كتاب”Le mouvement yasiniste” للأستاذ محسن الأحمدي، هو مثال مختار، من بين عدة أمثلة، يكشف عن مستوى البحوث التي تُنشر عن جماعة العدل والإحسان، والتي تتردّى، في كثير من الحالات، إلى حضيض التخرّص وإضفاء الطابع العلمي على الإشاعات والأباطيل بغير موجب معقول ولا دليل مبين. وأحيي بهذه المناسبة استثناءاتٍ قليلةً من طينة الدكتور محمد ضريف، الذي يسعى جاهدا، فيما يصدر عنه في شأن الحركات الإسلامية، أن يلتزم الأمانة والموضوعية والعدل ما أمكن؛ أقول يسعى جاهدا وما أمكن، لأن لكل جواد كبوة، وفوق جهدك لا تُلام.

في هذه المقالة تعليقات مختصرة أركز فيها على بيان بعض الأخطاء التي طبعت كتاب السيد الأحمدي، الذي يُسلك، مع الأسف القاتل، في الباحثين الجامعيين.

الوجه الكريه لوزارة الثقافة المخزنية

هل يشكل حديثي عن هذا الكتاب نوعا من الإشهار له ولصاحبه؟ قد يكون هذا محتملا. ولكن الأكيد أن مؤلفه قد سعى لكسب شيء من الشهرة حينما قبل أن يُطبع كتابه برعاية وزارة الثقافة المغربية. ولا يحتاج القارئ الكريم أن نذكره بأن هذه الوزارة، وخاصة بعد أن أصبح على رأسها الاشتراكي المخزني محمد الأشعري منذ1997، تعد رأس الحربة في محاربة المشروع الإسلامي والحركات الإسلامية، ونشرِ كل ما من شأنه التشويش أو الشك أو الطعن أو التجريح أو إلحاق الأذى بالصحوة الإسلامية في المغرب في مختلف أوجهها السياسية والفكرية والثقافية والفنية. ويكفي أن نذكر هنا أن هذه الوزارة هي التي منعت عرض القرآن الكريم في معرض سابق للكتاب بالدار البيضاء، وهي التي لم ترخّص في معرض هذه السنة، فبراير2007، لكثير من دور النشر للمشاركة، وذلك بسبب أن هذه الدور معروفة باهتمامها بالكتاب الإسلامي، وهي التي استدعت لفعاليات المعرض مفكرين وأدباء وكتّابا على مقاس منحى الوزارة المخزنية اللائكي المعادي للإسلاميين، من عيار أدونيس(علي أحمد سعيد) الملحد. ويكفي أن نذكر أيضا أن هذه الوزارة، على عهد الأشعري الاشتراكي المخزني، قد حطمت الرقم القياسي في تنظيم مهرجانات المسخ والتبذير والميوعة والفراغ والضياع.

في أسفل الصفحة الثانية من النسخة التي بين يدي من كتاب الأستاذ الأحمدي، والتي اقتنيتها من إحدى المكتبات بمراكش، عبارةٌ ضُرب عليه بمداد أسود لإخفائها عمدا؛ تقول هذه العبارة/المفتاح:

« Ce livre a été publié avec le concours du ministère de la culture »

وقد وَصفت هذه العبارة “البسيطة” بأنها مفتاح، لأن وزارة الثقافة ما كانت لتضع يدها في يد الأحمدي لوجه الله، وإنما يدها موضوعة هنا، لأنها وجدت في مضمون الكتاب بعض ضالتها وبعض ما تسعى إليه في حربها على الحركة الإسلامية المغربية، وفي مقدمتها جماعة العدل والإحسان. ويكفي الوزارةَ من هذا الكتاب أن يصف الأحمدي مشروع جماعة العدل والإحسان(الحركة الياسينية عند المؤلف) بأنه سعي وراء “وهم” دولة الخلافة(ص13)، وبأنه إديولوجية سياسية “شمولية”(ص69)، تخلط الدين بالسياسة ولا تعترف بالرأي المخالف(209)، وأنه لا خلاص لنا من هذا الخطر الإسلامي “الشمولي” إلا بتحديث الإسلام، أي بإسلام لائكي يراه المؤلف طوقنا للنجاة في زمن “ما بعد الإسلاميين”(207). وأترك للقارئ اللبيب أن يتأمل ويستنتج.

