منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الزعيم الديني الخميني عام 1979 والكتابات والدراسات التي تناولت موضوع الحركة الإسلامية ما فتئت تتكاثر وتتناسل من قبل دارسين وباحثين من العالمين العربي والإسلامي والغربي على حد سواء، ولكن ما يميز هذه الأطروحات والأبحاث إزاء حركات الإسلام السياسي هو طابع التعميم والتعويم مشوبا بكثير من الخلط واللغط وسوء الفهم والتفاهم، متخذة في غالب الأحيان مواقف ” مانوية ” إما ضد هذه الحركات في سبيل إبعادها وإقصائها عن المشهد السياسي ووسمها بصفات تغرف من معجم القدح، وإما مع الحركة الإسلامية عبر تقديم شهادة حسن السيرة، التي تتخذ شكل مرافعات تهدف إلى إقناع الناس بشرعية وجودها منبهة إلى دورها الاجتماعي والسياسي والقبول بسيادة القانون والاحتكام إليه والتخلي عن التغيير بالعنف..بين هذين الطرفين تضيع الحقيقة ” تلك الحقيقة التي تتطلب معرفة الحركة الإسلامية انطلاقا من تاريخيتها ومراعاة لأسباب نزولها، فليس بالإقصاء يمكن تشطيبها من الوجود، وليس بتبني أقوالها كلية يمكن حل الأزمات ” كما يقول الباحث المغربي عز الدين العلام في تقديمه لكتاب معنون ب”الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في الوطن العربي ” (1) الصادر عن مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث سنة 2004 وهو تأليف جماعي لستة من المفكرين العرب يحاولون أن يقدموا دراسة للحركة الإسلامية متجاوزين مواقف المدح والقدح التي تتسم بها الدراسات الأخرى سيما وأن هؤلاء الباحثين لهم خبرة يعز نظيرها في كيفية التعاطي مع تراث الأنداد والأجداد، أي الفكر العربي والإسلامي والفكر الغربي في طبعته الأوربية، ولهم صلة جد وثيقة بالفكر الإسلامي عموما تشهد عليها أبحاثهم والشهادات الأكاديمية الحاصلين عليها من الجامعات الأوربية.

فالصحافي والمفكر السوداني عبد الوهاب ألا فندي حاصل على الدكتوراه من بريطانيا في موضوع “الإسلام والسلطة في السودان  ثورة الترابي ” صدرت في كتاب باللغة الإنجليزية ” Turabi s Revolution-Islam and power in the sudan ” الصادر عام 1990، وحسن حنفي ورضوان السيد مختصين في أصول الفقه،فضلا عن حصول الأول على شهادة الدكتوراه من فرنسا وكان زميلا في الدراسة لأبرز مفكري الحركة الإسلامية هناك في جامعة السربون كالمفكر السوداني حسن الترابي والمفكر الإيراني علي شريعتي،والثاني خريج أزهري وحاصل على الشهادة نفسها من ألمانيا ويشتغل بالتدريس في الدراسات الإسلامية، واحمد الموصلي الذي صدرت له كتابات عدة متصلة بموضوع الحركة الإسلامية حول سيد قطب وجماعة الإخوان المسلمين… وهو الآخر مدرس للإسلاميات بالجامعة في لبنان…..الثلاثة الآخرين لا تقل أهميتهم في التعاطي مع الموضوع المدروس. فانتخاب مثل هؤلاء المفكرين، وبالوزن الثقافي والمعرفي الذي يطبع سيرتهم العلمية، للحديث عن موضوع الحركة الإسلامية، لا شك سيكون الاطلاع مفيدا، والتلقي منتجا، والاعتراض أو القبول يحتاج إلى التبين المعرفي، وليس إلى لغة البيانات والمنشورات التي همها در الرماد على عيون تريد أن تعرف لتتحقق….كما هو سائد وشائع في الغالب الأعم.

