لكن أية جماعة نقصد؟

إلى هنا نتساءل هل يمكن لمؤمن يريد أن يضع يده في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطمح أن يلقى الله تعالى وهو عنه راض أن يسوغ لنفسه الزهد في فضل العمل الجماعي التعاوني التناصحي التطاوعي؟ و يختار الحرمان من كل الأجر والخير والسداد والتأييد الذي يخص به الله سبحانه بحبوحة الجنة ورياضها؟ لا أظن أن مؤمنا بالله واليوم الآخر يصم سمعه عن هذا الفضل ويستغشي ثوبه، بله يسخر ويتنطع وينكر.

لكن السؤال الذي مازال يطرحه بعض الصادقين -وقد يظنون أنه عذرهم- هو: لأية جماعة من الجماعات الموجودة ينبغي أن أنتمي؟ وكيف يطلب مني أن أنتمي إلى إحدى هذه الجماعات المختلفة فيما بينها، والتي ينتقد بعضها بعضا؟ لماذا لا تتوحد جميعها في جماعة واحدة لأكون ملزما آنذاك بالإنتماء إليها؟ أليس قرآننا واحد ونبينا واحد وغايتنا واحدة؟ فلم الإختلاف ؟

أول شيء ينبغي أن يستقر في قلبك أخي الحبيب هو أن هذه الجماعات هي بمثابة مدارس دعوية تتنافس في الخير، أو فروع متعددة لشجرة طيبة واحدة، فواكه مختلفة ألوانها، وتسقى من ماء واحد، لا يلغي بعضها بعضا ولا يكرره. كلها تنتمي إلى حزب سماه القرآن ب “حزب الله” وضمن له الفلاح، في مقابل كل التنظيمات التي تحارب الإسلام والتي سماها القرآن ب “حزب الشيطان” و طبع الله عليه بالخسران. ثم إن التفاوت فيما بينها هو في درجة الخيرية وتقدير المصالح، فكما يتفاوت الأفراد في بواعثهم وهممهم وتصوراتهم وقابلياتهم، كذلك تتفاوت الجماعات في إراداتها وأساليبها واجتهاداتها وغاياتها، وكلها في النهاية تخدم دعوة الله تعالى بدرجة من الدرجات، واجتهادها يدور بين الأجر والأجرين. وفي الحديث النبوي: ” اعملوا كل ميسر لما خلق له” (البخاري6996 ومسلم 4789).

وما يظهر من تصرفات خاطئة فمرده إلى كون “كل بني آدم خطاءون وخير الخطائين التوابون”، ومرده أيضا إلى واقع موروث بأمراضه المتداخلة منذ قرون: أنانيات لا تتنازل وعقليات لا تقتحم وطباع لا تنضبط، يضاف له ما ابتلى الله به أمتنا من “داء الأمم”: (الأشر والبطر، والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي)، وما راكمته فينا موروثات الماضي ومعيقات الحاضر من تدين سلبي يقدم التعسير على التيسير والتشكيك على اليقين والفرقة على الألفة والتهاون على التعاون والتنابز على التنافس، والإنبطاح على الإقتحام.

لهذا لا يمكن معالجة تلك الأدواء القديمة، وبناء الجماعة الواحدة بحركة سريعة أو بوصفة سحرية، إنما يحتاج الأمر إلى التؤدة والحلم والصبر والتعاون لا إلى التخشب والتأفف والفرار الجبان…وليس الذي يبني كالذي يهدم…

بناء الأمة يقوم على أساس الإجتماع والإخاء، من مؤمن صالح إلى جماعة صالحة إلى رابطة مصلحة إلى أمة مستخلفة.

الناس يتحدثون عن افتراق الأمة، ثم يفترقون، فمن يتحدث عن جمعها واجتماعها؟ ويذكر ب: “ما اجتمعت أمتي على ضلال”؟

من هي القلوب النورانية الربانية السليمة التي تجمعنا من شتات وتؤلفنا من نفرة؟

و لهذا أيضا فليعمل العاملون.

إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلمنا أن سبيل اجتماعنا هو المحبة والولاية الإيمانية، ثم البحث عن السبل المنهاجية النبوية التي تجمع القلوب وتؤلفها، وتبني و تصنع، على كل المستويات، أما الموقف الطهراني الحالم حلم المريض بأمة ملائكية لا توجد بها لا جماعات ولا أحزاب ولا هيئات ولا منظمات ولا رأي مخالف، بحجة أن هذا التعدد لم يكن في زمن النبوة، فما هو إلا صورة حية لانحطاط جثم على صدر هذه الأمة منذ الملك الأموي والعباسي، وتكريس تدين شاذ تشتت فهمه على سطح واقع بئيس يمسك بزمام أموره أغيلمة لا خلاق لهم.

