“كثيرا ما تقرأ لمفكرين مسلمين، فتمر عليك الصفحات والفصول، لا تعثر على ذكر لله، ومحبة الله، والعبودية لله، ولا على ذكر الجنة والنار، والآخرة وحياة الخلود، ذلك أن أسلوب التفكير ومجال التفكير الجاهليين، لا مكان فيهما لكل ذلك، فينقطع حديث بعضنا عن تلكم المساحة الإيمانية الأبدية، انحصارا إلى الأبعاد المادية المألوفة” (1).

فما نعود نرى إلا حطاما بشريا، وركبا ساكنا لا يتحرك، وسفينة متهالكة قد عصفت بها الرياح، فقلمت أشرعتها، وتلاعبت بها أمواج عاتية، لينتهي بها المطاف إلى شط الظلمة، مرمية بين الركام، فلا تسمع منها إلا كلمات الشكوى القاعدة.

هكذا هي دعوتنا وحركتنا، حين اقتنعنا بأن ما يمكن أن نتمايز به عن شعوب الأرض، وسائل ومقومات مادية، وحضارة مؤقتة، إن دامت لغيرنا ما وصلت لنا، وهذا هو مصير ركبنا، إن لم نصحح المنطلق، ونرسم الغاية، إن لم نقدم للعباد النموذج الحي، للفرد القوي بالله، وللمجتمع الأخوي المتماسك، والمتلاحم بالله، وبحب الله، إن لم نفهم نحن عن الله، ونعلم الأجيال الصاعدة أن الإسلام دعوة إلى غاية كل فرد من العباد “الله”، ومبتغى كل همة سائرة إلى الله “رضى الله”، وفي ذلك نبذل أرواحنا ثمنا بخسا، إذاك نحقق الانطلاقة المنشودة، ونكون قدرا من أقدار الله سبحانه.

ليل التبتل ونهار السبححركة لا بد منها، وسبح بالنهار لا محيد عنه، سعيا في الرزق، وجهادا في سبيل الله، كل ذلك حسن حسنه الله.

لكن دعني أقف معك أيها الأخ الكريم، المفتقر إلى الله، يا من تبحث عن معناك وسط هذا الزخم من المعاني المتلاطمة، وقفة نتساءل فيها عن حظنا من الليل، عن مكاننا في محراب التبتل والتقوى، والوقوف بين يدي الله سبحانه، فمن لم تحلق به روحه إذ هو على حصيرة المسجد البالية، فلن يطير به بساط السندباد، كما قال محمد أحمد الراشد حفظه الله.

أقف معك لأخبرك أن: “أول ما بدأ به المربي المتلقي الوحي، أن شد عليه ثيابه ليقوم الليل، مصليا، قارءا، ذاكرا، مستغفرا، متبتلا، عابدا” (2).

لأذكرك وأذكر نفسي أولا، فهي أولى بالتذكير والتقريع، أن الله سبحانه قد رسم لنا في ثالث سورة نزلت على الداعية الأكرم، والمربي الأعظم، منهاجا جمع فيه بين الفضيلة الفردية، والسلوك الجماعي المجتمعي، إذ قال:” إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا، إن لك في النهار سبحا طويلا، فاذكر اسم ربك وتبتل إليه” (3).

ليل المؤمن للتبتل، يقوم فيه العبد السالك، حين تهجع العيون، ويقبل الوافد على الله، متمسكنا، متقنعا باكيا، حريصا كل الحرص على أن يخفي تهجده وتقلبه بين يدي ربه، قال الحسن: “كان الرجل يكون عنده زواره، فيقوم من الليل يصلي، لا يعلم زواره، وكانوا يجتهدون في الدعاء، لا يسمع لهم صوت، وكان الرجل ينام مع امرأته في وسادة، فيبكي طول ليلته وهي لا تشعر” (4)، ليل ناشئته شديدة، ووطأته عميقة على النفس، تزكية وصقلا وتقويما.

ونهاره للسبح الطويل، بين كدح يشد به قوام النفس، ويحفظ العقل والقلب، وفروسية في الميدان لمقارعة أعداء المسلمين، وإعلاء كلمة الله عالية، “للمؤمن والمؤمنة في يومهما وقتان: ليله ونهاره، فمتى كان ليله ليل المتبتلين، ونهاره نهار المجاهدين، فقد استغرق عمره في الطهر” (4).

“التوبة قلب دولة”هذه صيحة سيدي عبد القادر الجيلاني قدس الله سره، دوت في قلب كل من استفاق على صرخات الزواجر، وانزعج من رقاد الغافلين، فشمر لله عن ساعد الجد، بهمة الانتقاتل من ظلمة الغفلة إلى نورانية التنبيه، “واعلم أن العبد قبل وصول الداعي إليه في نوم الغفلة، قلبه نائم وطرفه يقظان، فصاح به الناصح وأسمعه داعي النجاح، وأذن به مؤذن الفلاح”(5). إذاك تحصل له اليقظة القلبية، التي تورث فيه الذل والانكسار، وشهود نعم الله الظاهرة والباطنة عليه، بعظمتها وكثرتها، فينظر إلى جسارة الجناية من خلالها، ويقف على الخطر فيها، وينتفض لتداركها، ويستقل قارب التوبة للنجاة بتمحيصها والتخلص من ربقها.

التوبة قلب دولة عادات النفس وطباعها، وإلا نفعل نكون قد قبعنا في دركات الغفلة، وانحطاط الهمة، فأنى لمأسور الأوزار أن ينطلق، وكيف لمقطوع عن الركب أن يصل، أم كيف يدل على الله مقطوع عنه ومنشغل عنه بسواه، وقد جاء في الصحيح عنه صلى الله صلى الله عليه وسلم: “أنه كان يدعو في صلاته اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت”.

ويقول سليم الذنب  السليم من لدغته أفعى  وملتاع بلوعة الندم:نوح الحمام على الغصون شجاني *** ورأى العذول صبابتي فبكاني

إن الحمــام تنوح لخلق الله لها *** وأنــا أنـوح مخافة الرحمان

إني وإن بكيت فلن ألام على البكى *** فلطالما استغرقت في العصيـان

يـا رب عبدك من عذابك مشفق *** بـك مستجير من لظى النيران

——————————————–

(1): المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين ص 8.

(2): محنة العقل المسلم للأستاذ عبد السلام ياسين ص 34  35.

(3): سورةالمزمل الآيتان 06  07.

(4): لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي ص 54  55.

(5): محنة العقل المسلم ص 37.

(6): مدارج السالكين لابن القيم الجوزية.