فما هي، إذن، أسباب وجود الحركة الإسلامية؟ وما هي أهدافها التي تلخصها شعاراتها المرفوعة مثل الحاكمية لله -الإسلام هو البديل  الإسلام هو الحل  تطبيق الشريعة الإسلامية…؟ وما موقفها من الديمقراطية والمشاركة السياسية والانتصار إلى القانون والاحتكام إليه؟ وما هو موقفها من التعايش مع أطياف ومكونات المجتمع في الوطن العربي؟ والى أين تتجه الحركة الإسلامية، وبعبارة أدق، ما هو مستقبل الحركة الإسلامية ؟ هذه الأسئلة وأخرى حاول الإجابة هذا الكتاب الذي نحن بصدد قراءته. ومحاورته أيضا.

في أسباب ظهور الحركة الإسلامية:إن هذا العالم الذي نعيش فيه الآن مثل وجود أفكار في شكل رؤى وأبعاد غير تلك التي عرفها الأسلاف، فسبيل التأثير به والتأثر والتفاعل والانفعال سلبا أم إيجابا في سبيل التوق إلى أن يكون المسلمون جزءا منه فاعلا..هو هذا العالم نفسه التي ظهرت فيه الحركات الإسلامية وبدأت تأخذ شكلها في إطاره، ولكن لماذا الحركات الإسلامية على وجه التحديد ؟ للإجابة عن هذا السؤال تعددت الأطروحات وتنوعت في شكل اجتهادات في أسباب الانتشار الواسع الذي لقيته الحركة الإسلامية في المجتمعات الإسلامية.وخصوصا بعد ما عرف بالصحوة الإسلامية في السنون الفائتة من القرن الماضي..فقد رأى بعضهم في هذا النجاح ثمار الطفرة النفطية وأثارها، بينما أضاف آخرون إلى هذا السبب الشعور بالاعتزاز الذي واكب الموجة بعد حرب أكتوبر 1973، مقرونا بالخيبة من فشل الحكومات والأيديولوجيات العلمانية مضافا إليها أزمة الهوية والشعور بالدونية تجاه الغرب، وبرر آخرون هذا التطور بالرجوع إلى أزمات أخرى بدءا من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم عام 1929 مرورا بالأزمات الاقتصادية والسياسية التي ضربت العالم الإسلامي في الستينات والسبعينات..حيث واكب هذه الأزمات حدة الصراع الطبقي وعجز المعارضة العلمانية وإفلاسها، ويزيد بعضهم الرأي بان هذه الحركات هي رد فعل دفاعي في المجتمعات الإسلامية التي دهمتها الحداثة وهددتها بالتفكك والانهيار. وثمة تفسيرات مماثلة ترجع صعود الحركات الإسلامية إلى طبيعة الدين نفسه، وعدم قابليته للعقلنة والعلمنة.ويضيف بعض هؤلاء إن الحداثة عززت مركز الإسلام النصي مقابل الشعبي بدلا من أن تؤدي إلى انحدار نفوذه كما حدث للمسيحية. ومن التحليلات التي تسير في هذا الاتجاه تلك المقولات التي ترجع صعود الحركة الإسلامية إلى فشل المفاهيم التقليدية،إضافة إلى بدائلها الحداثية ( محمد عبده  علي عبد الرازق  طه حسين…) في كسب الجماهير. غير أن هؤلاء القوم حصلت لهم أسباب الدعم المادي والمعنوي في بلاد الغرب والعرب ما لم تحصل عليه الحركات ذات التوجه الإسلامي.