نسأل الله أن يعجل لهذه الأمة بالفرج، وأن يرفع عنها أقفال الغثائية والإستبداد.

إننا اليوم نتحدث عن خطوات اللحظة التي نحن بصددها، لحظة التأسيس لغد الإسلام دعوة ودولة، غد العزة والتمكين في الأرض. إن قومة أمتنا لا تزهد في جهد أحد من أبنائها مثلما لا ينبغي لمؤمن لبيب أن يحرم من أجر هذا البناء بأي مبرر من المبررات. فهلم جميعا – بعيدا عن الشح الذي يمنع الفلاح في الدنيا والآخرة، وعن الجبن الذي يجلب الخزي في الدارين- لاستقبال الموعود النبوي بظهور هذا الدين على الدين كله، بعد تجديده نورا يسري في قلوب الدعاة البناة ومنهم في كيان الأمة جمعاء. هلم جميعا أفرادا وجماعات لنتحاب ونتآخى ونتعاون فيما نتفق فيه ونتحاور ونتشاور فيما نختلف حوله. هلم لبناء الجماعة الجامعة التي قال فيها الحبيب المصطفى: ” يا أيها الناس عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة” (مسند الإمام أحمد22064)

ليس الزمن زمن القعود و التسويف والاعتزال أو الصعود إلى الجبل، فما أسهل النقد والهدم والإدعاء وسوء الظن وتتبع العثرات، لكن ما أجل التحمل والبذل والجمع والاقتحام وحسن الظن بالله وحسن الظن بالناس. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قال هلك الناس فهو أهلكهم” (رواه مسلم وأحمد)

إن الزمن أخي زمن الإعداد الجماعي الشامل: نجتمع لنتقوى على الطاعة وعلى الحق، ونجتمع لنتحصن ضد المعصية وضد الغثائية، نحفظ أخوتنا وأمتنا ويدعوا بعضنا لبعض بظهر الغيب، ويستر الأخ أخاه، والأخت أختها، ونحمل الكلام على حسن التأويل، بلا حسد ولا تنقيص ولا كراهية، ولنمتثل جميعا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه، ولا يحقره. التقوى هاهنا  ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه” (أخرجه مسلم عن أبي هريرة). أما المتجسسين على عيوب الناس فليسوا قدوة لأحد من المسلمين. قال الحسن البصري رضي الله عنه: ” أدركنا أناسا لا عيوب لهم فتجسسوا على عيوب الناس فأحدث لهم الله عيوبا”. نسأل الله العافية

بعد ذلك نتساءل اليوم  ونحن متآخون- عن الكيفية الأنجع للترقي من الوضع الحالي إلى وضع الوحدة الكبرى؛ وحدة الأمة، وعزتها واستخلافها ورسالتها للأمم.

فهل يعقل أن نتفرج من بعيد وننتظر انتظار الكسالى معطلين سنة الأخذ بالأسباب التي تعبدنا الله بها؟ ومن بربك سيقوم بمهام التربية والتوحيد والتقريب والبناء إن ركن كل واحد منا لفردانيته وتبريراته وثقافته؟ وهل الوحدة التي ننشدها جميعا سنستيقظ يوما ما فنجدها جاهزة تامة؟ أم أنه من آكد الواجبات أن نسعى لها سعيها؟ سائلين المولى الكريم أن يؤلف بين قلوبنا وأن يجمع كلمتنا ويوحد صفوفنا.

جماعة المسلمين

إن كل هذه الجماعات التي تجمع الناس على أركان الإيمان وخصاله وشعبه فهي تنتمي إلى الجماعة الأم (جماعة المسلمين) التي تجمع كل المسلمين الصادقين الذين رضوا بالله ربا وبالإسلام دينا وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، ولهم الاستعداد للتعاون على خدمة هذا الدين في سبيل الله. و هي تشمل كل جمعية أو منظمة أو جماعة أو حركة تسعى لإعلاء كلمة الله في الأرض؛ لعزة الإسلام والمسلمين، صفوفا متكاملة في صف واحد، وحزب واحد، يسعَـوْن جميعا لنيل رضا الله تعالى على بصيرة، هي طريق حمل هَمِّ الأمة ونُصرة دين الله في الأرض. تجمع ولاياتهم الخاصة عهود الولاية العامة المفروضة بين المؤمنين جميعا، ” ِإنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بعضهم أولياء بعض” (الأنفال72) . هم جند الله في حزب الله.

