أولا: تقديم لا بد منه

يندرج سعي الإنسان لتخليد اسمه في سجل التاريخ ضمن نزعة حب البقاء، غير أن الناس يسلكون إلى هذا الهدف مسالك مختلفة تتسم أحيانا بركوب المخاطر ومغامرة المرء بحياته، فقد دون تاريخ الطيران مثلا انتحار عباس بن فرناس جريا وراء حلم تحليق الإنسان في الجو، وغيره كثير؛ ومن الناس في عالم السياسة من دخل التاريخ أو قل سجل عليه التاريخ موقفا كوزير خارجية بريطانيا “بلفور”، صاحب الوعد المشؤوم بدعم بلاده وتعهدها لإقامة كيان مستقل لليهود، ومن رجال السياسة من قد يعرف بتصريح واحد في مشواره السياسي، يظل عنوانا له، يختزل فكرا أو توجها كما هو شأن وزير الداخلية المغربي السيد شكيب بنموسى، صاحب التصريح الشهير في حق جماعة العدل والإحسان خلال ربيع 2006، والذي سيكون موضوع نقاش من خلال منهجية دراسة النصوص التاريخية، استجلاء لمعانيه الظاهرة والخفية تمهيرا “اكتساب المهارة” على تقنية تحليل النص التاريخي، لا سيما والاختبارات الجهوية والوطنية بعيد شهور.

ثانيا:النص التاريخي

“بتكثيفها للأنشطة تكون جماعة العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون” تصريح شكيب بنموسى وزير الداخلية لوكالة الأنباء الفرنسية، ربيع 2006.

ثالثا:خطوات تحليل النص التاريخي

تقوم دراسة النص التاريخي ـ مع بعض التصرف ـ على خمس خطوات أساسية هي:

” تحديد نوعية النص.

” وضع النص في سياقه التاريخي.

” الشرح التاريخي للمصطلحات والأعلام…

” استخراج الفكرة العامة للنص.

” استخلاص الدلالات .

رابعا:تـحـليـل النص

الخطوة الأولى: تحديد نوعية النص:

النص موضوع التحليل تصريح صحفي لمسؤول حكومي يزاول مهمة تدبير شأن أم الوزارت، إنها وزارة الداخلية ولا فخر؛ ولأن النص تصريح، فهو يكتسب قيمة خاصة، فمن حيث اللفظ والصياغة يحظى بعناية كبيرة ضبطا للمعاني، وتفاديا لكثرة القراءات والتأويلات التي تضيع معها أو بها مصداقية السلطة/الدولة، أي أن النص قبل الإدلاء أشبع نقاشا، وتم إخضاع المسكين ـ التصريح ـ لكل القراءات والتأويلات، ليصبح جاهزا للتداول والتحليل مادام يتوفر على معايير الجودة المعترف بها دوليا.

الخطوة الثانية: وضع النص في سياقه التاريخي:

جاء النص في سياق محلي وإقليمي ودولي وفر الإطار العام، أو التغطية الجوية لتوغل ميداني باللغة العسكرية. فأما المحلي فنرصده من زاوية الدولة، وزاوية جماعة العدل والإحسان المستهدفة بالتصريح /النص.

فيما يخص الدولة، ظهر تنامي عجزها أمام المطالب الاجتماعية، غلاء مستوى المعيشة واتساع دائرة الفقر، حدة البطالة وتناسل الحركات الاحتجاجية، تؤشر عن خطورتها الإضرابات عن الطعام في صفوف المعطلين، لا فرق بين دكاترة ومكفوفين وغيرهم…وبدا للعيان زيف الشعارات، وتبخر سراب التنمية البشرية. وفي المجال الحقوقي، لم تكد الدولة تنتهي من وضع اللمسات الأخيرة لتسويق ما اصطلح عليه: “طي صفحة الماضي “، حتى وجدت نفسها تدشن عهدا جديدا لخرق حقوق الإنسان، تحت ذريعة محاربة الإرهاب، وفر ضحايا عهد سنوات الرصاص واجهته الخلفية، لتصفية حسابات إيديولوجية، وهنا يسجل للتاريخ السكوت المطبق لجل الهيئات الحقوقية والحزبية والنقابية عما تتعرض له جماعة العدل والإحسان من مضايقات، أم أن الإسلاميين لا حقوق لهم.