إن ما يجمع بين غالبية هذه التفسيرات والتحليلات وغيرها كما يقول عبد الوهاب الأفندي هو منطق الأزمة الذي يرى في صعود الحركات الإسلامية عرضا من أعراض أزمة طاحنة ألقت بظلها على ديار الاسم. وهذا بدوره تعبير يقوم على فكرة مسبقة تستبطن المنظور الذي يرى إن العلمنة وأفول أثر الدين هما التطور الطبيعي في المجتمعات المعاصرة.مما يعني أن سير المجتمعات الإسلامية في الاتجاه المعاكس هو حالة مرضية تحتاج إلى البحث في العلل والجراثيم التي سببتها ويضيف عبد الوهاب بأن هذه التفسيرات الغالية تنهج في تحليلها وتشخيصها للظاهرة الإسلامية منهج التغيير الاجتماعي للعلمانية…ولكن بالمقلوب، فكما يحاول الافتراض العلماني تفسير أفول نجم الدين في المجتمعات الغربية باعتباره نتيجة طبيعية للتحديث والعقلنة والاستنارة..ويتساءلون عن الأسباب التي جعلت هذا التطور الطبيعي يتخلف عن الظهور في العالم الإسلامي…ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح ليس هو لماذا انتشرت الحركات الداعية للتمثل بالإسلام وازدهرت ؟ ولكن وانما هو: لماذا فشلت الجهود والضغوطات الرامية إلى خلخلة التمسك بالمبادئ الإسلامية في المجتمعات المعنية ؟ والإجابة أن أولئك الذين أرادوا تقديم بدائل للإسلام لم يقدموا للمسلمين حججا مقنعة تصدهم عن دينهم ولا إغراء فاتنا يصرفهم عنه ابتغاء منفعة عاجلة. والحقيقة أن راية العقلانية لم تسقط مطلقا في الإسلام، بينما ظل العقل الإنساني يسفه كل البدائل التي قدمت نفسها لتحل محله منذ أن كشف أبو حامد الغزالي تهافت مقولات الفلسفة اللافلاطونية الجديدة ولا عقلانيتها.

.وهنا ينبغي على الباحث والمفكر كما يقول عبد الإله بلقزيز ” أن يعترف بأن الفكر الليبرالي الحديث لم يستطع أن يتجاهل كثيرا الثقافة المسيحية في مجال تصورها الإنسان، ولم يتمتع به من اعتراف صريح على صعيد الكينونة والحقوق، بل يبدو الفكر الأنواري  هنا- وكأنه الوريث الشرعي للمسيحية ضد ما يمكن أن يقرا كانحراف في سلوك كنيسة تماهت مع السلطة الملكية  الإقطاعية ضد المجتمع، وانفردت باحتكار تمثيل العقيدة…وقد يكون أبلغ دليل على الاستمرارية والتواصل بين فكر الأنواريين، والتراث المسيحي أن قسما من هؤلاء ظل وفيا لعقيدته على الرغم من صراعه المرير مع الكنيسة من أجل العودة بالمسيحية إلى “صفائها ” على ما عاد به ” الإصلاح الديني ” بعد حرب المائة عام بالعقيدة إياها إلى نبعها الأول “العهد القديم ” مقيما نوعا ما من المصالحة بين البروتستانتية وبين اليهودية، فإنه ليس من الصعب تعيين كثير من الوقائع الدالة على استمرار وحضور اللاشعور الديني في وعي المفكرين الأنواريين “(2).

وقد لجأ خصوم الحركة الإسلامية في الداخل والخارج، بعد أن أعوزتهم وسائل الإغراء والإقناع، إلى العنف والقهر. ولما تغلبت الجماهير الإسلامية على العنف والقهر عاد الإسلام ليتمسك بموقفه الطبيعي في قيادة المجتمعات. من هنا يمكن القول إن نشأة الحركات الإسلامية كانت نتيجة معالجة الفجوة بين العلمانية الواقعية والإسلامية النظرية، أو ما يصطلح عليه محمد ظريف بجدلية الخطاب الإسلامي بين التبرير والتدبير لدى الحكومات والأنظمة في العالم العربي..ولهذا كان ضروريا أن يوجد من يتصدى لهذه الفجوة، وأن يخلق تنافسا حول السلطة الأخلاقية والدينية.