وقد يتصور أحدنا مستقبلا عند بناء الدولة الإسلامية والخلافة الوارثة ألا تكون هناك تعددية ولا اختلاف. فهل سيكره الناس آنذاك على فهم واحد كما يكرههم الحكام اليوم على طاعة إجبارية مقيتة ثمنها شرف الأمة وعزتها؟ أم ستكون وحدتنا وحدة صفوف متعاونة متنافسة في شكل رابطة جامعة؟ أم سنقوم بتخريجة فقهية وسياسية جديدة تلغي الاختلاف في التصور والتنظيم والعمل؟

مستقبل الأمة يا أخي رهين بتجاوز عقلية الاستبداد والفرعونية والجمود التاريخي، ومتوقف نجاحه -في الدعوة والدولة- على القدرة والحكمة في تصريف الخلاف من خلال قنوات معارضة صادقة صادعة بالحق، غير منافقة ولا حاقدة.

مستقبل الأمة ميثاق منها وإليها ولها، يشارك فيه كل الصادقين بتعددهم وتخصصهم وفق قاعدة “جماعة المسلمين” التي تكون نواتها جبهة إسلامية قوية ومقتحمة.

من الشباب داخل الحركة الإسلامية من في بداية توبته، ومنهم مؤمنون مكتمِلو الرجولة لهم حِنكة وتجربة وكفاءة، ومنهم دعاة و تقاةٌ. هؤلاء ملح الأمة ونواة خيريتها، ينبغي أن يتألفوا في كل قطر، في رابطة إسلامية جامعة، ترسُم خط المستقبل الإسلامي، وتجمع الأمة حول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

هذا أمل يحتاج إلى نيات وعمل، وهذا طموح يحتاج إلى مسؤولية ووضوح. أما النصر والتمكين فوعد من الله غير مخلوف.

إن جماعة المسلمين التي من خرج عنها خلع ربقة الإسلام من عنقه، ليست هذه الجمعية أو تلك الحركة من هذه الفروع المباركة المنتظمة في جماعات عاملة مجاهدة. بل هي تأليف جماعي متحاب يعمل لتوحيد الأمة في القطر وبناء الدولة الإسلامية، ثم توحيدها في الأرض وبناء الخلافة الثانية.

وإن كانت نيةُ هذه الفروع المترابطة المتعاقدة هي جمعَ الأمة على الصفاء والقوة، فهي تحمل من الآن -على تنوعها- صفة “جماعة المسلمين”.

ولا يصح أن نسمي هذه الجماعات من المؤمنين التي تملأ الكون حركة وبركة بالفرق المنهي عنها، يقول الإمام الشاطبي “وإنَّما ينشأ التفرُّق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلِّيَّة” وقال أيضا : “الاختلاف في الفروع كالاتفاق فيها والحمد لله” (3). وليست الجماعات الإسلاميَّة المعاصرة من هذا القبيل لاتِّفاقها على الإعتصام بالكتاب والسنة، ولاشتراكها جميعاً في خدمة هذه الأمةَ بإقامة الدين والتمكين لشريعة الله في الأرض؛ فهي في مجموعها جماعة المسلمين، أمَّا ما يقع بينها من اختلافٍ فهو اختلاف اجتهاد وتنافس.

فالعلاقة الطبيعية بين مكونات الحركة الإسلامية هي التكامل والتعاون والتنافس، بمعنى أنَّها كلَّها في صفٍّ واحد، والاختلاف بينها بعد ذلك لا يفسد للتعاون سبيلا، قال الإمام الشاطبي رحمه الله: ” فإن الخلاف من زمان الصحابة إلى الآن واقع في المسائل الاجتهادية وأول ما وقع الخلاف في زمان الخلفاء الراشدين المهديين ثم في سائر الصحابة ثم في التابعين” وأورد قول سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: “ما أحب أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يختلفون لأنه لو كان قولا واحدا لكان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان سنة” (4). وتأمل قوله تعالى: “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا” (الحجرات: 9)، طائفتان مؤمنتان يمكن أن يقع بينهما الاختلاف والخصام، ولكن ذلك لا ينزع عنهما صفة الإيمان. وإذا وقع هذا بين الصحابة فكيف لا يقع بين من هم دونهم؟

إن حاجتنا اليوم هي إلى رجال ربانيين جامعين تجتمع حولهم جماعة المسلمين، يشكلون قطب الرحى لجنود الأمة وخدامها؛ مروءة وأخلاقا وغيرة صادقة، “فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك”.