البحث أمانة ومسؤولية وأخلاق

يؤسفني أن أقول للسيد محسن الأحمدي الأستاذ الجامعي الباحث إنك، يا أستاذ، قد أسأت كثيرا، في كتابك عن “الحركة الياسينية”، إلى البحث والباحثين، وأبنت عن سلوك وأخلاق تناقض أمانة البحث وموضوعيته، فضلا عن تحيزك السافر ضد مشروع الحركة الإسلامية عموما، وهي نقيصة قد نُقشت في سجلك العلمي، إلا أن تجد من نفسك الشجاعة المطلوبة، فتقوم بتبرئة ذمتك وتصحح أخطاءك الفاحشة وترجع ببحثك إلى جادة البحث العلمي الذي يُشكر صاحبُه ويُؤجر وإن أخطأ الصواب.

وحسبي في هذه المقالة أن أسوق بعض الأمثلة من أخطاء هذا الكتاب مصنفة في أربعة أنواع:

النوع الأول: في أصل الكتاب وما نجم عنه من أخطاء

إن كتاب السيد الأحمدي هو في أصله جزء من أطروحة أعدّها المؤلف لطلب شهادة في باريس. وقد مزّق الكاتبُ أوصال هذه الأطروحة ليخرج منها ثلاثة كتب دفعة واحدة وفي وقت واحد(2006)، من غير سابق إنذار، وإذا بنا، هكذا وفي لمحة عين، أمام أحد “كبار” المختصين في الحركات الإسلامية وفي “العدل والإحسان” بالتحديد، بعد أن كان الرجلُ مجهولا لا يعرفه أحد من بين أهل الاختصاص المعروفين. كيف وقع هذا؟

إن السيد الأحمدي، بعد أن مزق أوصالَ أطروحته، لم يكلف نفسه عناء ترقيع الآثار الناجمة عن التمزيق، ولم ينتبه إلى ملء بعض الفراغات وتقويم بعض الاعوجاجات التي أحدثها هذا التصدعُ العنيف في جوانب من بناء الأطروحة الأصلية؛ ونظرا لأن المؤلف، في رأيي، كان يستعجل الطبع، وكيفما كان هذا الطبع، ولأنه لم يكن يأخذ في اعتباره أمانةَ البحث وحقوق القراء ومشاعر الناس عموما، فإنه أخذ جزءا من هذه الأطروحة الممزقة وجعله مشروعَ كتاب وأعطاه عنوانا ودفعه للطبع من غير أن يُجريَ التعديلات اللازمة في مثل هذه العمليات، ومن غير أن يحرص على التنسيق الذي يحفظ للكتاب المُولّد كيانَه المستقل ووحدة موضوعه.

لم يتحدث المؤلف، في مقدمة كتابه، ولو بشبه كلمة، عن أصل كتابه، وعن أشياء أخرى شابت مضامين الكتاب سأشير إلى بعضها بعد قليل، ونحن نعلم أن أمانة البحث، إن كان ما يزال للبحث أمانة، كان تفرض عليه أن يضع القارئ أمام الصورة الكاملة من غير تشويه ولا تلفيق ولا تلبيس؛ فماذا كان سيخسر لو أنه فعل؟ لا شيء، بل كان فعله، لو فعل، سيكون ربحا في ربح.

وفي مواضع كثيرة من الكتاب نجد عبارة الأطروحة الأصلية لم تتغير مع أن معمار الأطروحة قد تغيّر؛ وفي هذه الحالة، نجد، مثلا، في أثناء الفصل الثاني من الكتاب المُولّد، إشارة تفيد أن الأمر يتعلق بالفصل الأخير(ص39)!! كيف؟ توضيح ذلك أن كلام المؤلف في الفصل الثاني من الكتاب الذي يعنينا هنا كان موجودا، في أصل الأطروحة، في فصل كان هو الأخير في البناء الأصلي. ولما وقع التمزيق، لم ينتبه المؤلف إلى سدّ مثل هذه الثغرات الفاضحة.