أما فيما يخص جماعة العدل والإحسان، وانسجاما مع تطور بنائها الهيكلي والمؤسساتي فقد دخلت مرحلة جديدة من الانفتاح والتواصل مع الشعب، من خلال أوراش الأبواب المفتوحة، تبسط تصورها ورؤيتها للتغيير، وأمام الإقبال الكبير للشعب بمختلف فئاته على هذه الأبواب، مع ما صاحب ذلك من ترويج لقراءات أجهزة مخابرات الدولة لرؤى جماعة العدل والإحسان، ومنها أن سنة 2006 ستعرف حدثا خطيرا على البلاد، وأمام تراجع شعبية الأحزاب لا سيما اليسارية منها، وإمكانية اكتساح حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية للمؤسسة التشريعية في استحقاقات 2007، أكدت ذلك دراسات استطلاع الرأي الأمريكية وبعدها الفرنسية…عوامل وغيرها كانت وراء قرار الدولة جاء على لسان وزير الداخلية، نعود للتفصيل في أبعاده ومراميه.

أما السياق الإقليمي فتمثل في الظهور القوي للحركات الإسلامية، جسده نجاح الإخوان المسلمين في مصر، وأكده بشكل لافت ومتميز النجاح الباهر لحركة حماس في الانتخابات الفلسطينية، وتوجـه انتصار المقاومة اللبنانية ودحرها للجيش الإسرائيلي الذي أكسبته هزائم الأنظمة العربية مصداقية وهمية، حتى غدا الجيش الذي لا يقهر.

دوليا، اتسمت المرحلة وما تزال بفشل حرب أمريكا على الإرهاب/الإسلام، وتراجعها عن دعم الديمقراطية في العالم العربي، بعدما تبين لها أن شفافية الانتخابات تعني وصول الإسلاميين إلى الحكم، وعملا بمبدإ أخف الضررين، راحت تغط الطرف عن خروقات الأنظمة العربية “المعتدلة” في مجال حقوق الإنسان، مادامت تحمي مصالحها، بل وتوفر لها في أحيان كثيرة مظلة تنفيذ مخططاتها التوسعية: موقف السعودية ومصر والأردن من الغزو الإسرائيلي للبنان نموذجا.

الخطوة الثالثة: الشرح التاريخي للمصطلحات والأعلام:

“بتكثيفها للأنشطة تكون جماعة العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون”، نقف من خلال النص على دلالة الكلمات المفاتيح التالية:

” تكثيف الأنشطة: تقاس حيوية التنظيمات عموما بأنشطتها نوعا وكما، والكثافة رغم بعدها المادي مؤشر صحي يعبر عن وزن صاحب الأنشطة، وأهليته للانخراط في أي فعل تعبوي جاد، وبالتالي يعتبر فاعلا سياسيا حقا وصدقا، يستحق التنويه والتشجيع.

” تكون:بمعنى أنها كانت ولم تعد، أي كانت في إطار القانون وخرجت منه، والسبب هو تكثيف الأنشطة.

” جماعة العدل والإحسان: تنظيم سياسي يعتمد تصورا تغييريا أساسه تربية الإنسان وتأهيله، ومن أدبياته التعريفية أن العدل والإحسان جماعة توبة، تدعو الناس ليتوبوا، وتتبنى اللاءات الثلاث:لا للعنف فكرا وقولا وسلوكا، لا للسرية، لا للتعامل مع الخارج أو التآمر على استقرار البلاد وأمنها.) للمزيد من التفاصيل يرجى الاطلاع على “من نحن؟وماذا نريد؟ في موقع الجماعة الإلكتروني www.aljamaa.net)

” القانون: هو ما يصطلح عليه بمنظومة تنظم حياة الشعب، تحدد الحقوق والواجبات، وتضبط العلاقات بين مكونات المجتمع دون ضرر أو ضرار، بما يكفل المصلحة العامة للبلاد والعباد، وضمانا لذلك تعارفت المجتمعات على فصل السلط، وجعل القضاء مستقلا من أجل سيادة القانون.