يقول منطق الطبيعة إذا وجد فراغ فلا بد من ملئه، ويقول منطق الحياة الاجتماعية أنه إذا وجدت وظيفة فلا بد أن تجد من يتصدى لها. وقد تصدت الحركات الإسلامية لقضية التوفيق بين تعاليم الإسلام وحياة المجتمع. وقدمت اجتهاداتها النظرية والعملية في ذلك، وقد تصدى للمسالة أيضا مفكرون وعلماء في شتى التخصصات من داخل هذه الحركات ومن خارجها..ودعك من أغنية احتكار الإسلام.. فالإسلام ليس ماركة مسجلة حتى يحتكر كما يقول ذ. عبد السلام ياسين في كتابه حوار مع الفضلاء الديمقراطيين.

الحركة الإسلامية ومسالة الشعارات:يرى الدكتور حسن حنفي أن الشعارات التي ترفعها الحركات الإسلامية المعاصرة هي علامات دالة على أيديولوجيتها السياسية ومزاجها النفسي يبين أنها شعارات سلبية أكثر منها إيجابية، وتدل على قدر كبير من الرفض والغضب والهروب إلى البديل، والبحث عن المنقذ، وعدها أربعة: الحا كمية لله  الإسلام هو البديل  الإسلام هو الحل  تطبيق الشريعة الإسلامية.

ومصدر السلبية برأيه ومأتاه كون الشعار الأول ” الحاكمية لله ” رفض حاكمية البشر التي اضطهدت الحركة الإسلامية سواء في الفترة الليبرالية التي استشهد فيها حسن البنا رضي الله عنه أو الفترة القومية التي استشهد فيها الفقيه القانوني الدكتور عبد القادر عودة والأديب البلاغي والمفسر سيد قطب و..الكثير من رواد الحركة الإسلامية….فالله غالب لا يقهر، وحاكم لا يظلم، وهو أدرى بمصالح العباد، ويتمثل حكمه في تطبيق إرادته وأوامره ونواهيه التي تجلت في الشريعة، وهو نص صريح بنص القران الكريم، فالحاكمية لله ضد الحاكمية لأهواء البشر ومصالح الطبقات، والحاكمية لله لا تخطيء في حين أن حاكمية البشر تخطيء وتصيب. فالشعار هنا إقصائي بهذا المعنى، لأنه يتضمن رفضا قاطعا لكل نظم الحكم البشرية على أنواعها كافة ليبرالية وقومية واشتراكية وماركسية وديمقراطية وجمهورية وملكية وامارية وسلطانية وجماهيرية، فالشعار يعني الرفض والسلب، وعندما تصل الحركة الإسلامية إلى الحكم كما في السودان وأفغانستان (في عهد الطالبان) وإيران فإنها تتحول إلى نظام تسلطي لا يختف عن النظم السياسية العلمانية، فالتسلط  برأي حسن حنفي  بنية اجتماعية وموروث ثقافي غالب تعتمد عليه النظم السياسية وحركات المعارضة على السواء بما فيها الحركة الإسلامية…أما الشعار الثاني ” الإسلام هو البديل ” يتضمن أيضا رفضا هائلا لكل البدائل المتاحة والتي تمت تجربتها في حياة المسلمين في العصر الحاضر، أي الليبرالية أولا ثم الاشتراكية القومية العربية ثانيا، والتي ساد فيها الإقطاع والتوجه إلى الغرب، وفساد الأحزاب يضطهد بعضها البعض الآخر..