وفي (ص33)، نجده، في سياق حديثه عن مشروع جماعة العدل والإحسان، يحيل على تنظيمين إسلاميين سبق الحديث عنهما، والحال أن الكتابَ خاص بالعدل والإحسان، ولم يرد فيه أي كلام على تنظيم آخر. ونفهم من هذا أن الكلام المثبت في هذا الكتاب المُولد كان، في أصل الأطروحة، واقعا بعد كلام على تنظيمات إسلامية أخرى، لكن المؤلف كان على عجل ومستخفا بكل شيء، فترك أن يكون الإخراج على هذا الصورة المشينة. أما كلامه عن التنظيمات الإسلامية الأخرى، فقد عزله المؤلف عن أصله من الأطروحة الأم، وطبعه في كتاب مستقل بعنوان:

« Les mouvements Islamistes au Maroc »

وفي (ص58)، يشير المؤلف إلى حديث سابق عن “البيعة التقليدية”، والحال أنه لم يسبق، قبل (ص58)، من الكتاب الذي بين أيدينا، حديثٌ عن هذا الموضوع. وهذا أيضا أثر من آثار تمزيق الأطروحة الأم من غير نظر إلى ترقيع التمزقات وملء الفجوات. والجزء الخاص بموضوع البيعة وغيرها من الموضوعات المتعلقة بالإسلام والنظام المخزني، في أصل الأطروحة، هو الذي طبعه السيد الأحمدي في كتاب مُوَلّد ثالث بعنوان:

« La monarchie et l Islam »

النوع الثاني: في كتب الأستاذ ياسين المعتمدة في الكتاب

المؤلف يطبع كتابه في نهاية سنة2006، تقريبا، وهو أول من يعلم، لأنه هو المؤلف، أن معلومات الكتاب متأخرة عن زمن الطبع بحوالي ثماني سنوات، على أقل تقدير، وحوالي عشر سنوات، على أكثر تقدير. ومهما يكن هذا التقدير، فإنه لا يليق بأستاذ باحث أن ينشر بحثا سنة2006، وهو يعلم علم اليقين أن عمر معلومات هذا البحث متوقف في سنة 1996! عيب وعار عليك يا هذا؟ تدعي التخصص والأستاذية، وتعرض نفسك على الصحافة، وتشارك في الندوات بصفتك باحثا مجتهدا أمينا، وأنت تطبع كتابا عن حركة في حجم جماعة العدل والإحسان مستندا إلى معلومات قديمة أولا، ثم هي معلومات تعاني كثيرا من النقائص والضعف ثانيا، وثالثا هي معلومات مستقاة، في معظمها، من طريق وسيط ثالث أو رابع أو خامس، وها كم، بعد كل هذا المنكر، كتاب المجتهد العلامة الفهامة الدكتور الأحمدي؛ والله، إنها لمصيبة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ومن الإشارات التي تثبت ما أدّعيه أن المؤلف يذكر في (ص22) أن آخر كتاب صدر للأستاذ عبد السلام ياسين هو كتاب “في الاقتصاد”، سنة 1995. ينشر السيد الأحمدي هذا في سنة 2006 من غير أن يكلف نفسه السؤالَ والبحث عما جدّ من مؤلفات الأستاذ ياسين منذ1995؛ يا عباد الله، كان يكفي هذا الرجل الذي درس في باريس ــ يا حسرة على عاصمة الأنوارــ أن يدخل إلى موقع جماعة العدل والإحسان على الإنترنيت، أو موقع الأستاذ ياسين مرشد الجماعة، فإذا بمطلوبه بين يديه بلا مشقة؛ بعض النقرات فقط، لكنه لم يفعل، وفضّل أن يطبع كتابا ينقصه الشيء الكثير من الأمانة والمصداقية، وهذا النقص هو بالذات ما تبحث عنه وزارة الثقافة الراعية وغيرها من مؤسسات رعاية التزوير والتدليس والتلفيق.