بناء على ما سبق، فالحكم بقانونية الجماعة أو عدمها من اختصاص القضاء، وليس الجهاز التنفيذي، ومتى كان التواصل مع الشعب تهمة وجرما؟.

الخطوة الرابعة: استخراج الفكرة الأساسية للنص:

النص تصريح وإعلان صريح للعموم أن جماعة العدل والإحسان كانت ولم تعد قانونية، لأنها كثفت أنشطتها، وسعت للتواصل مع الشعب.

الخطوة الخامسة: استخلاص الدلالات:

نقف في هذه الخطوة عند دلالات النص/التصريح وأهدافه، حتى تتضح الصورة، وتنجلي الغشاوة، ونتساءل: ما دلالات هذا الموقف؟وما هي أهدافه؟

” الدلالات:

يظهر من خلال السياق العام للنص/التصريح أنه يتضمن رسالتين: الأولى مفادها أن الدولة مختزلة في السلطة التنفيذية تراقب حركة الجميع، وهي وحدها تملك جهاز مراقبة السرعة”الرادار”، وحيث إنه لا يسمح بتجاوز الحد المسموح به في تقديرها، لا حسب القانون، فهي تملك قرار توقيف أو إقصاء من ظهر أنه قد يتجاوزها، أو يتجاوز من يمثلها في السباق السياسي، ويحظى بثقة الشعب، فالأنشطة مشروعة، ولكن بمقدار؛ وإلا كيف يمكن للدولة أن تسكت على تغلغل جماعة العدل والإحسان في الشعب، وهذا من شأنه أن يوسع دائرة الولاء والتعاطف مع الإسلاميين، الذي يزحفون بشكل مطرد لاكتساح الساحة السياسية أمام أفول نجم بقية الأحزاب، لا سيما اليسارية التي تراهن عليها السلطة في إطار مقاربة التوازن المعتمدة. تعاطف يهدد ـ في نظر مبشري العهد الجديد ـ مسلسل الانتقال الديمقراطي بأحد أمرين: ارتفاع نسبة مقاطعة الانتخابات وبالتالي عدم مشروعيتها، أو تأكيد ما تنبأت به استطلاعات الرأي ورجحان كفة حزب العدالة والتنمية في استحقاقات2007، هما أمران أحلاهما مر.

والثانية تدخل في إطار ما غدا يعرف بالضربة الاستباقية، بهدف إرباك وتيرة سير الجماعة في محاولة للتخفيف من الضغط الذي عانت منه السلطة من جراء النتائج العكسية لترويج رؤى 2006، ارتباطا بتدهور الأوضاع الاجتماعية لفئات عريضة من الشعب، أكدتها واقعية أرقام المنظمات المالية، وتراجع المغرب على مستوى مؤشرات التنمية.

” الأهداف:

بحكم خطها الواضح، وثباتها في الميدان، رغم كل الضربات المتتالية التي استهدفتها، ظلت جماعة العدل والإحسان مستعصية عن الترويض السياسي، بل لا تزيدها الأساليب التضييقية إلا تجذرا جماهيريا، ومع ذلك لا تملك السلطة غير خيار التضييق سعيا لأهداف تكتيكية غالبا منها:

1. استنزاف الجماعة ماديا ولا سيما أن السلطة تعرف جيدا ماليتها مصدرا وحجما، ومعنويا بشغلها بقضايا جانبيةـالمحاكمات والمتابعاتـ عن مواصلة البناء الهيكلي والمؤسساتي، وأهم من ذلك عن التواصل مع الشعب.

2. تحجيم إشعاع الجماعة تربويا وسلوكيا من خلال توقيف خطباء المساجد والأئمة الأعضاء أو من يشم فيهم تعاطف معها، ومن خلال حملات التشهير الإعلامية بفكرها ونعتها بالخرافية. كما تسعى السلطة لتحجيم الجماعة وعزلها سياسيا بتقديمها للرأي العام باعتبارها تنظيما مغضوبا عليه؛ وفي هذا السياق جاءت الخرجة الإعلامية الثانية لوزير الداخلية غداة انعقاد المجلس القطري للدائرة السياسية، والذي تميز بيانه الختامي بنداء حلف الإخاء، تمد فيه الجماعة يدها للتعاون مع كل الصادقين لإنقاذ البلاد، فسارعت السلطة في شخص وزير الداخلية إلى التصريح بأن جماعة العدل والإحسان تتبنى إيديولوجية قد تكون تخريبية، ليقطع الطريق على كل من تسول له نفسه التفكير في الاستجابة إلى هذا النداء أو مجرد تثمينه، عملا بالقاعدة البوشوية: “من ليس معنا فهو ضدنا”.

