المسـؤوليةبعد الحديث عن قضية فلسطين، بل قضية المسلمين جميعا، والتذكير بقيمتها الإيمانية والكونية والإنسانية و الإسلامية والعربية والتاريخية والمستقبلية…في المقال السابق نولي الحديث في هذا المقال للجواب عن سؤال المسؤولية.

فعلى من تقع المسؤولية تجاه فلسطين؟ أمام الله تعالى وأمام الأمة المستخلفة؟

على الحكام؟ أم على الشعوب؟ أم على أمريكا؟ أم على أوربا؟ أم على الجميع؟

أعتقد أن كل صنف من هؤلاء عليه كفل مما أصاب فلسطين وأهل فلسطين. ونعوذ بالله أن نكون ممن يخذل المسلمين.

1- مسؤولية الحكام: الذين جعلوا أولوية أولوياتهم حفظ عروشهم، باعوا الدين بعرض من الدنيا، فوالوا الكفار ومكنوهم من رقاب الأمة في كل مجال، مقابل حماية كراسيهم، وعادوا المسلمين واستضعفوهم وقتلوا فيهم المروءة والشهامة، وحولوهم إلى عبيد يتكففون الناس، يموتون بالجوع والفقر والأمية والهجرة والسجون. الحكام العرب اليوم رهانات خاسرة في قضية فلسطين وفي كل ما يهم أمر المسلمين.

رائحة الخيانة الرسمية والعمالة لإسرائيل تزكم الأنوف، والنخوة العربية أصبحت تقاس بالانحناء للعدو والتطبيع معه. أسد علي وفي الحروب نعامة. وخذ مثالا مخجلا للانبطاح الرسمي: حصان الملك عبد الله هدية تشجيعية للمجرم السفاك شارون عليه لعنة الله والملائكة و الناس أجمعين، على حسن معاملته للفلسطينيين، وخاصة بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي!!! (2)

فضلا عما ذكره الأعور موشي ديان في مذكراته أنه كان ينزل في أفخم قصور الملك الحسن الثاني وكان يشعر بكثير من الرفاهية وهو في قصور الضيافة بالرباط دون أن يعلم بوجوده فيها غالبية الشعب المغربي وحتى العديد من المسؤولين والرسميين.

لم يعد الحاكم ذلك العائق الذاتي الذي يمنع تحقيق المواجهة مع عدو أمة الرسالة: الصهيونية والاستكبار الأمريكي، بل يقف سدا منيعا دون انبعاث الأمة على جميع المستويات. إنه يخنق أنفاس الشعب ويتعامل معه دون مرتبة العبيد. يحاصر قيام أية إرادة فاعلة قادرة على التشريع والتخطيط والتدبير وإبداء الرأي والنظر إلى الأمور باستقلالية. شعاره دائما هو “ما أريكم إلا ما أرى”، وحوله للأسف حاشية السوء يطبلون.

إننا في حاجة إلى فقه سياسي جديد يتجاوز الحاضر وخيارات الحاضر، فقه تتجدد فيه علاقة الحاكم بالقرآن أولا، وبالمحكومين ثانيا، على هذه العروة وضع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أصبعه حين قال: “ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم” (3).

ومع تجديد علاقة الحاكم بالقرآن ستتجدد علاقة الحاكم بالمحكومين على شكل ينزل الأول من مقام العصمة الذي يعتبر خيانة لله وخيانة لرسوله، ويخضعه لرقابة الأمة ومعيار القرآن والسنة النبوية والتجربة الراشدة.

فكلنا نستهجن هذا الصمت والعجز العربي والإسلامي الرسمي، ووقوف قادة الأمة العربية والإسلامية يتفرجون على أبناء شعبنا العزل وهم يذبحون بالمئات وتدمر مدنهم وقراهم ومخيماتهم، ويقطع عنهم الماء والكهرباء والغذاء، فلا عذر لكم يا قادة الأمة العربية والإسلامية ولجيوشكم أمام الله، عن سكوتكم المخجل على جرائم العدو دون أن تحركوا ساكنا .أين سلاح النفط؟ أين هي قيمتكم عند العدو وانتم تطبعون معه في كل شيء؟ ألم تسمعوا الأمهات الفلسطينيات تصحن بعد كل مجزرة: أين أنتم يا حكام العرب؟؟؟

إن تاريخ الحكام العرب يثبت أنهم لم يتورعوا في يوم من الأيام عن وضع أيديهم في أيدي الصهاينة الملطخة بدماء الفلسطينيين العزل، في السر أو في العلن. مبرهنين أنهم لا يمثلون شعوبهم في شيء. بل مثبتين أنهم حراس اليهود من غضب الشعوب، ولا ننسى ذلك الامتناع المخجل من طرف الحكومة المغربية عن استقبال قادة حماس لما حضروا المؤتمر الإسلامي العربي! وهي التي لم تتورع يوما عن استقبال أعداء الأمة الصهاينة بابتسامتها الصفراء.

2- مسؤولية العلماء: قال الله تعالى: “لتبيننه للناس ولا تكتمونه” فمهمة العلماء هي بيان الحق وقول الصدق، وقيادة الأمة قيادة عزة وكرامة، لا تخشى في الله لومة لائم، “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، فهم ملح الأمة ونموذجها. فإذا تنافس العلماء في الدنيا وتسابقوا إلى باب السلطان بالمديح والتملق، وتحولوا إلى خدام أوفياء لسلاطين الجبر والإكراه فاغسل يدك منهم، وعاملهم كأن لم يخلقوا. ” إذا رأيتم العالم يلج باب السلطان فاحذروه”. فأخطر ما أضر بأمتنا هم فقهاء السلاطين، علماء البلاط “الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا”، ولا يجتهدون إلا في التبرير ولا طموح لهم في التغيير. وضل من ظن أن العميان تهديه.

إن مهمة العلماء عموما هي:

– تجديد الإيمان في القلوب، بتربية الناس على حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والتحاب في الله والتخلق بأخلاق رسول الله، من رفق وحلم وتواضع وشجاعة في الحق، وأمانة….وتعليم الأمة العلم النافع في الدنيا والآخرة.

– وإقامة شرع الله في أرض الله، بالعدل في قسمة الأرزاق