ولتصحيح خطأ الأستاذ الأحمدي واستفزاز ضميره العلمي، أذكره بأنه، منذ كتاب “في الاقتصاد” إلى اليوم، قد صدر للأستاذ عبد السلام ياسين، فيما أعلم، أربعة عشر عنوانا منها ما هو بمثابة الأصول في منهاج الجماعة التربوي والفكري والسياسي، ككتاب “تنوير المومنات” (في جزأين)، 1996، وكتاب “الإحسان”، الجزء الأول، ماي 1998، و الجزء الثاني، 1999، وكتاب ” Islamiser la modernité(بالفرنسية)، مارس 1998، وكتاب “العدل(الإسلاميون والحكم)”، 2000. ومن هذه العناوين الأربعة عشر ما له أهمية معتبرة في فهم تطور فكر الجماعة ومسارها السياسي، ككتاب ” الشورى والديمقراطية”، 1996، وكتاب “حوار الماضي والمستقبل”، 1997، وكتاب “حوار مع صديق أمازيغي”، 1997. ويضاف إلى هذه العناوين المذكورة كتابُ “الخلافة والملك”، 2001، وكتاب “رجال القومة والإصلاح”، 2001، وكتاب “سنة الله”، 2005، وكتاب “مقدمات لمستقبل الإسلام”، 2005. ولا ننسى في هذا التذكير الرسالةَ التاريخية التي خص بها الأستاذُ المرشد الملكَ محمدا السادس، وقد كتبها بالفرنسية بعنوان “Mémorandum à qui de droit”، وتم نشرها في يناير2000.

والمصيبة أن أساتذة مُغرّبين آخرين يشاركون السيد الأحمدي في مثل هذه الأخطاء الفاحشة؛ فهذا الدكتور محمد الطوزي، الذي يعجبه هو الآخر أن ينتسب ــ بغير حق في رأيي ــ إلى “نادي” المتخصصين في الحركات الإسلامية، يذكر في المقدمة التي “شرّف” بها كتاب “الحركة الياسينية”، والتي كتبها في غشت2006، أن كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين تتجاوز عشرين عنوانا(ص8). ولو كان الرجل من أهل الاختصاص حقا، ومن أهل البحث والاهتمام والتتبع العلمي الجاد، لكان يعلم- وله أكثر من طريق ليعلم- أن كتابات الأستاذ ياسين قد تجاوزت في غشت2006، في حدود علمي، أربعة وثلاثين عنوانا.

فكيف يزعم زاعم أنه يعرف جماعة العدل والإحسان(الحركة الياسينية) معرفة الخبير، ويتصدر المنتديات مع أهل الاختصاص، وهو لم يطلع على معظم “أدبيات هذه الجماعة”. وحتى هذا النزر القليل الذين يقع بين أيديهم لا يقرأونه، لأن باحثينا المُغرَّبين من طبقة الأستاذين الطوزي والأحمدي قلّما يقرأون بالعربية، ولذلك نجد فكرهم وآراءهم وثقافتهم واستنتاجاتهم راسخة في المراجع الأجنبية. وإطلالة سريعة على مسرد مراجع كتاب السيد الأحمدي تؤكد هذه الحقيقة المُرّة عن هذا الصنف من الاختصاصيين المزورين الذين ابتليت بهم جامعاتنا ومؤسسات البحث والدراسة في بلادنا.

وكيف يدّعي مدّع معرفته بالعدل والإحسان وهو جاهل بأخبارها، غيرُ متابع لما يصدر عنها من كتب وبيانات ووثائق وغير ذلك مما يعبر عن حيوية الجماعة ونشاطها الشامل لمختلف المناحي؛ ماذا يعرف الأستاذ الأحمدي، وأمثالُه من الباحثين الجامعيين المُزَوَّرين، عن “الدائرة السياسية” ومكاتبها؟ وعن أنشطتها النقابية؟ وعن تنظيماتها الطلابية والشبابية والنسائية؟ وعن حقيقة مضامين برامجها التربوية والفكرية والسياسية، والفنية أيضا؟ وعن مظلوميتها وما تعرضت له، وما تزال، من حملات مخزنية شرسة ظالمة، وما نزل بها، وما يزال، من منع وقمع وما تشاء من أشكال العسف المخزني، لا لشيء إلا لأنها جماعة العدل والإحسان؟