أما الشعار الثالث ” الإسلام هو الحل ” هو وليد أزمات متتالية كما يرى حسن حنفي ونكبات عجزت النظم السياسية القائمة عن حلها، ويرى الإسلاميون حلها عن طريق الغائب المجهول الذي هو الإسلام..فلم تفلح الأنظمة في تحرير فلسطين التي ضاع نصفها في العهد الليبرالي عام 1948، والنصف الآخر في العهد الاشتراكي عام 1967، وكانت الحركة الإسلامية مضطهدة في العصر الليبرالي واستشهد حسن البنا، ومضطهدة أيضا في ا لعصر الاشتراكي واستشهد سيد قطب وعبد القادر عودة ومحمد عبد السلام فرج، وتجزأت الأمة في العصر الليبرالي بعد الحرب العالمية الأولى، وهزيمة تركيا واحتلال القوى الغربية لها وتقسيم غنيمة الرجل المريض ؛ وتشرد منا إلى عرب وبربر وأكراد وسنة وشيعة ومارونية وقبطية…أما الشعار الثالث ” تطبيق الشريعة الإسلامية ” يقصد منه ضيق الناس بمجموع القوانين التي تتحكم فيهم: السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فهم لا يعرفون سبب سنها أو تغييرها ولا عن أي مصالح تعبر، وكلها في الظلم والضيق سواء، والإضرار بمصالح الناس، فينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية هروبا من القوانين المدنية وفرارا منها، فإذا كان البشر يظلمون فان الله لا يظلم، وإذا كانت الشرائع المدنية تعبر عن إرادة الحكام وأهوائهم، فان الشريعة الإسلامية عادلة لا تظلم وتعبر عن الإرادة الإلهية التي لا تنحاز إلى فريق ضد فريق.فالنظم السياسية تتبع إرادة الحكام واختياراتهم، ليبرالية أو اشتراكية، وقد يغيرها الحاكم نفسه طبقا لمزاجه وتقلباته ومصالحه وتحالفاته، وتقوم الأنظمة الاقتصادية رأسمالية أو شيوعية على الملكية العامة , وعلى الحرية الاقتصادية أو على التوجيه الاقتصادي، كل ذلك يقرره الحكام دون رعاية لمصالح الناس، وتتغير النظم التعليمية وقوانينها كل بضع سنوات، وكلها لا تراعي العلم، ولا تؤدي إلى البحث، بل إلي طاعة الحكام والتقليد المقيت , ويعاني المواطن في المؤسسات الحكومية لأخذ تصريح بناء أو رخصة قيادة أو بطاقة شخصية أو حقه في محكمة أو ليشتكي في قسم الشرطة، ويتوق إلى نظام لا يظلم أحدا، والى شريعة عادلة، ولما كان الإسلام ما زال حيا في القلب، والشريعة مرضيا عنها في العبادات فإنه وجدانيا ونفسيا يتوق إلى من يرفع شعار ” تطبيق الشريعة الإسلامية “…

