يعتبر كتاب الشفاء أشهر تآليف القاضي عياض وأكثرها ذكرا وانتشارا، وقد رزق من الحظوة والشهرة والسرِّ والبركة وحسن القبول لدى الخواص والعوام ما لم يرزقه أي تأليف مغربي آخر، وفي الثناء عليه يقول ابن فرحون أحد أعلام المالكية: أبدع فيه عياض كلَّ الإبداع، وسلم له أكفاؤه كفاءته فيه، ولم ينازعه أحد في الانفراد به، ولا أنكروا مزية السبق إليه، بل تشوفوا للوقوف عليه، وأنصفوا في الاستفادة منه، فحمله الناس وطارت نسخه شرقا وغربا، وقد تحدث الأستاذ المرحوم محمد المنوني حديث الباحث الصبور عن كتاب الشفا من خلال رواياته ورواته مثلما فعل في بحث آخر عن صحيح البخاري في الدراسات المغربية، ومن المعروف أن عامة المغاربة يقرنون بين الكتابين في تعظيم مكانتهما والتبرك والاستشفاء بهما. ومما قاله بعضهم في كتاب الشفا:

ما كتاب الشفا إلا شفاء *** للقلوب المراض والأجساد

عناية العلماء بكتاب “الشفا”: وقد جمع أحمد المقري في أزهار الرياض ما قاله علماء من المغرب والمشرق في مدح هذا الكتاب المبارك ولم يشذ عنهم إلا الشيخ تقي الدين ابن تيمية الذي ينسب إليه أنه قال لما قرأ الشفا: غلا هذا المغيربي، وردّ عليه الفقيه ابن عرفة وغيره، ومن ذلك كله ندرك الخصوصية التي امتاز بها من بين التآليف العديدة التي ألفت في السيرة ومنها كتب أعلام النبوة وكتب دلائل النبوة، وفي هذا قال بعضهم:

كلهم حاول الدواء ولكن *** ما أتى بالشفاء إلا عياض

ويقول أحمد المقري: “ولا يمتري من سمع كلامه العذب السهل المنور في وصف النبي صلى الله عليه وسلم أو وصف إعجاز القرآن أن تلك نفحات ربانية ومنحة صمدانية خص الله بها هذا الإمام وحلاه بدرها النظيم، “ذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم” وقد ورد في كتاب النجم الثاقب لابن صعد التلمساني أن بعض الصالحين قال: رأيت القاضي أبا الفضل بعد موته في المنام وهو في قصر عظيم جالس على سرير قوائمه من ذهب قال: فكان يسألني عن مسألة فأقول له:يا سيدي ذكرت فيها في كتابك الموسوم بالشفا كيت وكيت، قال: فكان يقول لي: أعندك ذلك الكتاب؟ فأقول له: نعم. فيقول ليشدَّ يدك عليه، فبه نفعني الله وأعطاني ما تراه” ومن الكلمات السائرة مسير الأمثال لدى المغاربة قولهم: لولا عياض ما ذكر المغرب، وقال آخرون: لولا الشفا لما ذكر عياض، وهذا هو الذي عبر عنه العارف الحلفاوي في كتابه شمس المعرفة بقوله: ” قال العلماء من أهل الرسوم: لولا عياض ما ذكر المغرب، وقال أهل الفهوم: لولا الشفا ما ذكر عياض بين الرسوم، لأن غيره قد ألف أكثر من تواليفه وهو مع ذلك غير معلوم”.