ماذا يعرف هؤلاء “المختصون”، من أمثال الأحمدي والطوزي، عن جماعة العدل والإحسان ولم يسبق لأحد منهم أن حاول الاتصال بالأستاذ عبد السلام ياسين والاستماع إليه مباشرة، كما فعل ويفعل أهلُ البحث والاختصاص بحق وحقيق، مثل الفرنسي François Burgat، في كتابه « L islamisme au Maghreb, La voix du sud »، كما لم يسبق لأحد منهم أن طرق بهمّة الباحث الأمين الصابر بابَ قياديّ من قياديي الجماعة، من الرجال والنساء، للأخذ مباشرة من المصادر الأصلية، كما فعل ويفعل الأستاذ محمد ضريف، وJean-pierre Tuquoi ، وكما فعلNicolas Beau و Cathrine Graciet في كتابهما الأخير “Quand le Maroc sera islamiste”، على ما عندي على كتب هؤلاء الصحافيين الفرنسيين من انتقادات ومؤاخذات…وغير هؤلاء كثير ممن يأتون البيوت من أبوابها، لا يُلقون بالا لـ”تجريحات” العوام، ولا لـ”تلبيسات” الخواص، يحرصون، ما أمكن، أن يصلوا إلى المعلومات في مظانها الجديرة بالمصداقية والاحترام.

ومن أخطاء الأستاذ الأحمدي في هذا الباب أنه عمد إلى كتاب الأستاذ عبد السلام ياسين “La révolution à l heure de l Islam”، الذي كتبه بالفرنسية سنة 1979، وطُبع بفرنسا سنة 1990، واتخذه ــ كما صرح هو بذلك أكثر من مرة، في (ص174)و(ص179) مثلاــ مستنَدا رئيسا ومرجعا مركزيا فيما بسطه في كتابه من آراء وأحكام عن “الحركة الياسينية”.

وهذا يبين أن المؤلف بنى معرفته بالجماعة، التي مر من عمرها منذ التأسيس إلى اليوم حوالي سبعة وعشرين عاما، وفهمَه لمسيرتها الفكرية والتربوية والسياسية، التي تمتد على مدى ثلاث وأربعين سنة تقريبا، أي منذ التحاق الأستاذ ياسين بالزاوية البودشيشية سنة 1964ــ قلت بنى الرجل معرفته وفهمه على كتاب واحد لمرشد الجماعة كتبه سنة 1979، على ما أحاط بهذا الكتاب من شروط وظروف كان لها، يومئذ، كبير الأثر في رؤية الأستاذ ياسين للأشياء.

ولعل أهم هذه الظروف التي أحاطت بهذا الكتاب، الذي يحبّ الأستاذ ياسين أن يسمّيَه “الله أكبر”، هو اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، التي كانت بمثابة انقلاب كبير وخطير في كثير من النظريات والحسابات والتوقعات، الإقليمية والدولية، فضلا عن كون هذه الثورة أثبتت للمسلمين المغلوبين وللعالم أجمع أن الإسلام دين حيّ يستطيع بالفعل أن يكون مرجعا للتربية والنضال السياسي والثورة على الظلم وبناء دولته المتميزة بطابعه الإيماني الفكري الأخلاقي التشريعي. وقد كانت تحدو الأستاذ ياسينا في هذه الظروف رغبةٌ كبيرة في التواصل والتحاور مع النخبة المُغَرَّبة في بلادنا من أجل إسماعها صوت الإسلام بحكمة الإسلام، ورفق الإسلام، وحجة الإسلام، بعيدا عن التشويشات والتشكيكات والتشويهات التي أصابت حقيقة الإسلام من جرّاء فعل الطاحون التغريبي وآثاره العميقة في نخبنا الثقافية والسياسية والاقتصادية والإعلامية.

هل توقف تطور فكر الأستاذ ياسين عند سنة 1979؟ هل بقي مشروع الأستاذ ياسين جامدا فيما عرضه في رسالة “الإسلام أو الطوفان” سنة 1974؟ في جملة، هل وقع تطور في أفكار الأستاذ يسين منذ1979، أم أن رؤية الرجل في هذه السنة هي نفسها رؤيته اليوم حرفا بحرف، بلا تعديل ولا تطوير ولا تغيير؟

إن الذي يهتم بحق بكتابات الأستاذ عبد السلام ياسين، سيلاحظ، ولا شك، أن الأصول الإيمانية التربوية الأخلاقية التي بنى عليها الرجل مشروع “العدل والإحسان” لم تتغير ولن تتغير، لأنها هي هوية الجماعة وطابعها المميز. وأدعو الأستاذ الأحمدي وغيره من الباحثين المُغَرَّبين أن يقرأوا كتاب “الإحسان”، بجزأيه، وكتاب “العدل- الإسلاميون والحكم”، ففيهما بسط واف لمشروع (العدل والإحسان) فكرا وتربية وسياسة.