فرفع هذه الشعارات من لدن الحركة الإسلامية، إذن، هو رد فعل سلبي إزاء أزمة حضارية خانقة وشاملة يتشابك فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، تستبطن إقصاء الفصائل الأخرى الموجودة على المشهد السياسي من قومية وليبرالية واشتراكية….مما يعني أن الخوف والتوجس الذي تبديه هذه الفئات تجاه الحركة الإسلامية يبقى مشروعا على مستقبلها السياسي. فالرجاء الابتعاد عن رفع الشعارات التي تتغذى من المرجعية الإسلامية..فالإسلام دين الجميع سواء في العقيدة بالنسبة للمسلم أو الحضارة بالنسبة للمسيحي..فلا داعي للاستئثار بصفة الإسلامية. كلنا مسلمون وكفى. هكذا يقول الخصوم ويزايدون عن حسن نية أو غيرها..

وفي المقابل، فان الحركة الإسلامية تعي جيدا أن رفع هذه الشعارات لا يعني بالضرورة أنها تنفي هذه الصفة عن غيرها من الفصائل الأخرى، مثلما لا يستتبع أن تسمى حركة بالديمقراطية أو الاشتراكية أنها لا ترى غيرها ديمقراطيا أو اشتراكيا، بل إننا نجد داخل الفصيلة الأيديولوجية ترفع شعارات متنوعة ومختلفة عن الأحزاب الأخرى..فهذا من باب التنافس على الرموز والمعاني الموجودة في المجتمع والسعي إلي تمييز النفس ببعض دلالاتها ليس إلا. فعلى سبيل المثال نجد المعتزلة تسموا ب ” أهل العدل والتوحيد ” والشيعة انتسبوا إلى أهل البيت، مع أنه لا يوجد مسلم على وجه الأرض يجادل في توحيد الله ويسعى إلى إقامة العدل، كما انه لا يوجد فرد أو جماعة من المسلمين لا تنحاز إلى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لا ترى محبة آل بيته الأطهار عليهم سلام ربي.

يقول الأستاذ محمد الحمداوي، عضو مجلس الإرشاد بجماعة العدل والإحسان، في محاضرة له بالدار البيضاء بأن شعوب أوربا جمعتها المصلحة وليس شيء آخر مع حفاظها على خصوصياتها المحلية، أما عوامل الوحدة في الأمة الإسلامية فهي أقوى وأعمق الدين واللغة والتاريخ والمصلحة…وإذا كان شعار “الإسلام هو الحل” الذي رفع مؤخرا في مصر وفلسطين صحيحا فإن هذا لا يغني عن ضرورة التدقيق وإعداد الإجابات والمشاريع الحقيقة، الإسلام هو الحل، لكن كيف؟ ما هو برنامجك في الاقتصاد مثلا؟ وهي أسئلة مطروحة على مختلف الإسلاميين، الذين هم في أمس الحاجة إلى تأسيس نموذج بديل، مشيرا إلى أن أفغانستان أتقنت صناعة الموت بهزمها للمحتل السوفياتي لكنها فشلت في صناعة الحياة في إعطاء نموذج المجتمع المسلم والدولة الإسلامية. وأضاف بأن البناء له مراحل، وأسبقيات المرحلة الحالية بالنسبة لجماعة العدل والإحسان مثلا في المغرب هي إنضاج المشروع السياسي والإسهام في ميثاق فعلي وعقد اجتماعي حقيقي يكون صمام أمان من السقوط في متاهات الفتن….فشعار “الإسلام هو الحل ” هو في أساسه شعار ذو دلالة مرجعية للأمة بحيث ” إن السؤال المركزي في الخطاب الإسلامي هو سؤال الهوية والمرجعية، ومطلبها الجوهري إنما يكمن بالعودة إلى الإسلام باعتباره يشكل مرجعيتها الوحيدة، وعلى هذا الأساس تطالب بالتغيير، بل إنها لا ترى للمجتمعات العربية والإسلامية أية إمكانية للنهوض مستقبلا إلا على هذا الأساس، وهذا ما عبر عنه شعار الإسلام هو الحل الذي رفعته في نضالاتها، وهو شعار ذو دلالة مرجعية وليس حقوقية” (3) أما قضية التخويف والترهيب التي صاحبت الانتخابات الأخيرة في مصر ضد الإخوان المسلمين عندما رفعوا هذا الشعار، بدعوى الخوف على مستقبل الأقباط، والتي تولاها يساريون متطرفون وليبراليون جدد..، وهي أصوات ليست فوق مستوى الشبهة، لها مصلحة في الضغط على حكومة مصر ولي ذراعها، والحقيقة أن أقباط مصرهم الأقوى من حيث الدعم الذي يلقاه من الخارج، ومن أميركا تحديدا في مناسبات ومواقف عدة، كان لها صداها في الكونغرس ولجانه الفرعية كما يقول فهمي هويدي (4)، ودعي مؤخرا شاب من هؤلاء إلى مصر، وعومل في المطار باعتباره من كبار الزوار، والتقى عددا من كبار المسؤولين في الدولة، وهو ترحيب لا يحلم به أحد من التنظيمات الإسلامية التي منع أحد منها لحضور مؤتمر في بيروت..فالمدهش حقا أن ذلك كله حاصل من تولي التيار الإسلامي بعد عشر أو عشرين سنة السلطة في أي انتخابات قادمة، بات يمثل خطا أحمر ليس مسموحا بتجاوزه وليس بعيدا عن الأذهان دور فرنسا ومن ورائها الدول الغربية الكبرى في انقلاب العسكر على جبهة الإنقاذ التي فازت في انتخابات الجزائر.

