لقد خلق الله عزّ وجلّ الإنسان وبثّ فيه غرائز عدّة إذا لم تهذب صارت معاول تقلع كلّ ما يشبع حاجاتها وفضولها، من بين هذه الغرائز؛ حبّ التملّك والسّيطرة والرّئاسة …

وهي ما اتسمت به الأنظمة الوضعية من بداية الخليقة إلى يومنا هذا، حيث عجزت عن الموازنة بين الملكية الفردية والملكية الجماعية من جهة، وبين ملكيات الأفراد فيما بينها من جهة أخرى، فاختل نظامها، وطغت الملكية الفردية تارة فظهرت الطّبقات الاجتماعية متبوعة بالصّراع الطّبقي، وسيطرت الملكية الجماعية تارة أخرى فظهر الاستبداد متبوعا بالردّ الثّوري.

من بين هذه الأنظمة، نأخذ على سبيل المثال لا الحصر نظامي الرّأسمالية والاشتراكية، إذ أقلّ ما يقال فيهما: أنّهما أذاقا الإنسان كلّ صنوف العذاب، وجعلا حياته كلّها كمداً ووجوما، بل صار الإنسان في ظلّهما بضاعة مستغلّة.

فالرّأسمالية على المستوى الدّولي باسم الملكية الفردية والحريّة الاقتصاديّة؛ أطلقت العنان لطمع وجشع الغريزة الدّوابية في غياب البواعث الأخلاقية لنهب كلّ ضعيف، فأبادت شعوباً وامتصّت دماء الأمم ورشاً، وقهراً، واستعماراً، ومكراً، وخداعاً، مخبرة بذلك أنّ البقاء للأقوى، وأنّ هذه غابة إمّا أن تكون فيها ذئباً أو تأكلك الذّئاب.

وخير مثال شرّ في ذاته؛ الإمبراطورية الأمريكية في يومنا هذا، فهي لم ترتو بعد من دماء العراقيين من أجل النّفط، وكيف ترتوي والصَّعر والقَرَمُ(1) والحُصَار(2) يتأبّطها؛ فأسنانها لازالت تحمل بقايا لحوم الفتناميين، وأنفها لازال يغشاه قُتار(3) شواء لحوم يبانيي ناَكَازَاكِي وهيروشيما، وحذاؤها لا يزال يحمل عُصافة(4) أرض الهنود المستأصلين، وأرضها لازالت مبلّلة بدم السّود، وحوافرها لا تزال تهطع(5) في الأرض المقدّسة..، كيف لها ذلك والإنسان كمّ مادّي في ذهنها.

أمّا الاشتراكية؛ الشيوعية سابقاً، فهي لا تقلّ إجراماً عن غريمتها الرّأسمالية. إذ باسم الملكية الجماعية وسلطة الدّولة وهيمنتها وهدماً لهرم الطّبقية قتلت أفواجاً من النّاس، ودفنت في عهدي لينين وستالين وغيرهما جموعاً في أرض تمنّت لو كان ضيوفها مؤمنين موحّدين، خلاف قوم قالت فيهم ملائكة الرّحمان”أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ(6)…”.

بل حتّى الطّبيعة لم تسلم في عهد ماوتسي تونغ، حيث نُظّمت مباريات لملاحقة بعض العصافير بتهمة تخريب المحاصيل ثمّ قتلها.

من خلال هذين المثالين يتبيّن لنا أنّنا إذا أخذنا بالنّموذج الأوّل فغلّبنا الملكية الفردية على الملكية الجماعية؛ كأن نعمّم الخوصصة مثلاً ونهمل مسؤولية الدّولة دخل علينا الفساد من ثلاثة شعب على الأقلّ.

1- هلاك الفقير والمسكين لعدم قدرته على اللّجوء إلى القطاع الخاصّ؛ كقطاعي الصحّة والتعليم مثلاً.

2- تشرّد العمّال في حالة عجز القطاعات الحرّة المخوصصة بسبب عدم تحمّل الدّولة مسؤوليتها.

3- اختلال التّوازن الاقتصادي بعدم تكامل القطاعات فيما بينها لغياب نظرة متكاملة وسياسة موحّدة.

