يتناول هذا الموضوع قضية المرأة المسلمة المعاصرة والإشكالات المطروحة بصددها من وجهة نظر تأصيلية نقدية، وذلك عبر المحاور التالية:

1- أسئلة مؤطرة للموضوع.

2- المرأة المسلمة في العهد النبوي والراشدي.

3- المرأة المسلمة في الخطاب المتشدد: مظلومية باسم الدين .

4- المرأة المسلمة في الخطاب المائع: مظلومية باسم التحرر.

5- من أجل خطاب تجديدي شامل ومستقبلي.

1- أسئلة مؤطرة:

لماذا تكثف الحديث اليوم عن المرأة ؟هل فعلا ظلمت المرأة المسلمة في تاريخنا؟ من ظلمها؟ هل هو الرجل أم الدين أم الحكم المستبد؟ ماهي مظاهر هذا الظلم في واقعنا؟ هل الظلم وقع عليها من دون الرجل أم أنه يمسك بتلابيب المجتمع كله؟ كيف ينظر المسلمون اليوم إلى المرأة؟ هل قوامة الرجل تجبر وتسلط أم هي لازمة لحافظية المرأة أمانة ومسؤولية؟ وهل الخطاب النسوي الغربي خطاب منصف للمرأة أم أنه مسيء لها؟ كيف يتصور دعاة الإصلاح أولويات رد الاعتبار للمرأة في المجتمع؟ هل كل شعارات تحرير المرأة في صالح قضيتها؟ وفق أي أصل مكين ينبغي أن نستند في معالجة قضية المرأة المسلمة؟ هل بمنطق من سبق أم بمنطق من لحق؟ ضمن أي مشروع تجديدي شامل يمكن للمرأة أن تشارك إلى جنب أخيها الرجل في بناء ذاتها وتجديد مقومات أمتها؟

2- المرأة المسلمة في العهد النبوي والراشدي:

في محضن النبوة

عاشت المرأة المسلمة في زمن النبوة عز زمانها، إذ يكفيها عزا أنها صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبته وتربت في حضنه الشريف، وسألته وأجابها، واستشارته فأشار عليها، واشتكت له من قسوة الجاهلية فأنصفها، وخرجت معه للجهاد مشاركة فأبلت البلاء الحسن، وكتبت الوحي بالقلم وحفظت القرآن والحديث وطيب الكلم، وتفقهت في دينها، فعلمت وربت وأفتت، بذلت مالها ووقتها وما رزقها الله من قدرة على التحمل والعطاء في سبيل نصرة دين الله وتبليغ دعوته. أكرمها الله تعالى بنعمة الصحبة لخير خلق الله كلهم، وأكرم بها سبحانه دينه الحنيف الذي لا يستقيم أمر متدين إلا بإكرامها، وقد خص الله من يظلم المؤمنات وينعتهن بسوء باللعنة في الدارين وبالعذاب الأليم، فقال سبحانه: “إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم” (النور 23). وقال صلى الله عليه وسلم: “لا يكرم المرأة إلا كريم ولا يهينها إلا لئيم”.

دعا الإسلام المرأة كما الرجل إلى الإيمان بالله تعالى واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم والتأسي به، وهذا هو الطريق الوحيد لنكون من “الذين آمنوا وعملوا الصالحات”، فلا تكون المؤمنة مؤمنة إلا إذا رضيت وعملت بما جاء به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: “وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم”، (الأحزاب36) أي أن المؤمنين  ذكورا وإناثا- لا يشترطون على الله ورسوله شروطا كي يؤمنوا ويتقوا، فهم على يقين تام من أن اختيار الله لهم هو أفضل اختيار، وإن كرهته النفوس التي لما تتطهر بعد، واستثقلته طباع الذين لا يوقنون، الذين لا يقبل مزاجهم “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف” (البقرة228)

وصية من الله

كانت المؤمنة مشرفة مكلفة لا تؤجل عمل آخرتها ولا تعطل سعي دنياها، علمت أن الدنيا مزرعة للآخرة فملأت أنفاسها بالذكر والقرآن والتربية والمواساة والدعوة والجهاد. خيرت بين زينة الله التي أخرج لعباده وبين زينة الحياة الدنيا فقط، فاختارت ما يدوم على ما يزول، فجمع الله لها خير الدنيا والآخرة، قال جل وعلا: “وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما”(الأحزاب28).

كرم الإسلام المرأة بنتا وأختا، وأوصى بصحبتها والإحسان إليها فقال صلى الله عليه وسلم: “من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان أو أختان فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن فله الجنة” (رواه أبو داود) وقال أيضا: “من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو-وضم أصابعه- أي معا” (رواه مسلم). وشرفها زوجا، قال صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي” (رواه الترمذي وصححه الألباني)، فجعل أفضل المؤمنين من أحسن إلى أهله (بالسخاء والوفاء والصبر والعدل والحلم والمواساة…) وعظمها أما، فقال صلى الله عليه وسلم: ” الجنة تحت أقدام الأمهات”، فجعل الجنة وهي مطلب عزيز ثمرة لصحبة الأم (أمك ثم أمك ثم أمك). فانظر إلى هذه الرحمة. جنة في السماء، مفتاحها تحت قدم الأم. طبت يا رسول الله، عليك صلاة الله وسلامه، فأنت الذي تبلغ عن رب العالمين ما يرتضيه لإمائه ولعباده الصالحين؟.

