لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري

بقلم: محمد العربي أبو حزم

الفصل الأول:

في الشوق إلى الحبيب صلى الله عليه وسلماستـهلالإن كان لي رجاءٌ عند من يقرأني فهو أن يصبر وإيَّايَ على هَيْبَةِ هذا المقام صَبْراً؛ فما دخلتُ من تلقاء نفسي. وَلَعَلَّ ما أَجِدُ في نفسي مِنْ ثِقَلِ ما يُوَفِّقُ المولى لكتابته -قارئي العزيزَ- لَهُوَ أشَدُّ مما تجد من قراءته. واعذرني إن فتحتُ بيني وبينك في كل مرة قوساً؛ فإنما أستأنس بالحديث معك، وأتحبَّبُ بالهمس إليك.

تَعَوَّدَ الشعراء العرب القدامى افتتاح قصائدهم بذكر الحبيب والتشبيبِ به والتغزُّلِ وذكرِ الأطلال والدّيار. وسار بعض شعراء التصوف على ذات السبيل بُغْيَةَ دَغْدَغَةِ النفوس لاستمالتها إلى المعاني الربانية بالعزف على أحب الأوتار إليها: الحبِّ والعشقِ والهيام. وربما أضافوا الخمرياتِ إلى مائدة ليلى ونُعْمَى وسُعاد، لغةً رامزةً مشيرةً بِهِنَّ وبالْكَرْمِ ورحِيقِه إلى معاني الحب الإلهي والحب النبوي وما يتصل بهما من معاني السلوك إلى الله تعالى.

ووجد المترنمون بمدح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا النوع من الشعر بُغْيَتَهُمْ من جهتين اثنتين:

أ- خُلُوصِ النِّـيَّة وشرفِ المقصودِ وسُمُوِّ الغاية التي تُمَيِّزُهُم عن غيرهم من أهل “الغناء الدنيوي”.

ب- حُصُولِ المُتَنَفَّسِ و”الفسحةِ” لدى العامةِ المقصودين بالخطاب، المؤلَّفةِ قلوبهم بدغدغات ما تَشْتَهِي الأنفس وتَلَذُّ الآذان، الذين لا يطيب لهم سَمَاعٌ إلا إذا احْلَوْلَى بذكر ليلى وأخواتها.

ولست أدري إن كان هذا الأسلوب يستدعي السامعَ إلى المقصود أم إن الداعين يُسْتَدْرَجُون إلى ما يحاولون استنقاذ السامعين منه وهم لا يشعرون! ناهيك عن الخلط الذي يضطرب لديه الفكر وتحتار فيه النفس فلا تعرف إن كنتَ في حضرة خيرِ مَمْدُوحٍ صلى الله عليه وسلم أم في حظيرة ليلى وصُوَيْحِبَاتِهَا(1)..

ومن الْمُتَرَنِّمِين من بدأوا مادحين لخير البرية صلى الله عليه وسلم بالأسلوب المذكور، فوردوا مَاءَ شِعْرِ الغزل لتجديد مخزونهم السماعي وانكبُّوا على ما وصلت إليه أيديهم من قصائده يُفَصِّلون ويَخِيطُون، لا فرق عندهم بين ثوب وثوب، بين لابس ولابسة، بين دَرَجٍ ودَرَك، فَاْنْتَهَوْا تائهين بين دروب المديح النبوي وأزِقَّة الغزل لا تدري إلى أيِّهِمَا يَنْتَسِبُون!

إنْ كان بين معجم الحب النبوي الخالص وبين معجم الغزل مِنْ مفرداتٍ مشتركٍ في الدلالة بها على المعاني القلبية والنفسية، ومِنْ تُرْبَةٍ -هي قلبُ الإنسان- مزرعةٍ للمشاعر والعواطفِ يحرثها كلٌّ بأدواته ويزرع، ومِنْ أَعْرَاضٍ ظَاهِرَةٍ على جُسُومِ الفريقين مُشْتَبِهَةٍ، فإن بين معاني المفردات ودلالاتها في الْمُعْجَمَيْنِ، وبين الْحَبِّ المزروع عند كُلٍّ، وبين مضمون الحال الْمَعِيشِ وطبيعته وجُرْعَتِهِ وأجوائه وَوَارِدَاتِهِ وثمراته فرقاً عظيماً كالفرق بين معنى الخلود ومعنى الفناء.

والإمام البوصيري؟افتتح البوصِيرِيُّ البردةَ بموضوع الشوق والهيام والصَّبابة وما تثيره معانيها في نفس المحب مِن لوعة وحرقة، وفي قلبه مِن ترقُّب واضطراب، وفي جسمه من تَذَبْذُبٍ ونُحول. ولكنه قصد حبيباً واحداً ودياراً واحدة، رَمَزَ إليه وإليها بِمَعَالِمَ كلُّها تدلُّ على الحبيب المعلوم وتشير إليه صلى الله عليه وسلم. فـ”ذُو سَلَم” موضعٌ بين مكة والمدينة، و”كَاظِمَةُ” اسمٌ لطريق إلى مكة المكرمة، و”إِضَمٌ” وادٍ أسفلَ المدينة المنورة، و”الْبَانُ” شجر طيب الرائحة، و”الْعَلَمُ” اسم جبل بالحجاز.

