يأسف كل مغربي حر أن يجد بلده خلال أربع سنوات تجتر نفس التجربة وتكرر ذات الأخطاء وتعيد إنتاج الأحزمة البشرية الناسفة. فما بين 16 ماي 2003 و11 مارس 2007 استنسخت البلد شبابا جديدا مستعدا لتفجير نفسه ومحيطه، غير عابئ بالنتائج ومُرحبا بالموت القادم. وكرر صناع القرار أخطاءهم القاتلة، ولم تستفد الدولة من النسخة الأولى للإرهاب، بل كرست أخطاءها في اتجاه الخطايا التي لا يمكن إلا تنتج شبابا يفجر نفسه وما حوله.

وإذا كان موقف كل المغاربة والقوى الحية الفاعلة واضحا من ظاهرة الإرهاب إلى الحد الذي يُغنينا عن إعادة لوك خطاب التنديد والشجب، فإنه من اللازم أن يبتعد الجميع عن المزايدات التي تقفز عن النقاش الحقيقي الذي يدقق في المسؤولية الأساسية والأسباب الحقيقية.

أجد على هذا المستوى ثلاثة خروم رئيسية تعاني منها السياسة الرسمية للدولة تنعكس سلبا لتصنع كثيرا من الإرهاب ومزيدا من التطرف، وألحظ أن كثيرين انخرطوا اليوم، وفي مقدمتهم الدولة نفسها، في إعادة تكريس هذه الخروم وترسيخها، وهو ما لا يبشر مواطنا ولا يطمئن أحدا.

الخرم الأول: جعجعة لا طحن لهاعندما اهتزت يوم الإثنين الماضي مدينة الدار البيضاء على إيقاع العنف والدم، بادر، وكالعادة، الجميع إلى الاستنكار والتنديد بالإرهاب الأعمى العابر للحدود والقارات والذي لا دين له ولا وطن وإن ادعى أصحابه الانتساب إلى الدين أو الانتماء إلى الوطن.

وانخرط الغالبية في دوامة اللاإنتاج، فانطلقت “النياحة” الإعلامية و”الولولة” السياسية فالكل يدين والجميع يندد، لكن من المدان؟ ومن المسؤول؟ -وبالطبع لا نتحدث عن الشابين السفيهين الذين لا يشكلان إلا ظاهر الصورة وناتج المعادلة-، هنا تكون الأجوبة مترددة غير واضحة، تنتهي إلى الحل السهل وهو وضع يدها على المتهم الرئيس وهي إيديولوجية وتنظيمات الإرهاب العالمية التي استقطبت المغرر بهم من المغاربة.

ومع أن هذه الحقيقة العالمية، التي لا يمكن أن ينكرها أحد، غير كافية لتبرير الذي حدث، فإن كثيرين ممن تفترض فيهم المسؤولية يجدون فيها مخرجا من الأزمة الحقيقية والمساءلة الجدية، لتنطلق طاحونة “الجعجعة” وتستمر دون معنى.

فالحكومة شجبت والأغلبية أدانت والمعارضة نددت، والقوى “الأمنية” استنفرت وكثفت حملاتها ومداهماتها ومباغتاتها، ولولا العمل الحكومي الجبار والخطة الاستباقية للأجهزة الاستخباراتية والأمنية، والتي أطاحت في الآونة الأخيرة بشبكات يقظة وخلايا نائمة وتجمعات مشبوهة، لكانت الضربة أقوى والحصيلة أكبر !!.

والفعاليات السياسية والمدنية شجبت واستنكرت، وحذرت من الفكر الظلامي وتيارات التطرف الديني، ونبهت لدورها المحوري في الحفاظ على استقرار المجتمع، وأشارت إلى عملها الريادي في التأطير والتثقيف، وألمحت إلى الحاجة الملحة من الدولة والمجتمع معا لوجودها، نظرا لدورها الكبير وعملها الخطير !!.

والأقلام “الغيورة” كتبت تحمل المسؤولية للجميع، دون تحديد نِسَبها، للعلماء الذين ينبغي أن يقوموا بدور التوعية الدينية المبينة لوسطية الإسلام وسماحة أحكامه وسمو معانيه، وللحركات الإسلامية التي عليها أن تكثف جهودها لتربي الناس وتحتضن المواطنين بالرحمة النبوية والهدي القرآني، وللمجتمع المدني المطالب بالتثقيف والتوعية والدمج الاجتماعي، وللأحزاب السياسية الملزمة بأداء دورها التأطيري المستمر لا النخبوي الموسمي، وللأجهزة الأمنية المكلفة بحفظ سلامة وأمن الموطن من كل مساس وعبث !!.