وإذا غلّبنا الملكية الجماعية كأن نؤمّم كل القطاعات ونقبر المبادرات الحرّة لن تحرّر الطّاقات ولن تزكّى التّنافسات، فيضعف التطوّر الاقتصادي ويموت. يقول الأستاذ عبد السّلام ياسين: ” المسلسل الاقتصادي الإسلامي هو أن تكون المبادرة الحرة هي الأساس، وتدخل الدولة طارئا، ويكون التخطيط محدودا. وكل تخطيط يجعل التأميم هو القاعدة والمبادرة الحرة هي الاستثناء فإنما يعرض الاقتصاد للخطر.”(7)

إذن من باب الأولى أن نرجع إلى ديننا، لأنّه جمع بين تلك الأمور كلّها، حيث لم ينف الملكية الفردية ولا الجماعية، وإنّما جمع بينهما في نظام منسجم يخدم الفرد والجماعة في آن واحد، كما وازن بين ملكيات الأفراد فيما بينها، فقرّب بذلك بين طرفي الطّبقيّة (الفقيرة والغنيّة) وجعلها تخدم كلّ واحدة منها الأخرى لتصبح عمراناً أخويّاً. وأعطى للإنسان من جهة أخرى قيمته الحقيقية. كلّ ذلك من خلال عدّة زوايا أذكر منها ما يلي:

1- تكريم الإنسان:

إنّ الإسلام أوّل ما تناول من شؤون الحياة الإنسان ذاته، لأنّه مركز الكون والفعل، فهو المصدر، والمغيّر، والمفسد المصلح تحت عين الله، وله سخّر الله السموات والأرض، وأنعم عليه بالعقل، وهداه النّجدين، ودلّه على الصّراط المستقيم، وبيّن له عاقبة الأمور، وترك له الاختيار والتّدبير، قال الله تعالى: “هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3)” (8)

وقال سبحانه: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(70)”(9)

2- التّربية الإيمانية الإحسانية:

يتحدّد دور التّربية الإيمانية بخصوص التّوازن المادي الاقتصادي في أربع وظائف على الأقلّ:

أوّلاً: كونها مهيِّئة للظّروف الاقتصادية المناسبة؛ وذلك من خلال تهذيب النّفس البشريّة وربطها بربّها عزّ وجلّ، وجعلها قابلة للانضباط والإقرار بالواجبات، والمساهمة البنّاءة في الاقتصاد، كما أنّها تقصّ جناحي غريزتها التملّكية لكي لا تطغى فتأكل الأخضر واليابس، وتربطها بحقوق تؤدّى إلى الأفراد والدّولة. فتسود بذلك المحبّة والرّحمة والأخوّة المفضية إلى التّعاون على البرّ والتّقوى، مكان الحروب والكراهية والصّراع الطّبقي. قال الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ…”(10).

ثانياً: كونها محفّزة على العمل؛ وذلك باعتبارها باعثة على العمل طلباً لوجه الله ولما عند الله.

ثالثاً: كونها ضابطة للنّفس وفق الضّوابط الشّرعية، وموجّهة لها للاستعانة بالله تعالى دعاءا، وتوجّهاً، واستمطاراً لرحمته. قال الله عزّ وجلّ: “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)”(11).

رابعاً: كونها غاية في حدّ ذاتها، وذلك لأنّ الإسلام عندما أسّس نظاماً متوازناً وفتح الباب للتقدّم النّافع، ربط الكلّ بالغاية التي خلق الإنسان من أجلها، ألا وهي عبادة الرّحمان وطلب الإحسان؛ وذلك عين التّربية. وهو ما بيّنه لنا ربّنا عزّ وجلّ في هذه الآية الكريمة: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58)”(12) وبالتّالي بناءاً على ذلك يكون كلّ من الاقتصاد والكفاح المعيشي والاستخلاف الأرضي ما هو إلاّ محلّ وجب تهيئته ليعبد الإنسان ربّه، ويسمح لسمو روحه، وانتعاش وجدانه، وفرح قلبه بربّه، والتزوّد ليوم رحيله، قال الله تعالى: “تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور”(13). وأشار الأستاذ عبد السّلام ياسين حفظه الله إلى ذلك بقوله :” نحن المسلمين موعودون بالخلافة في الأرض لنعمرها، لكن عمارتها ليست مقصودة لذات العمارة، إنما عمارتها شرط ليعرف العبد ربه ويتهيأ للقائه بعد الموت. بهذا نحن قوة لا تقاوم.”(14)

3- العلم:

يتمثّل دور العلم في حفظ التّوازن المادّي في عدّة أدوار يصعب حصرها في هذا الموضع. وأقلّ ما يمكن قوله هو أنّه؛ يلقّن الإنسان كيفية إدارة شؤونه بشكل عادل.

4- العمل:

كذلك العمل لا يمكن حصر كلّ تشعّباته بخصوص هذا الموضوع، لذلك أقتصر فقط على القول بضرورة التحرّر من التبعية وتفعيل دور العامل الذّاتي. يقول الله تعالى: “وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(105)” (15)

5- الإجراءات العملية: بالنّسبة للملكية الفردية والملكية الجماعية فإنّ الإسلام على المستوى الإجرائي نظّم تفاعل الملكيتين؛ وذلك بأن جعل الدّولة مسؤولة أمام الأفراد، من جهة، وهو ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته) (16) ومن جهة أخرى أمر الأفراد بالمساهمة في البناء.

