يوم 22 مارس 2007 تحل الذكرى الثالثة لاستشهاد الشيخ أحمد ياسين رحمه الله تعالى، بالمناسبة ارتأيت أن أترجم حبي ووفائي لهذا الرجل المبارك بهذه الكلمات المتواضعة سائلا الله جلت قدرته الرحمة والمغفرة له ولإخوانه شهداء فلسطين وشهداء أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين.

للذكـــــــــــــرى…استشهد الشيخ أحمـد ياسين، بعد أن قام ليله بين يدي الله عز وجل، يقرأ القرآن، ويدرس إخوانه، ويعظهم، ويجيب على تساؤلاتهم، وليتناول طعام السحور بنية صيام يوم الاثنين إحياءً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وليصلي الصبح في جماعة، وليجالس إخوانه عقب ذلك، ثم ليخرج من مسجد المجمع الإسلامي الذي أسسه على التقوى ليكون منارة للعلم والدعوة إلى الله، حتى إذا قفل شهيدنا متوجها إلى بيته كالعادة، كانت أوامر السفاح شارون، المقبور حيا، قد صدرت لطائرة العدو…فارتقى شهيدنا إلى العلا تماما كما كان يتمنى ويرجو ربه ناصر المستضعفين.

نعم، ارتقى من كان الأب لليتيم، والكفيل للأرملة، والمنفق على الفقير وذي الحاجة، والمؤازر للمعتقل وذي المظلمة.

قدرك سيدي أن يمزق جسدك المشلول الطاهر على كرسيك المتحرك… وقدر أهل غزة و باقي المسلمين أن يبكوك ويسكنوك قلوبهم وهم يدعون الله جلت قدرته أن يتغمدك وإخوانك الشهداء برحمته الواسعة.

المطلع على سيرة الشيخ ياسين يقف على شخصية متفردة ساهمت بشكل أساسي في تربية أجيال من شعب فلسطين المجاهد بقيت ولا تزال عصية على كل عوامل الإغواء والإغراء، ومقارعة لعصابات الإجرام الصهيوني والمتعاونين معها. ترى ما هي أهم ملامح هذه الشخصية؟ و كيف نجحت في أخطر صناعة على الإطلاق؟ صناعة الإنسان المؤمن والملتزم بقضايا دينه وأمته.

الربانية في شخصية الشهيدالشيخ عاهد عساف، مرافق الشهيد بسجن كفر يونا الصهيوني، يخبرنا عن برنامج الشهيد اليومي بقوله: “وكان يوم الشيخ بدايته قيام ليل ثم تسبيح قبل الفجر، وبعد الصلاة ورده اليومي من المأثورات، وبعدها يأخذ قسطا من النوم وقراءة القرآن…”

إنها شهادة رفيق الزنزانة بحق مرب رباني نذر نفسه للذود عن أرض المعراج في وجه عصابات الغدر اليهودي.

وإذا كان من صفات الربانيين أن يعلموا الناس صغار الأمور قبل كبيرها، فإن شهيدنا كان يحرص على ما قد يبدو صغيرا في أمور التربية، يرسخه في سلوك أبناء فلسطين، يقول الشيخ عاهد: “امتاز الشيخ الشهيد بالإتقان في كل شيء حتى إنه كان يعلمنا كيف ينظف أسنانه من خلال إرشادنا باستخدام السواك في المقطع العلوي من أسفل إلى أعلى ثم الانتقال إلى المقطع السفلي”.

التعليم في شخصية الشهيدإذا كان تقدم الأمم يقاس بجهود أهل التربية والتعليم فيها، فإن شهيدنا أعطى النموذج الأمثل في هذا الميدان منذ تخرجه عام 1958م من مدرسة فلسطين، واشتغاله بالتدريس بمدرسة الكرمل بغزة، إلى أن قام مع ثلة من قادة العمل الإسلامي بتأسيس المجمع الإسلامي بغزة، والذي اعتبر بحق حاضنا للعديد من أطر العمل الدعوي والجهادي الميداني بفلسطين.

يقول عنه د. صالح الرقب: “عمل الشيخ أحمد مدرسا، وهو يعلم أن المدرس مربي الأجيال، فهو يربي ويعلم في آن واحد، وعليه يتوقف صلاح المجتمع وفساده، ولذا قام بواجبه في التعليم، فأخلص في عمله، ووجه طلابه نحو الدين والأخلاق، والتربية الإسلامية الصحيحة، يزودهم بالمعلومات النافعة، ويعلمهم الأخلاق الفاضلة، وقد كان قدوة حسنة لغيره من المدرسين في قوله وعمله، وسلوكه. وقد شهد أحد تلاميذه بأنّه كان في داخل المدرسة يعلم التلاميذ قراءة القرآن، وأداء الصلاة، ثم يجمعهم في مسجد الكنز بحي الرمال ليعلمهم القرآن والحديث. كما كان يعطيهم دروساً للتقوية في المواد التي كان يدرّسها”.