جماعة من المسلمين

وتبعا لذلك نستنتج أنه من الواجب علينا جميعا أن ندع حظوظ أنفسنا و ننخرط في خدمة قضية المسلمين على المدى الطويل وهي الوحدة والقوة والخلافة على منهاج النبوة، وذلك عبر بناء جماعة المسلمين بالموالاة والتحزب لله ورسوله، ضمن إحدى هذه الجماعات الراشدة، المحاضن الدعوية الدافئة، القائمة لله، الشاهدة بالقسط، التي تجمع أفرادها على معاني الحب في الله وذكر الله وتجديد الإيمان في القلوب، والتناصح والشورى في الله، والدعوة إلى الله، وتنهض بهممهم إلى إخلاص الوجهة لله في تهيئة مشروع عمراني جامع يجدد أمر هذه الأمة، دعوة ودولة، أنفسا وآفاقا، إلى حين “الوحدة الكبرى”. سائلين المولى عز وجل أن يجعلنا من أحبابه، الذين قال فيهم: “حقت محبتي للمتحابين في، المتناصحين في، المتزاورين في، المتصافين في..”. وتفضل علينا بجميل نواله: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده” رواه مسلم.

وتبقى “الصور المثالية والمطلب القرآني هو أن تكون الأمة واحدة، وأن تتكون من صفوة الأمة وخيارها جماعة واحدة، لكن تشتت دار الإسلام في أقطار الفتنة، ووجدت الحواجز الحدودية بين هذه الدويلات التي وزعتها الفتنة…وداخل حدود الدويلات الفتنوية الهزيلة، في أنفس المسلمين وفي أنفس الدعاة والجماعات، حواجز أخرى صنعها تاريخ كل فرد وأنانيته وذهنيته وما تعوده ونشأ عليه وتربى فيه، وصنعها تاريخ كل جماعة واجتهادها، ونظامها، وما حققته أو تتوهم أنها حققته من مكاسب إليها ترجع و بها تعتد كما يعتد الفرد بحسبه ونسبه”. (5)

ولتكن أول خطواتك أخي وأختي هي الوقوف الصادق بباب الله تعالى تطلب منه توبة نصوحا، توبة تنقلك من شتات إلى انجماع، ومن معصية إلى طاعة، ومن غفلة إلى ذكر، ومن ذل إلى عزة. وتستخيره سبحانه -الخبير العليم الوهاب الكريم- بكل انكسار وافتقار وإلحاح أن يلهمك السداد والتوفيق في الاختيار، وأن ييسر لك “سبيل المؤمنين” الأكمل إيمانا، الذين يحبهم ويحبونه، ويذكرهم ويذكرونه، يرضى عنهم ويرضون عنه، “يذكرون بذكره ويذكر بذكرهم”، “يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه” الرهبان بالليل الفرسان بالنهار، الأذلة على المؤمنين الأعزة على الكافرين، الذين يحتفلون بكتاب الله ويقتدون برسول الله عليه صلاة الله وسلام الله، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يدعون إلى الله على بصيرة ولا يخشون فيه لومة لائم. سله سبحانه أن يجعلك مع الصادقين، ومع أوليائه الصالحين، استجابة لأمره: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين”، ابك عليه واشك أمرك إليه، ولا تتجاوز بابه، ولا تقل في استخارتك أعرف وأعلم، بل قل: ” اللهم إنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر..” ودع العليم القادر سبحانه يختر لك إخوة تسافر في كنفهم وتهاجر في سربهم إلى الآخرة، ” وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى” (الضحى4)، ويريدون وجه الله “فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى” (النجم25)، فاصبر نفسك معهم كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه مع الذاكرين.(6)