وعلماء الأمة، لا البلاط كما يدعي “الأفاكون”، بينوا انحراف هؤلاء الشباب وبعدهم عن الدين وغلوهم في فهم تعاليم الإسلام، السمحة طبعا والمتسامحة والمسالمة والرفيقة والرحيمة.. فالبلد آمن والشعب بخير ونعمة وعافية في ظل وحدة المذهب وتحت القيادة الرشيدة، ولا ينقصنا أي خير !!.

لكامل الأسف، تضخم للشعارات وتناسل للأقاويل و”سمنة” من الأحاديث عند كل حادث مؤلم يعاني منه الجسم المغربي، دون أن يثمر نتائج موضوعية ومسؤوليات واضحة وخطوات فعلية تعالج الأسباب الحقيقية للتطرف بمختلف معانيه وتعدد مصادره.

ووسط هذا الخضم نكتشف أننا نعاني من أمراض مزمنة على رأسها أن نتحاشى مصارحة المسؤول الأول وذكر السبب الرئيس الذي يدفع شبابا في مقتبل العمر إلى وضع حد لحياتهم في صورة قاتمة لليأس من هذا الوطن.

أين هي المساءلة الواضحة للاختيارات الرسمية للدولة، والتي تصوغ إلى حد بعيد طبيعة سلوك المجتمع والأفراد؟ لا جواب هناك، وكأن الجميع متهم وملزم بتقديم طلب العفو الذي يمر عبر التبرئة المسبقة وتحاشي المساءلة الموضوعية للمسؤولين أولا.

ثم ماذا مع وبعد الحملة الأمنية والعمل الاستخباراتي والبوليسي، والذي غالبا ما يفقد كل ملمح إنساني؟ التجربة السابقة تقول لا شيء. مما يُبقي على التخوف الذي يحذرنا من الأحادية الأمنية، لأنها تسهم في تهيئة جزءٍ من البيئة المَرَضية التي قد تنتج مزيدا من الانفجاريين للمستقبل لا قدر الله.

ولأن الدولة هي المسؤول الأول عن حماية هذا الوطن فإنه من الطبيعي أن تكون أول محاسب وأول من يوضع في دائرة المسؤولية ويسلط عليه ضوء المساءلة، لا أن يتسابق الجميع لتبرئة أجهزتها سلفا.

ولعل هذا هو أول الخروم الواردة في مسؤولية السياسة الرسمية للدولة المغربية اتجاه وطنها، وهي غياب القدرة على مصارحة الذات وعرضها للمساءلة، واستنكاف فعاليات المجتمع على طرح مسؤوليتها للمدارسة.

الخرم الثاني: تعددت الأشكال والموت واحدقد يُفهم، رغم اليد المطلقة للأجهزة الأمنية، أن يباغت مسؤولونا بحادث إرهابي، لكن من غير المفهوم أن لا يقرؤوا عبارة الموت ملونة بالدم الأحمر الناصع في ملامح وجوه غير قليلة من شباب المغرب، ولا يتنبه صناع القرار إلا لحظة التعبير عن ذلك بتفجير الأجساد وما حولها. والأغرب من هذا وذاك أن يحصروا الإرهاب في صورته القصوى، وهي قتل النفس بغير حق، ولا يعطوا اعتبارا لباقي صور الدمار البشري الموجودة في مجتمعنا.

من الأشكال المتعددة للموت الذي يعاني منه شباب المغرب اليوم والتي تعبر بجلاء عن الدمار الذي يعيشه، صورة الهجرة السرية التي ما زالت تستقطب المئات من الشباب في هجرة نحو المجهول وكأنها رحلة نحو “الموت”، في تصريح فصيح صريح بيأسهم من هذا الوطن.

ومن المظاهر المتعددة للتذمر واليأس الذي يحياه شبابنا، أن تصل الإضرابات اليومية للأطر المعطلة بالرباط، والمُطالبة بالعمل المحترم والعيش الكريم، إلى حد محاولة الانتحار وإنهاء الحياة، في مواجهة انعدام المسؤولية لدى السلطة الحاكمة، ولفت الانتباه إلى حجم المعاناة التي تعتمل داخل شريحة متعلمة ومثقفة من أبناء هذا الوطن.

وصور أخرى متعددة تبرز حجم المعاناة والانحراف الذي شمل شرائح واسعة من شباب المغرب، تبتدئ بتغييب العقل عند كثير من إخواننا وأبنائنا بفعل المخدرات والمسكرات المنتشرة برعاية رسمية، وتمر عبر بيع الجسد عند كثير من أخواتنا وبناتنا في سوق النخاسة المحلية والدولية بتحريض وتيسير شبكات دعارة مُؤَشَّر لها بالعمل، ولا تنتهي بالتنازل عن القيم والمبادئ عند كثير من مكونات المجتمع بقيادة واضحة من الدولة.