وقد اعترف تلاميذه الكبار-وهم اليوم من قادة العمل الإسلامي في القطاع – بعمق تربيته وصدقها. نسأل الله أن تكون شهادة له يوم العرض عليه، و أن يكونوا من حسناته…آميـــن.

الجهاد في شخصية الشهيدحق لشهيدنا أن يلقب بـ”رائد مدرسة الجهاد” الحديثة بفلسطين، التي خرجت أفواجا ممن باعوا أنفسهم لله تعالى وحولوا حياة اليهود المغتصبين جحيما لا يطاق.

من أقواله رحمه الله في هذا الباب: “نحن في مركز قوة وليس في مركز ضعف.. والعدو هو الذي انهار فالجيش “الإسرائيلي” لا يريد أن يقاتل في الأراضي المحتلة ومواطنوهم فارُّون إلى الخارج، ورؤوس الأموال تهرب والاقتصاد الصهيوني ينهار. إن “إسرائيل” تشهد وضعا منهارا بينما نحن في وضع قوي جدا، في الشارع الفلسطيني اسأل أي امرأة أو رجل إذا كان يريد الاستشهاد سيقول لك: نعم، وإن سألته: هل تريد حزاما لقال أنا مستعد”.

لنتأمل هذه الروح الجهادية العالية، الموقنة بنصر الله: الرجل المشلول المقعد المريض يغدو المطلوب الأول في أخطر قضية تواجهها الأمة، وهي قضية فلسطين، ترى ما عذر القاعدين الأصحاء منا؟

ويقول أيضا رحمه الله:” يهود العالم تجمعوا هنا لأنهم فقدوا الأمن في العالم وهذه الصورايخ تفقدهم الأمن، صواريخ الكاتيوشا في الشمال لم تقتل يهودياً واحداً في عشرين عاما كل مهمتها كان إفقادهم الأمن. وصارت الصواريخ المعادلة الصعبة في الشمال، والآن الصورايخ معادلة صعبة في الجنوب. ودخولهم بيت حانون لم يمنع إطلاقها ولم تتوقف خلال احتلالهم وعرفوا ألا فائدة من احتلالها. واليوم لو وجدوا فائدة لاحتلوها، وعندما أقمنا الهدنة قال لهم شارون جلبت لكم الأمن فقالوا له الأمن جلبته حماس لأنها أعطتنا الهدنة وليس أنت”.

صدقت سيدي و رب الكعبة… صواريخ مصنوعة في ورشات الحدادة البدائية تحولت من نكتة على ألسن “السفهاء” المطبعين إلى سلاح للردع يحسب له خبراء جيش العدو ألف حساب.

رسالة الشهيديقول شهيدنا في ذكرى الإسراء و المعراج وتحرير القدس ( 27 رجب):

“أؤكد للجميع في هذه الذكرى أنّ المقاومة والجهاد هو خيارنا، وأنّ طريق النصر محفوف بالشهداء والدماء، وأننا عاهدنا الله ثم نعاهد شعوبنا أننا لن نستسلم ولن نرفع الرايات البيضاء، وسنقاتل، إما النصر وإما الشهادة، هذا هو عهدنا وهذا هو طريقنا مهما بلغت التهديدات ومهما بلغ العدوان والقصف، ومهما بلغ التدمير لبيوتنا وأبنائنا، ومهما بلغت مجازر العدو”.

كلمات واضحة في دلالاتها، نورانية في عمقها، تجسد رسالة الشهيد لنا، ولمن يأتي بعدنا ويرشح نفسه لحمل هم الأمة.

“إما النصر وإما الشهادة” نعم سيدي…

صدقت الله فصدقك سبحانه.

بأن رزقـــــك الشهــــــــادة.

والآن لنستمع إلى هذه الكليمات العبقة بعطر الوفاء والمحبة لشهيدنا على لسان الدكتور محمد بن عبد الله الخضري:جل المصاب وزادت الآلام *** وعدت على شيخ الهدى الأقزام

وتكالبت وحش الظلام على الذي *** في ظله تتزاحم الأقدام

إن يقتلوك فليس ذلك بدعة *** في دينهم بل إنه الأحلامرحم الله الشيخ ياسين وكل شهداء أمة رسول الله صلى الله عليه و سلم.

وألحقنا بهم مسلمين مؤمنين طائعين لله رب العالمين.

آمـــــــين.