أمّا بخصوص الطبقيّة فإنّ الإجراءات العمليّة التّي عالج بها الإسلام هذه القضية وقرّب بين طرفيها للحفاظ على التّوازن المادّي في حياة المسلمين كثيرة، أذكر منها ما يلي:

1- فرض الزّكاة ورغّب في تطوّعات أخرى: من صدقة وكرم وإحسان وإطعام الطّعام وهبة ووقف…

2- نظّم انتقال الثّروات بين الأفراد بوضع قواعد الميراث.

3- أمر بحفظ المال وعدم تبذيره في المصارف التّافهة طلباً للشّهرة والسّمعة واللذات المحرّمة والشّهوات البهيمية.

4- رشّد الإنفاق بتحريم التّبذير والتّقتير …

5- شجّع على الاستثمار بتحريم كنز الأموال وتهريبها.

6- يسّر التّعاون المادّي بتشريع الدّيون وملحقاتها.

7- حذر من الكسب الظّالم بتحريم الرّبا والرّشوة والغشّ والسّرقة…

8- وحثّ على الكسب العدل بتعظيم العمل وتحقير القعود.

9- نادى بالتّكافل الاجتماعي لسدّ الحاجات.

10- ترك للإمام وعلماء الأمّة حقّ الزيّادة لتيسير تسيير الدّولة وشؤونها؛ وذلك بإضافة ضرائب جديدة إذا استلزم الأمر ذلك. قال الأستاذ عبد السّلام ياسين حفظه اللّه بخصوص هذا الموضوع: ((وهي قاعدة صاغها فقهاؤنا في قولهم:”إذا احتاج المسلمون فلا مال لأحد” ))(17)…

ولا يمكن تطبيق كلّ هذا بين عشية وضحاها بطريقة استعجالية، وإنّما لابدّ من تدرّج ورحمة وحكمة وأناة وطول نفس كما يشرح ذلك الأستاذ عبد السّلام ياسين في كتبه وتوجيهاته، قال مرّة: “سألت أخا ذات يوم : «ما تفعل بهذه الأبناك الربوية وهذا الفساد في الأمة لو أصبحت غدا صاحب الأمر؟

قال الأخ الصالح: «أوقف كل شيء وأدعو الله أن يفتح ! » قلت : إذن لا تدوم دولتك أكثر من ثلاثة أيام !، ثم إنك تكفر بالله عز وجل الذي جعل من نواميس الكون التدرج لا الطفرة، وأوجب عليك اتخاذ الأسباب الأرضية في جهادك، لا طلب الكرامة والمعجزة فيما يخرق نواميسه».

بعد هذا ومعه لا بد من اجتهاد جماعي.”(18)

هو عمل ضخم يتطلّب تضافر جهود المسلمين كافّة على أرضية إسلامية يعضّدها ميثاق وطني، ببواعث إيمانية، ونظرة متّزنة متوازنة، تستلهم اتّزانها من فقه الصّحابة الكرام، الذين كانوا سادة العالم في زمنهم، وتوفيق بين البرامج التّعليمية والأعمال التّطبيقية، ببعد نظر وثقة في النّفس بعد الثّقة بالله وبنصره.

إنّ المسلمين لو رجعوا إلى دينهم وفهموا حقيقة أصولهم وشمولية دينهم، لتقطّعت لهم الأكباد طلباً للتّربية والمعرفة والعمل.

قال الله تبارك وتعالى: “لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط” وقال عز من قائل :”ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض”.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العليّ العظيم.

——————————————–

(1) القرم: الشّهوة الشّديدة إلى اللحم.

(2) الحصار: مرض نفسي يتّصف بالقلق الشّديد دون وجود الأسباب الكافية لإثارته.

(3) القتار: رائحة شواء اللّحم

(4) العصافة: مايسقط من السّنبل كالتّبن وغيره.

(5) الإهطاع: مشية المسرع الخائف.

(6) البقرة 29.

(7) في الاقتصاد، البواعث الإيمانية والضّوابط الشّرعيةص99

(8) سورة الإنسان.

(9) سورة الإسراء.

(10) سورة الرّعد، الآية 12.

(11) سورة الأعراف.

(12) سورة الذّاريات.

(13) سورة الملك

(14) المنهاج النّبوي: ص 8، الطّبعة الثّانية.

(15) سورة التّوبة.

(16) رواه الإمام البخاري.

(17) في الاقتصاد، البواعث الإيمانية والضّوابط الشّرعية ص49.

(18) المنهاج النبوي: ص220،221، الطّبعة الثّانية.