ولا نحتاج إلى كثير ذكاء، كي ندرك جميعا بأن الذي غيب عقله بالمخدر اليوم يسهل عليه أن يغيبه “الفكر” غدا ويفجر ما حوله، والتي باعت جسدها “كَرها” قد تبيع وطنها “حبا”، والذي يبحر “حاركا” نحو “الموت” عبر رحلة معقدة قد يبحر إلى “الجنة” عبر انفجار بسيط، والذي ينتحر في بحثه عن العمل من أجل أسرته قد “يستشهد” في بحثه عن كرامة “أمته”.

هي صور وأشكال متعدد يشكل بعضها “انفجارا” فعليا وجلها محطة في طريق الانفجار، ورغم أن منها ما يبدو تدميرا “للفرد” فإنها في المحصلة تدميرا للمجتمع، بل وقد تكون خطوة حقيقية نحو تفجير الجميع، فقد تعددت الأشكال لكن الموت واحد والنتيجة -تقريبا- واحدة.

وغريب كل الغرابة أن لا ينتبه المسؤولون لكل هذا ولا ينهض الجميع إلا ساعة تحول السخط والتذمر والمعاناة إلى تفجير وتدمير وإرهاب.

الخرم الثالث: النتائج محكومة بالمقدماتأشرنا أثناء حديثنا عن الخرم الثاني إلى كثير من التعبيرات والأشكال التي تؤدي، جزئيا، نفس نتيجة الإرهاب، والأكيد أن بعضا من هذه الأشكال يشكل أيضا سببا غير مباشرة يُهيئ ظروفا وبيئة مشجعة لتنامي التطرف وتبرير حركته.

خرم ثالث مهم تعاني منه سياسة الدولة في ملف الإرهاب، إنه التعمية عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه الأحداث المأساوية، وانتهاج أساليب “متطرفة” في التعامل مع المجتمع وقواه الحية، وتغييب المنهج الشمولي في معالجة الظاهرة، والاكتفاء بالمقاربة الأمنية، وهي كلها مقدمات سلبية لنتائج سلبية.

فماذا يعني أن يخرج متفجرون جدد من نفس المنطقة التي فرخت النسخة الأولى للمتطرفين، والتي قيل رسميا أنها ستحظى بأقصى درجات العناية المركزة اجتماعيا واقتصاديا وستدخل قسم الإنعاش الثقافي والتوعوي والديني؟ ألا يعني هذا بأن سياسة الدولة الرسمية فشلت في هذا التحدي، وخالف قولها فعلها بل كذب فعلها قولها ونقضت غزلها أنكاثا؟.

بل إني أتساءل كيف للسياسة الرسمية أن تنجح في حرب الإرهاب إن كانت تمارسه، بصورة أخرى، في حق الشعب المسكين؟ ولعل استحضار هذه المعطيات كفيل بأن يعطي لهذا القول معناه:

– تعطيل الشباب وقتل طاقاته الفاعلة وتدمير رغبته في العطاء.

– محاربة القوى الصادقة الحية في البلد، التي تشتغل على تربية الإنسان وتهذيبه.

– ضعف مشاريع التنمية الحقيقية التي تعطي الأمل في المستقبل.

– ضعف المستوى الاجتماعي والمعيشي لدى الغالبية العظمى من الشعب.

– تحجيم دور العلماء ومؤسسات الإرشاد والتوعية، والتنقيص من مكانتهم التربوية والتوجيهية.

– تضييق مسالك الخطاب الديني وحصره في المنبر المُوَجه.

– فتح الباب على مصراعيه لدعوى التفسخ والانحلال.

– التمكين لخطاب العلمنة والأليكة والتشكيك في دين الأمة.

– تعطيل شرع الله وغياب القدوة في المسؤولين وانحراف السياسة الرسمية عن خط الهدي النبوي المنير.

– تغييب القيم والمبادئ التي تعطي المعنى للأشياء، ومنها قيمة النفس ومكانة الوطن.

إن هذه الخطوات الرسمية المتناقضة مع مصالح الأمة تشكل الأرضية الحقيقية الخصبة لنبات التطرف، وتعطي المبررات والمصوغات التي يوظفها دعاة الإرهاب لاستقطاب الشباب الساخط على وضعه الغاضب على واقعه، مما يحدث ردة فعل عكسية عنيفة اتجاه مظاهر الانحراف الموجودة في مجتمعنا.

سيظل تحاشي هذا النقاش القشة التي تقسم ظهر الدولة والمجتمع، وستظل عقلية المصلحة التي لا تريد للبلد أن تفتح ملفات الإصلاح الحقيقي ولا التداوي بالدواء الناجع المرض الذي ينخر جهاز الدولة ومجموع المجتمع، كما سيبقى الخوف الذي لا ينبه إلى الخروم الرئيسية التي تعاني منها السياسة الرسمية في ملف الإرهاب هو الخذلان الحقيقي لكيان الدولة وجسم المجتمع.