبيعية الواجبة، سكة العدل والكرامة والحرية. وهذا هو التوظيف الواجب لهذا الحدث.

 هل لكم تصور خاص للتعامل مع الرأي العام الوطني بمناسبة هذه الأحداث؟

تصوري الخاص للتعامل مع هكذا حدث، هو أن نصارح أنفسنا وشعبنا بأن الاتجاه الذي وضعت فيه بلادنا هو اتجاه خاطيء، بل كارثي بكل ما للكلمة من معاني، لن نجني منه إلا مزيدا من الاختلالات والإخفاقات والمآسي الاجتماعية والسياسية والتربوية والاقتصادية. ويا ليت الحاكمين يملكون الشجاعة الكافية لرد الأمر إلى الشعب والإنصات لمعاناته وآلامه وآماله، ولنعبئ الرأي العام الوطني جميعا لوضع منظومة وطنية جديدة تتأسس على هويتنا الإسلامية، وتسترد كرامتنا المستباحة في شبكات الدعارة الدولية، وفضائح السياحة الجنسية، وتسترد ثرواتنا المنهوبة من طرف الجشعين المحليين والدوليين.

في كلمة واحدة نريد جوا من الحرية والمسؤولية ليساهم الجميع من أبناء وطننا الحبيب في يقظة إسلامية شاملة لا مجال فيها للاستبداد والحرمان والإقصاء والميوعة والتطرف والغلو، وما فتئنا في جماعة العدل والإحسان ندعو كافة الفرقاء إلى هذه المقاربة الجماعية الميثاقية، فهل من مجيب؟ ونأسف كثيراً إذا لم نجد فرصة لتجديد ندائنا إلا هذه الأحداث الأليمة، أمام حرماننا من وسائل التواصل مع الشعب وباقي المكونات، ولا نحبذ أن يتم هذا التواصل في مثل هذا الجو من الهلع والتربص، ولا نرضى لأنفسنا على كل حال استغلال مآسي شعبنا للتعريف برؤانا.