من بركات كتاب “الشفا”، ومما يعد من بركات الشفا على القاضي ظهور قبره سنة 712 هـ بعد نبش أظهرت علامة القبر وتاريخه بعد أن ظل زمنا مختفيا، ففرح الفقهاء بذلك وبنى عليه قاضي مراكش يومئذ أبو إسحاق ابن الصباغ قبة عظيمة ذات أربعة أوجه وألزم الفقهاء بالتردد إلى هناك لتلاوة القرآن ليشتهر القبر، وقد أصبح ضريح القاضي عياض منذ يومئذ من المزارات التي يتبرك بزيارتها الملوك والعوام وغيرهم، فقد زاره السلطان أبو الحسن المريني كما في المسند لابن مرزوق، ولعل أبا الحسن هذا هو الذي أشار على كاتبه ابن مرزوق المذكور بشرح الشفاء الذي افتتح بطائفة من القصائد في مدح الشفا وعياض استدعاها ابن مرزوق من شعراء المغرب والأندلس يومئذ، وقد حبس أبو عنان بعد هذا أحباسا على قراءة الشفا بمساجد فاس، واستمرت العناية بالشفا طوال العهد المريني وعهد بني وطاس، وغدا محرضا روحيا في أيامهم التي تكالب فيها البرتغاليون على سواحل المغرب. أما ضريح القاضي عياض فقد عراه شيء من قلة التعهد خلال الصراع بين الوطاسيين والسعديين إلى أن أحياه هؤلاء على يد الولي الصالح الحاج سيدي الفلاح الذي دفن إلى جانب القاضي، وجدد القبة تلميذ الفلاح سيدي عبد الله الكوش، وفي بداية الدولة العلوية بنى المولى الرشيد قبة تلقاء ضريح القاضي عياض على مولاي علي الشريف جد الملوك العلويين.

وحوالي هذا التاريخ رسم القاضي عياض ضمن سبعة رجال، وقد صنف الثاني في ترتيب الزيارة المعمول بها منذ بداية الدولة العلوية إلى الآن، ومما يدل على مكانة الضريح لدى الخاصة والعامة ما حكاه أبو عبد الله محمد بن مبارك قال: “لما قدم أبو علي اليوسي لزيارة ضريح عياض في حدود المائة وألف عرض له جيران ضريحه فقالوا: نريد معرفة حد حرم أبي الفضل فقال لهم: المغرب كله حرم لأبي الفضل.

ولا بأس أن أشير في آخر هذا التقديم إلى أن سبتة عرفت بعد مدة من وفاة عياض، وربما بتأثير كتاب الشفا، الاحتفال لأول مرة في الغرب الإسلامي بالمولد النبوي الشريف على يد العزفيين الذين أصبحوا يومئذ في سبتة مثل العياضيين في زمنهم، وقد قدم الفقيه أبو القاسم العزفي مؤلف كتاب الدر المنظم في مولد النبي المعظم كتابه هذا إلى المرتضى الموحّدي وأشار عليه بإحياء ليلة المولد فقام بذلك وحذا حذوه بنو عبد الواد في تلمسان وبنوالأ حمر في غرناطة واستمر العمل بذلك إلى يومنا هذا.

ونتبرك في الأخير بالدعاء الوارد في آخر الشفا: ” و إلى الله تعالى جزيل الضراعة في المنة بقبول ما منه لوجهه، و العفو عما تخلله من تزين و تصنع لغيره، وأن يهب لنا ذلك بجميل كرمه وعفوه لما أودعناه من شرف مصطفاه وأمين وحيه، و أسهرنا به جفوننا لتتبع فضائله، وأعملنا فيه خواطرنا من إبراز خصائصه و وسائله، و يحمي أعراضنا عن ناره الموقدة لحمايتنا كريم عرضه، ويجعلنا ممن لا يذاد إذا ذيد المبدّل عن حوضه، و يجعله لنا و لمن تهمم باكتتابه واكتسابه سبباً يصلنا بأسبابه، وذخيرة نجدها يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً نحوز بها رضاه، وجزيل ثوابه، ويخصنا بخصيصي زمرة نبينا وجماعته، و يحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم، و فتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وأفهم، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع، وعلم لا ينفع، و عمل لا يرفع، فهو الجواد الذي لا يخيب من أمّله، ولا ينتصر من خذله، ولا يرد دعوة القاصدين، ولا يصلح عمل المفسدين، وهو حسبنا و نعم الوكيل، وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً.”