قلت الأصول، وهي أساس البناء، لم تتغير، لكن الأمر يختلف مع الشأنين التنظيمي والسياسي، لأن المدار فيهما على الاجتهاد وفقه الواقع ومتغيرات الزمان وتطوراته ومستجداته؛ وإنه لمن الجهل الجاهل، في رأيي، أن نقول إن ما كان يراه الأستاذ ياسين في كتاب “الإسلام بين الدعوة والدولة”(1971)، أو في كتاب “الإسلام غدا”(1972) هو نفسه ما يراه اليوم كلمةَ كلمة، ورأيا رأيا. وإنه لمن الفهم الباطل والرأي الجائر أن نحكم على المشروع السياسي للعدل والإحسان، في كليته، بناء على جملة أو عبارات أو بعض الآراء والاقتراحات التي وردت في رسالة “الإسلام أو الطوفان”. كما أنه من الجهل الفاضح بجماعة العدل والإحسان أن نتصور بناءها التنظيمي اليوم وما يتعلق به من هيئات شورية وتقريرية وتنفيذية، قطرية وإقليمة وجهوية ومحلية، مطابقا للهيكل التنظيمي الذي ورد بسطه في كتاب “المنهاج النبوي”(1982).

إن نظرة الأستاذ ياسين في شأن مفردات العمل السياسي وبعض تفصيلات بناء الدولة في كتاب ” La révolution à l heure de l Islam” قد حصل فيها تطور كبير، وهذا شيء طبيعي، وإن تقريري لهذه الحقيقة لا يعني بتاتا انتقاصا من النظرة الأولى المتطورة أو تجريحا لها أو اعتذارا لها، لأنها ستبقى دائما نظرةً لها شأنها وقدرها وريادتها وأثرها وطابعها المتميز في تطور فكر الرجل وسيرورة جماعة العدل والإحسان.

النوع الثالث: أخطاء في بعض المعلومات والتواريخ

وهذه بعض الأمثلة:

ذكر السيد الأحمدي في (ص21) أن الأستاذ ياسينا، بعد انتهاءمحنة/منحة “الإسلام أو الطوفان” سنة 1978، اختار أن يصبح واعظا حرّا في مسجد شعبي بمدينة سلا. والصحيح أن هذا كان في مراكش بمسجد بمنطقة “الداوديات”.

وذكر في (ص24) أن الأستاذ ياسينا نشر في سنة 1980 كتابا بعنوان “من أجل حوار إسلامي مع النُخب المُغَرَّبة”. والصحيح أن الأمر يتعلق بمحاضرة ألقاها الأستاذ ياسين باللغة الفرنسية بالرباط في يونيو1980، بعنوان “من أجل حوار مع النُّخَب المُغَرَّبة”، وقد نُشرت هذه المحاضرة مترجمة إلى العربية في العدد السابع من مجلة “الجماعة”.

وفي الصفحة نفسها(24) ذكر أن الأستاذ ياسينا كتب كتاب “الإسلام وتحدي الماركسية اللينينة” بالفرنسية. وهذا خطأ، بل إن الكتاب، في أصله، مكتوب بالعربية.

وفي (ص34)، ذكر الأحمدي أن الأستاذ ياسينا تقدم، في سنة 1982، بطلب تأسيس حزب باسم “العدل والإحسان. وهذا خطأ، لأن هذا الطلب لم يتمّ قطّ، والصحيح أنه تم إيداع القانون الأساسي لتأسيس جمعية “الجماعة الخيرية” في أبريل من سنة 1983.