ولاية جامعة

لقد جعل الله تعالى بين المؤمنين والمؤمنات ولاية إيمانية جهادية في قوله: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم” (التوبة72)، فالمرأة تأمر بالمعروف كما الرجل وتنهى عن المنكر كل المنكر وتقيم فرضها ونفلها في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات، لا تمنعها أنوثتها من الترقي في مدارج الإيمان والإحسان، حتى تكون من المحسنات اللواتي أعد الله لهن عظيم الأجر. لذلك وجب على المؤمنين أن يتقوا الله في أمهاتهم وأزواجهم وأخواتهم وبناتهم وفي كل أمة من إماء الله، وأن يساعدوهن على طاعة الله بالرفق والحلم والصبر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنجشة لما كان يسرع بالإبل التي تركبها نساء: “رفقا بالقوارير”. فأوصى عليه الصلاة والسلام بالرفق لأن “الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله”، وهو ضد العنف والخشونة. فاخشيشان الرجل وتصلبه لا ينبغي أن نحمل عليه المرأة لأنه “ليس الذكر كالأنثى”، قال صلى الله عليه وسلم وهو في خطبة الوداع: “ألا واستوصوا بالنساء خيرا” (رواه مسلم)، وهن مدرسة الحنان والعطف والإحسان.

وفي العهد الراشدي حافظ المؤمنون على وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتبروها دينا من الدين، وتخلوا عن ماضيهم الجاهلي واستغفروا الله واستغفر لهم الرسول، قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا” (التنوير1/175)، لكن بعد مجيء الإسلام انقلبت التربية والعلاقة والمعاشرة، فأصبحت “كل نفس من بني آدم سيد، فالرجل سيد أهله، والمرأة سيدة بيتها” (صححه الألباني في الجامع الصغير)

3- المرأة المسلمة والمظلومية باسم الدين:

انتكاسة شاملة

بعد زمن الخلافة الراشدة التي دامت ثلاثين سنة ثم تحولت ملكا وراثيا مذموما، انحدر موقع المرأة في المجتمع المسلم وتقلصت وجاهتها، وتحولت من مؤمنة مشاركة معززة مكرمة إلى سلعة رخيصة في سوق النخاسة تباع وتشترى بأبخس الأثمان، فانحطت بانحطاط الحكم وانتقاض عروته وما رافق ذلك من انحباس في الفقه و ضعف في الاجتهاد، وتجدد لأخلاق الجاهلية التي تهمل المرأة، إلا أن تكون قطعة جميلة يتسلى بها في القصور ثم ترمى كما ترمى الأجهزة البالية.

فما الذي وقع للمسلمين حتى أصبح ل”خليفتهم” خمسمائة جارية للفراش، وآلاف من الوخش للخدمة، وذاك الأمير أهدى لهذا الأمير مائة جارية؟؟؟

الجاهلية جاهليات، منها التي سبقت الرسالة وكانت تستاء من وجود الأنثى، قال الله تعالى: “وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب،ألا ساء ما يحكمون”(النحل79)، سبحان الله؟ كيف أن الجاهلين يبشرون بالخير فتسود وجوههم بالغضب والغيض والكراهية والسخط؟ ويودون لو لم تخلق الأنثى بالمرة، فيعارضون وجودها خلقة أو يدفنوها لكي يزول من على وجه الأرض “شرها”.

اعتزاز هستيري بالذكورة المتوحشة، والشهامة الفارغة.

ومنها الجاهلية التي جددت الأولى وبعثت شرورها -وما جاهلية ملوك الطوائف منها ببعيد- ومن هذه الشرور ظلم المرأة. ففي منطق متخلف غليظ لا يتحدث الوجود إلا باسم الذكور، أما الإناث فوصمة عار وجودهن، وإذا ما وجدن فمكانهن الطبيعي تحت التراب، وإلى حين وفاتهن فهن محط كل نعث بالدونية والاحتقار والشر.

حبس المرأة !

هذه النظرة المتوحشة التي تدعو إلى إخفاء الأنثى وتحرج من ذكر اسمها لأنه هو الآخر عورة، هي التي تؤسس لموقف استضعافي يهين المرأة ويهين الإسلام ويهين الإنسانية. بل أكثر من هذا فهو يتعسف تعسفا مرضيا في فهم نصوص القرآن الكريم والحديث النبوي وتأويلها فيفهم من الدرجة في قوله تعالى: ” وللرجال عليهن درجة” معنى الإستبداد والاستعلاء والفرعونية، ومن قوله تعالى: “الرجال قوامون على النساء” أن المرأة لا ينبغي أن تشارك في أي قرار ولو كان في بيتها، فبالأحرى في مجتمعها، لأنها فتنة والفتنة أشد من القتل لذلك يجب تغييبها عن الأنظار، حتى ظهر في تاريخنا فقه “حبس المرأة من أجل حمايتها”! و”حصار العلماء من أجل حمايتهم”.

لهذا أقول أنه يمكن أن تظلم المرأة باسم الإسلام…وبالفعل كان وبالفعل هو كائن.

قال الأستاذ عبد السلام ياسين: “من الوعاظ من يأخذ بأشد ما في مذاهب الفقه من شدائد، فالحجاب عنده نقاب وقفاز ولون أسود وقطنة في الفم قبل أن تتكلم المرأة فتؤدي العالم بصوتها العورة، ويود الواعظ لو تلبس المرأة جلدا سميكا أو تتخذ لباسا من الصفيح والقصدير إمعانا في الشدة وتخريجا بغير دليل شرعي في دين ما جعل الله فيه من