أما موقف الحركات الإسلامية من أهل الأديان، فواضح من أن الدعوة إلى الإسلام تقوم على السلمية والإقناع، وليس بالقهر والقسر يقول الله تعالى ( لا إكراه في الدين )( 5) ويقول أيضا ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )(6) وكان يسكن المدينة عند الهجرة عدد كبير ممن يدين باليهودية، تعامل معهم الرسول صلى الله عليه وسلم وناقشهم، وفي القرآن آيات كثيرة عن أنبيائهم وبعض معتقداتهم ن وتطوراتها، قدر بعضها وأنكر ما لا ينسجم مع أفكار الدعوة الإسلامية، ولم يستخدم القوة العسكرية إلا ضد ثلاثة من عشائرهم الكثيرة: قينقاع والنضير وقريضة، لأسباب غير عقائدية، ولا بد أن الباقين ظلوا مقيمين في المدينة، ولم تذكر الأخبار احتكاكهم بالرسول صلى الله عليه وسلم أو سوء معاملة نزلت بهم، ثم وضع المستعمرات اليهودية في شمال الحجاز، وفرض على أهلها نصيبا من منتوج مزارعهم، ولم يقصهم أو يقيد حركتهم، أو يلزمهم بتبديل أو تعديل أساليب حياتهم ممارساتهم. وفي القرآن الكريم إشارات كثيرة إلى النصارى وعقائدهم وبعض نظمهم، مما يدل على تواجدهم في مكة، وربما في المدينة أيضا، وقال تعالى ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ) (7).

إن الدور الذي تؤديه هذه الحركات الإسلامية والحجم الذي تأخذه في الساحة لا تحدده دعاوى هذه الحركات ولا أمانيها، بل تحدده عوامل معقدة تبدأ من فاعلية الخطاب لهذه الجماعات، ومزايا قياداتها المشهود عيها بالنزاهة وحسن الطوية، ومدى قدرتها على الاستغلال الأمثل للظروف، وبالاستجابة التي تلقاها هذه الدعوة لدى الجماهير، ومدى ردود فعل المنافسين من حكومات وقوى معادية أو أطراف أجنبية، ويمكن عمليا تقدير جاذبية الظاهرة الإسلامية وحيويتها بالنظر إلى نموها وتأثيرها الشعبي أو ضموره قياسا إلى العوامل المضادة التي تعمل على تجسيد هذا الأثر والقضاء عليه. فكلما توسع تأثير الحركات الإسلامية في ظل ظروف معادية ومقاومة شرسة، كان ذلك دليلا على حيويتها وفاعليتها..

——————————————–

(1) “الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي ” مركز طارق بن زياد ن الطبعة الثانية، يونيو، 2004، مؤلف جماعي.

(2) عبد الإله بلقزيز: ” في الديمقراطية والمجتمع المدني  مراثي الواقع، مدائح الأسطورة ” إفريقيا الشرق، 2001، ص: 68.

(3) محمد أمزيان ” مشروع النهوض بين الأمة والدولة  جدلية السياسي والثقافي ” مجلة المنعطف، ع:20، 1423-2002، ص: 104

(4) فهمي هويدي: ” مخاوف المسلمين المسكوت عنها…” موقع عرب كات الإلكتروني.

(5) سورة البقرة، الآية  256.

(6) سورة النحل، الآية  125.

(7) صالح احمد العلي: ” عمر بن عبد العزيز  خامس الخلفاء الراشدين ” شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، ص: 149