تَمَعَّنْ في قوله:

“أَمِنْ تَذَكُّرِ جِِيرَانٍ”، لقد أَتْبَعَها مباشرة بقوله: “بِذِي سَلَمِ”؛ ما مَنَحَ القارئَ طرفةَ عين يَشْرُدُ فيها ذهنه ويلتفت عن ممدوحه صلى الله عليه وسلم ومحبوبه، وما أرْخى زِمامَ خيالِه لِيَتِيه بعيداً عن مراده ومقصوده.

بين اللاَّئم والمحبوقد أتى شاعرنا المحب بالبديع من أساليب السَّرْد؛ إذْ جَسَّدَ أمام القارئ حواراً مسرحيّاً مثيراً بين شخصيتين:

إحداها وهْميةٌ نسجها من صميم خياله الواسع، خَلَعَ عليها لِبَاسَ الَّلائم المستفهِم الْمُنْكِر:أَمِنْ تَـذَكُّرِ جِِيـرَانٍ بِذِي سَـلَمِ *** مَزَجْتَ دَمْـعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِأبلغ بك تَذَكُّرُكَ لجيرانك أن تفيض مُقْلَتُكَ (شحمة العين، سوادُها وبياضُها مَعاً) من الدمع حتى لَتَكَادُ تسيل دما؟أَمْ هَـبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَـاءِ كَاظِمَةٍ *** وَأَوْمَضَ الْبَرْقُ فِي الظَّلْمَاءِ مِنْ إِضَمِلَعَلَّ نسماتٍ من ناحية “كاظمة” هَبَّتْ عليك فوجدتَ بها عبيرَ أَنْفَاسِ محبوبك..

أو لعل البرق لَمَعَ من جهة “إِضَمٍ” فَحَنَنْتَ إلى من تعلق بهم قلبك من ساكني تلك المنازل..فَمَا لِعَيْنَيْكَ إِنْ قُلْتَ اكْفُفَا هَمَتَـا *** وَمَا لِقَـلْبِكَ إِنْ قُلْتَ اسْتَفِقْ يَهِمِ؟ما أَعْجَبَ حالَك وأنت تُكَفْكِفُ أدمعك كأنك تأمرُها تسيلُ بالمزيد! ولا يستفيق قلبك إلا لِيَهِيمَ هَيَمَاناً في أرض لا يدري أين هو منها!!

عَذَلٌ واستفهام إنكاريٌّ لا يصدر إلاَّ مِمَّنْ لم يذق من آلام الحب والنوى والشوق ما تَجَرَّع صاحبُنا!

دفاع العاشقحَمَلَتِ الأبيات الأولى من القصيدة من الاستفهام والإنكار على المحب ما يثير السامع ويَحْفِزُهُ على متابعة مشاهد هذا الحوار البديع.

استفهام وإنكار في محلِّهِمَا من فَهْمِ اللاَّئم؛ ولكنهما لَيْسَا في محلهما مِنْ نفس الْمَلُوم. وهذا ما دفع البوصيري لِتَقَمُّصِ دور الشخصية الثانية: الْمُحِبِّ الْوَلِهِ الرقيق الذي يُبَرِّرُ حال الصَّبَابة والْهَيَمَانِ والبكاء بِثِقَلِ الهوى على قلبه وشِدَّةِ عُصُوفِ ريحِه فيه، وبضعفه عن كَتْمِ ما يَجِدُ آثارَه وَجْداً وبكاءً وأَرَقاً.. فقد ردَّ على لائمه: أَيَحْسَبُ الصَّبُّ أَنَّ الْحُبَّ مُنْكَـتِمٌ *** مَا بَيْنَ مُنْسَجِمٍ مِنْـهُ وَمُضْـطَرِمِ؟أيُّ عاشق هذا الذي يظُنُّ أنه يستطيع كتمان حبِّه؟ والحاصلُ أنه لا يولد عشقٌ ولا ينمو إلاَّ في ضَعف بين قُوَّتَين؛ في ضَعفِ الاِسْتِلاَبِ من المحبوب والانتساب إليه والاستمداد من روحه لروحه، وَبين قُوَّتَيْ دَفْقِ دمعٍ سائل مُنْهَمِر ومَشْبُوبِ قلبٍ مُضْنىً ملتهب.لَوْلاَ الْهَوَى لَمْ تُرِقْ دَمْعاً عَلَى طَلَلٍ *** وَلاَ أَرِقْـتَ لِذِكْرِ الْبَـانِ وَالْعَـلَمِولولا ما أكابد من هوىً وجَوىً ما سكبتُ من دمعي على ما بقي من آثار الديار مرتفعا يُذَكِّرُنِي الأحبة، ولما هَجَرَني النوم إنْ ذُكِرَ الشجرُ طَيِّبُ الرائحة يشدُّنِي إلى الطَّيِّب، والجبلُ الْعَلَمُ أرى فيه جلال مَنْ أُجِلُّ. وَلاَ أَعَارَتْـكَ ثَـوْبَيْ عَبْرَة وَضَنىً *** ذِكْرَى الْخِيَامِ وَذِكْرَى سَاكِنِ الْخِيَمِولولا هذا الهوى ما هَيَّجَتْ ذكرى الخيام وذكرى ساكنِها أدمعي، ولَمَا أَضْنَانِي نَصَبٌ أو تعب بحال.

