عرضت القناة المغربية الثانية مساء يوم الخميس 22 مارس2007 حلقة جديدة من برنامج “تحقيق” يرصد واقع ساكنة المناطق الجبلية النائية، ويعري زيف شعارات التنمية، ويكشف عمق الهوة بين مغرب نافع يتحدث فيه المسؤولون من المكاتب المكيفة، وبين مغرب غير نافع، وربما لا يعترف بساكنته رسميا ما داموا غير مسجلين في سجلات الحالة المدنية.

“ليست النائحة كالثكلى” مثل عربي مشهور، يعبر به عن الفرق الكبير بين وضعيتين متناقضتين، والنائحة هي المرأة التي تستأجر “لتنشيط” المأثم، تعدد مناقب الهالك، وتردد النساء من أهل الميت وراءها، وهن يندبن الوجوه، وكلما جف حلق النائحة خرجت من الحلقة لتشرب بكل هدوء لتواصل “إنشادها”، وعلى قدر مهارتها في إذكاء حماس النفوس، يكون خدش الوجوه، وتقطيع الملابس، ورمي الأجساد في الأوحال والأشواك، أما هي فلا تتعب منها إلا الحنجرة. وما أبعد الفرق بين فصاحة المرأة الأمازيغية العجوز الثكلى، وبين ركاكة السيدين الوزيرين المحترمين.

تابع المشاهد بكل تأثر معاناة ساكنة جبال خنيفرة والحسيمة وأكادير، حيث ظهر جليا عمق التهميش الذي يعاني منه السكان لأكثر من خمسين عاما، توالت فيها انتخابات، وتغيرت حكومات، دون أن تغير من واقع هذه المناطق التي ظل سكانها يقاومون من أجل البقاء؛ لكم الله يا أهلنا ولأمثالكم عبر ربوع هذا البلد الحبيب، لكم الله، فبؤسكم لا عمر له؛ أتعجب للمسؤول كيف يطيب له النوم، ويحلو له الطعام، بعد هذه الحلقة من مسلسل الموت البطيء، ألم يسمعوا بأقوال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في تقدير المسؤولية، يقول رضي الله عنه: “لو عثرت بغلة في العراق ـ أبعد نقطة في الدولة الإسلامية وقتذاك ـ لخشيت أن يحاسبني الله عليها: لم لم تسوّ لها الأرض يا عمر؟”، ويقول رضي الله عنه وأرضاه: “لو ماتت شاة في دجلة ـ نهر بالعراق ـ لخشيت أن أسأل عنها: كيف ماتت؟”. ويأبى السيد السعيد إلا أن يحمل سكان هذه المناطق مسؤولية معاناتهم، بدعوى أنهم لم ينموا قدراتهم التنموية، ولم ينخرطوا في منتوجاته الخاصة/الجمعيات، وأقترح على معاليه أن يقضي بين ضحايا سياسات التهميش والإقصاء شهورا، يعلمهم في الميدان كيف يتخلصون من البؤس، وهو صاحب الاختصاص، أقترح على معاليه ـ وبشكل جاد ـ أن يتنقل إلى أعالي جبال الأطلس بخنيفرة عبر الشاحنات التي لا فرق بالنسبة لمالكها بين إنسان وأي حيوان من الماشية، أقترح على معاليه أن يقضي رفقة أسرته شهرا شتويا واحدا ليحطم الرقم القياسي في ترشيد استهلاك قالب سكر أو مدّ من الشعير؛ ومن يدري قد تتفتق عبقريته فيكتشف نظرية جديدة في محاربة الفقر، يخلص بها هذه الساكنة من بؤسها، ويسجل له التاريخ إنجازا رائعا.

اكتسب عرض “التحقيق” قيمة خاصة، لأنه جاء في سياقين: الأول يرتبط بما هز من جديد كيان المغاربة مساء الأحد 11مارس2007، الذي يعيد طرح السؤال عن جدوى رفع شعارات التنمية البشرية، وعن قصور المقاربة الأمنية التي أثقلت مصاريفها خزينة الدولة؛ ذلك أن استمرار نهج سياسة التهميش والإقصاء من شأنه أن يشجع ساكنة العالم القروي عموما للهجرة نحو المدن، وأولى نتائجه انتشار أحياء الصفيح و”دوار السكويلة”، حيث لا خدمات، ولا تعليم، ولا تأطير..، أي أن الدولة تتبنى مخططا يهدد أمن البلاد بمعناه الشامل.

السياق الثاني يتمثل في دخول المغرب في مرحلة العد العكسي لانتخابات (شتنبر2007)، التي تعود المغاربة في برامج الأحزاب دون استثناء على محور ثابت فيها، تتغير الصيغ والمضمون ـ عفوا المدلول ـ واحد: “العناية بساكنة العالم القروي”، “إدماج العالم القروي في ورش التنمية البشرية”، “فك العزلة عن سكان العالم القروي”، والحال أن الساكنة القروية أو الجبلية لا تعدو أن تكون سوقا انتخابية ـ على حد قول أحد مواطني جبال اشتوكة آيت باها ـ يقصدها الباحثون عن الأصوات المؤدية إلى كراسي البرلمان الوثيرة، فيوطنون أنفسهم على الجلوس على الحصير، وشرب الشاي في أكواب متسخة، على أن يغسلوا أمعاءهم بعد انتهاء الحملة الانتخابية، ليبقى القروي في بؤسه الأبدي، وإلا فلنتساءل: ما موقع الساكنة القروية والجبلية في مخططات التنمية؟ ما حجم الاستثمار المخصص لهذه المناطق والتي تغطي مساحات شاسعة من المغرب؟ وما قيمة المبالغ التي صرفت كما صرح السيد وزير التنمية مقارنة بحاجيات تراكمت عبر عقود، قتلت في المواطن إنسانيته، قبل أن تئِد فيه حقيقة انتمائه لوطنه؟

أجل، هناك منجزات ومشاريع مخططات، ولكنها لا ترقى لمستوى الحاجيات، وعمق المعاناة، ألا يستحق الأمر ـ والحالة هذه ـ تعبئة خاصة مثلما حدث لإعادة تأهيل الأقاليم الصحراوية، حيث سخرت الدولة كل إمكانياتها، إلى حد الإفراط، فعبدت الطرق، وشقت المسالك، وأقيمت الوحدات السكنية بل مدن بأكملها، وخفضت الأسعار، ونوعت الحوافز من قبيل مضاعفة الأجور، حتى غدت هذه الأقاليم منطقة جذب لفئات عريضة ومختلفة من المغاربة، سعيا لتحسين وضعياتهم المادية.

الأمر جد، والأزمة عميقة وأكبر من أن تختزل في معاناة فئة معينة مهما كان حجم ضررها، وتتطلب تعبئة شاملة، ينخرط فيها الجميع حقا وصدقا، لتخرج البلاد من النفق المظلم المسدود الذي تدفع إليه دفعا، وبوابته إرادة سياسية حقيقية للإصلاح وتكريم الإنسان، إرادة تقطع العهد مع الفساد والإفساد، وإلا أين نحن من شعارات التخليق؟ وما مصير ملايير الدراهم المنهوبة من صندوق الضمان الاجتماعي ومؤسسات مالية كثيرة؟ وما هي التدابير الوقائية لمنع نهب المال العام تحت اسم مشاريع تنموية؟

في انتظار صحوة المسؤولين من سباتهم منذ خمسين عاما وأكثر، نرجو لضحايا سياسات التهميش الصبر والسلوان، ونسأل الله تعالى الجواد المنان أن يرفع عنهم البؤس والحرمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.