قد يقول البعض: “أنا سأعمل مع جميع هذه الجماعات”، مرة هنا ومرة هناك ومرة هنالك…لكن هذه المسألة وإن كانت شائعة فهي ليست سليمة ولا معقولة، وإن كانت النية فيها صادقة فهي تفتقر إلى بصيرة ووضوح ومسؤولية، فقد تعيق العمل الجماعي وتشله من حيث تظن أنها ستغنيه، وسيكون الحال فيها كمن أراد أن يصعد سلمين أو عدة سلالم دفعة واحدة! أو كمن طلب أن يدرس في مدارس متعددة في نفس الزمن! أو كمن حضر اجتماعا أو احتفالا فأخذ ينقز بين الموائد يأكل من مائدة هؤلاء ويقفز إلى مائدة أولئك ويلتفت إلى الموائد الأخرى يعرج عليها الواحدة تلو الأخرى دون أن ينضبط في أية مائدة، ويضع يدا في طعام هؤلاء ويدا في شراب أولئك، ظنا منه أنه إذا طاف على جميع الموائد فإنه سيحصل أكثر الفوائد! وهذا لعمري فعل شائن لا يطمئن إليه حس سليم، لأنه يشوش على الجميع، ولو أنه جلس في إحدى الموائد لكان خيرا له وللباقين.

اجلس يا سيدي في أية مائدة شئت ولا تزعج الآخرين بحسن نيتك وسوء أدبك.

والذي يختار هذا الوضع سيؤول به الأمر إما إلى الانضمام إلى “اللا جماعة” والتي تشكل خطرا عليه، أو إلى “كل الجماعات” التي يشكل خطرا عليها، وكلاهما اختيار فاشل. وهذا يجعله خارج الانتظام نهائيا، مكتفيا بهامش المتاح، الذي لا يعول عليه ولا يرجع إليه ولا يتحمل فيه. ولا يتجاوز عمله أن يكون عمل متفرج أعجبته هذه الفرجة وتلك، لكنه لم يشارك ولم يبارك. مع الكل وليس مع أحد!

استخر أخي واستشر وبادر.

وابحث وطالع وقارن وحاور وابك على مولاك فهو الهادي إلى صراط مستقيم. وإذا عرفت كرم الله واخترت من فضله، واطمئن قلبك إليه، فانغرس بكل نيتك و جديتك وملكيتك في جماعة المؤمنين، وفارق الشك والقابلية للتشكيك، واهجر ما نهى الله عنه، وتسلح باليقين فليس ينجو إلا الموقنون، الذين على ربهم يتوكلون، أما المتشككون فدعهم “في ريبهم يترددون”، فهم لا محالة هالكون.

“فالانتماء اختيار يقوم به الإنسان طوعا وبإرادة حرة، وقراره بيده ليس لأحد أن يصادره منه. ومن حق كل واحد أن يختار الطريق التي يطمئن إليها. وحتى عندما يختار ثم يتبين له أنه قد أخطأ السبيل فإنه لا يجوز له لا شرعا ولا عقلا أن يقيم على الاختيار القديم، بل يجب أن يتحول إلى الجهة التي يراها الأقرب إلى الصواب شكلا ومضمونا، أسلوبا ومنهاجا. والمهم هو أن لا يبقى متفرجا، وأن ينخرط في عمل صالح ومشروع جماعي يقدر أنه يفيد بلده وأمته” (7).

فلا تتخلف أخي ولا تتخلفي أختي بصدقك وجهدك في التعاون مع الصادقين ومشاركتهم في الحق والصبر. ولا تغفل عن البداية الصحيحة؛ إرادة وجه الله تعالى، حتى لا تكون من العاملة الناصبة. واحذر التساهل القاعد والتنطع المفسد، فخير الأمور أوسطها، وفي الحديث: “خير هذه الأمة النمط الأوسط يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي” (8) .

فتعالى أخي نجتمع، وعلى الله ننجمع، ولرسول الله نتبع.

وأملنا وإياك أن تزول الموانع وتذلل العقبات، ونتمكن بحول الله من التأسيس لعمل تنسيقي راشد تعز فيه الأمة، ويشع فيها نور الإيمان و بركة العمل الصالح.

والصلاة والسلام عل مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

3- الإمام الشاطبي ، الإعتصام 2/170-171

4- الإمام الشاطبي ، الإعتصام 2/191

5- سنة الله 295

6- راجع تفسير قوله تعالى في سورة الكهف: “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه…” الآية 28

7- عبد الواحد متوكل، مجلة الصحيفةعدد27

8- مختار الصحاح 1/283