وفي الصفحة نفسها(34) ذكر المؤلف أن السلطات المغربية أصدرت في سنة 1990 مرسوما بحل الجمعية الخيرية. وهذا خطأ، لأن هذه الجمعية، إلى يومنا هذا، لم يصدر في حقها أي حكم قانوني أو مرسوم حكومي بالحل، بل إن كثيرا من المحاكم المغربية، إن كان السيد الأحمدي وأمثاله يتابعون أخبار “الحركة الياسينية، قد أكدت قانونية الجمعية. أما قرار الحظر والمنع والقمع والحصار في حق العدل والإحسان، فهو قرار مخزني ظالم ليس له أي سند قانوني أو إداري مبرّر.

وفي (ص46)، ذكر الأستاذ الباحث- ويا حسرة على البحث يتولاه رُويْبِضات آخر الزمان- أن الأستاذ ياسينا قد دوّن أفكاره حول الثورة بين سنتي 1977و1979، أي ــ يوضح الأحمدي ــ حينما كان معتقلا بسجن الرباط. وهذا خطأ منكر، لأن الصحيح أن الأستاذ ياسينا دخل سجن لعلو بالرباط سنة 1983، وغادره سنة 1985 بعد أن أتم السنتين اللتين حكم عليه بهما عدوانا وظلما.

وفي(ص221)، ذكر صاحبُنا أن جريدة “العدل والإحسان” ظهرت سنة1992، وهو خطأ. والصحيح أن جريدة “العدل والإحسان” قد ظهرت في سنة 2000، ولم تلبث أن منعتها السلطات المخزنية بتعليمات استبدادية لاقانونية، بل وفرضت على مدير شركة التوزيع “سابريس” أن يوقع على ورقة يلتزم فيها، مُكرها، بعدم توزيع جريدتي “الفتوة” و”العدل والإحسان”. وهذا تاريخ قريب مكتوب ومنشور يعرفه من يحركه همّ البحث الحقيقي ومعرفة الصورة في ألوانها الطبيعية.

النوع الرابع: أخطاء في أسماء بعض الكتب

وهذا النوع من الأخطاء يؤكد أن الرجل قد عرف معظم عناوين كتب الأستاذ ياسين من خلال مراجع أجنبية، فرنسية في الغالب، أي أنه، وهذا ما أكاد أجزم به، لم يطلع على هذه الكتب في لغتها الأصلية مباشرة، باستثناء كتاب ” La révolution à l heure de l Islam”، لأنه بالفرنسية؛ ولهذا لا نكاد نجد في كتاب الأستاذ الأحمدي إشارة إلى غير هذا الكتاب، الذي عدّه المؤلف، كما ذكرت سابقا، “أهم كتاب في حياة الأستاذ ياسين الفكرية”(ص45). وكذلك لا نجد في لائحة مراجع المؤلف التي سردها في آخر الكتاب ذكرا لكتب الأستاذ ياسين. بل إن المراجع الأجنبية أو ما يتبعها من كتابات اللائكيين المًغَرّبين، كالطوزي وأركون، هي مرتكزه الأساس.

ومن أمثلة أخطاء المؤلف في عناوين كتب الأستاذ ياسين أنه ذكر في (ص19) كتاب “الإسلام بين الدولة والدعوة”، والصحيح هو “الإسلام بين الدعوة والدولة” بتقديم الدعوة على الدولة. وفي (ص25) سمّى كتاب “La tragédie de la raison arabe”(مأساة العقل العربي)(هكذا)، والعنوان الصحيح هو”محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى”، وبين الخطأ والصواب ما بين السماء والأرض. وفي هامش رقم2 من(ص25) أشار إلى كتاب “حوار مع فضلائنا الديمقراطيين”، والصحيح هو “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين”. وفي (ص19) ذكر للسيد قطب، رحمه الله، “تفسير المنار”، والصحيح أن تفسير سيد قطب هو “في ظلال القرآن”، وتفسير المنار هو لمحمد رشيد رضا.

وبعد، فماذا يبقى من قيمة الكتاب في ميزان البحث الجامعي العلمي بعد هذه الأخطاء الفادحة الفاضحة؟ في رأيي لا يبقى منه شيء، بل إنه كتاب عن “حركة ياسينية” من صنع الجهل والوهم والخيال، لا علاقة له بجماعة العدل الإحسان كما هي في الواقع حية متطورة مسترشدةً بمنهاج لاحب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

مراكش: 16 مارس2007