3. الموازنة وإعادة الضبط تحكما في المشهد السياسي، فلا يسمح لأي مكون أن يغطي أكثر مما خصص له، وكل تجاوز يقتضي التدخل للحفاظ على التوازن وضبط الإيقاع، تجنبا لأية مفاجأة في استحقاقات 2007. وهنا نشير إلى طمأنة الوزير الأول إدريس جطو للمستثمرين الفرنسيين الذين أحجموا عن الاستثمار في المغرب تخوفا من نجاح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة، حيث أكد لهم أن الدولة تتحكم في أمورها، وأن لا حزب يسمح له بتجاوز نسبة:20% من مقاعد البرلمان.

4. الضغط على الجماعة حتى ترضخ للمفاوضات المشروطة، فتجربة الدولة علمتها أن الضربة الموجعة تعبد في أحيان كثيرة طريق التفاوض، مثلما علمت ذات التجربة أن شكيمة جماعة العدل والإحسان تستعصي على السيطرة، وأن قناتها أصلب من أن تلين بأساليب تضييق تمرست الجماعة على امتصاصها، وابتكار وسائل جديدة في التدافع السياسي، مستثمرة رصيدها التاريخي في المقاومة والصمود، رافضة أن تساوم على مبادئها بما في ذلك طلبتها الإثنا عشر المحكومون بعشرين سنة، القابعون في غياهب السجن منذ أربع عشرة سنة، واستثناءاتهم من العفو يندرج في هذا الباب، وإلا فغيرهم استفادوا من العفو بشروط تتوفر فيهم، وأبسطها حسن السلوك والتحصيل العلمي.

خامسا: خـاتـمـة

جاء النص/التصريح في سياقات متعددة، وظفته السلطة لتحقيق أكثر من هدف، مثلما شكل إطارا مرجعيا ـ وهذا هو الجديد ـ لخروقات أعوان السلطة وممثليها جهويا وإقليميا ومحليا من ولاة وعمال وقواد وغيرهم، تؤكد ذلك تصريحات البعض منهم وفي اجتماعات عامة، حيث يلخص أحدهم مهمة تعيينه في منصبه بهذه المنطقة أو تلك في استئصال شوكة جماعة العدل والإحسان، دون أن يجد في ذلك فظاظة أو حرجا، وكأن الجماعة هي البطالة أو السكن العشوائي أو نهب المال العام أو …، مما يستجيب لانتظارات الشعب.

تحت مسمى:”التعليمات”، وتنفيذا لروح النص/التصريح توالت الخروقات وتعددت: اقتحام البيوت، اعتقالات بالجملة دون تمييز بين رجال ونساء وقاصرين، تشميع للبيوت وطرد أهلها في منتصف الليل، توقيف عن العمل، حرمان من الوثائق الإدارية، السطو على الممتلكات ونهب الأمتعة، محاكمات، اختـطافات، تجسـس على الهواتف، وغيرها كثير يرجع لتفاصيله في التقرير الذي أصدرته الهيئة الحقوقية للجماعة، مما ينبيء أن السلطة بصدد إنجاز الفصل الثاني من الانتهاكات الجسيمة في مجال حقوق الإنسان، وعليها أن تبحث له عن الغلاف المالي لجبر ضرر ضحايا عهد رصاص الشعارات من قبيل: “دولة الحق والقانون” و”أرضية المواطنة على حقوق الإنسان”.

لهذا استحق النص/التصريح صفة التاريخي لأنه عنوان مرحلة جديدة لأزمة قديمة عميقة للحريات العامة في هذا البلد، حيث لا يتسع صدر السلطة لأكثر من رأي واحد، ومن لا يتقن “قولوا العام زين”، فلا مكان له تحت شمس المغرب الكبير، وعليه أن يغادر الوطن بحثا عن فضاء أرحب يمارس فيه حقه في التفكير والتعبير، فأرض الله واسعة.