هذا جواب من ذَاقَ فَعَرَف، وَوَرَدَ وتَجَرَّعَ واغْتَرَف.

عَوْدٌ على عَذَلوعاد اللائمُ إلى إنكاره على المحب:فَكَيْفَ تُنْـكِرُ حُبّـاً بَعْـدَمَا شَـهِدَتْ *** بهِ عَلَيْكَ عُـدُولُ الدَّمْـعِ وَالسَّـقَمِ؟فأيُّ جَدْوَىً من إخفاء حُبِّكَ عن العيون ما دامت دموعك وسُقْمك -وهي مشهودٌ بِصِدْقِيَّتِهَا- تشهد بحصوله بل وُفُورِه.وَأَثْبَتَ الْوَجْـدُ خَـطَّيْ عَـبْرَةٍ وَضَنَ *** مِثْـلَ الْبَهَارِ عَلَى خَـدَّيْكَ وَالْعَـنَمِ؟كيف تخفي حُبَّكَ؟ وأنَّى تستطيع وقد شَقَّ به الحزنُ على خَدَّيْكَ أُخْدُودَيْنِ مِنْ دمعٍ ومن نَصَبٍ؟

لَكَأَنَّ خَدَّيْكَ مِنِ اصفرارهما بَهَارٌ (وَرْدٌ أصفر)، ولكأَنَّ عينيك من احمرارهما عَنَمٌ (وَرْدٌ أحمر).

الإقـراروهنا يغالب المحبَّ حالُه فيفتح أبوابَ صدرِه على مصاريعها، ويُفشي مَكْنُونَ سِرِّه، ويتدفَّق شَّلالُ خاطرِه مُقِرّاً معترفاً:نَعَمْ سَرَى طَيْـفُ مَـنْ أَهْـوَى فَأَرَّقَنِي *** وَالْحُـبُّ يَعْتَـرِضُ اللَّـذَّاتِ بِـالألَمِنعم.. مَرَّ بي خيالُ محبوبي فأطار حَمَائِمَ الوسَنِ من عِشَاشِ أجفاني، فَأَفَقْتُ مِنْ حلاوة التفكر فيه ولَذَّةِ الهيمان في معانيه على مرارة تَذَكُّرِ بُعْدِهِ وما مِنْ نَوَاهُ أعانيه.

ولكن..يَا لاَئِمِي فِي الْهَـوَى الْعُـذْرِيِّ مَعْذِرَةً *** مِـنِّي إِلَيْكَ وَلَـوْ أَنْصَـفْتَ لَـمْ تَلُمِما هَوَايَ في الهوى بأقَلَّ من العُذْرِيّ(2)، وهذي حجتي أُلقيها عليك. ولو عَدَلْتَ في حكمك عليَّ ما عَذَلْتَ.عَدَتْـكَ حَـالِي لاَ سِـرِّي بِمُسْتَـتِرٍ *** عَـنِ الْوُشَـاةِ وَلاَ دَائِي بِمُنْـحَـسِمِلا ابْتُلِيتَ بمثل ما ابتُلِيتُ به من الهوى أبداً، ولا ذُقْتَ من لأْوَأئهِ ما أتجرَّع؛ فلا المبتلى به بالناجي مِمَّنْ يسعى بينه وبين محبوبه سَعْيَ مَنْ يَنُمُّ (من النَّميمة)، ولا هو بالنَّائل من الوصل ما يقطع دابِرَ دائِه قطعاً.

وهل يكون حُبٌّ داءً؟

وهل يكون حُبٌّ إلاَّ داءً؟؟

نعم.. في عين من يرى بشحمتها آثاره وأَعْرَاضَه على ظاهر المحب. أما في عين من يرى بنور قلبه فهو العافيةُ عَيْنُهَا.مَحَضْـتَنِي النُّصْحَ لَكِنْ لَسْتُ أَسْمَعُـهُ *** إِنَّ الْمُحِبَّ عَنِ الْعُـذَّالِ فِي صَـمَمِيا لائمي.. لا لوم عليك ولا عتاب، فقد أخلصتَ لي النصح، ولكن حَسْبُك.. لا جدوى من اللوم.. فالحب يُعْمِي ويُصِمُّ..

الحب يُعمي قلبَ المحبِّ عن الفكر في ما سوى محبوبه، ويُصِمُّ آذانه عن سماع عَذَلِ العذَّال في شأن مطلوبه.

—————————–

(1) اُنظر بَحْثَيَّ: “رسالة الفن”، فصل: “خطابنا الفني”، و”فرقنا الغنائية” فقرة: “استعارة الأشعار” وفقرة: “استعارة الألحان”.

(2) نسبةً إلى بني عُذْرة، وهي قبيلة عربية اشتهر رجالُها بِوُفُور العشق ونساؤُها بشدة العفاف.