لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري

بقلم: محمد العربي أبو حزم – [email protected]

لَدَى الْعَتَبَات

هل كان من الضروري أن أقدِّم لهذا “الاِسْتِظْلاَل” بكل هته المقدمات المتتالية؟

ربما تتساءل أخي وتتساءلين أختي.. وتستعجلان الدخول في الموضوع دون مقدمات..

أَمَّا عُبَيْدُ اللهِ الضُّعَيِّفُ هذا فما يستطيع الدخول إلى الحمى مشتملاً بالبردة النبوية الرَّفيفةِ حتى يَخْلَعَ نَعْلَيْه لدى العتبات الشريفة، ويتأدَّبَ بالأدب اللازم -ما استطاع- عند هذا المقام قبل أن يَطَّوَّفَ برياض الْحَرَمِ الْمُنِيفة، وَيُجَدِّدَ نِيَّتَهُ فيما يسعى إليه ويروم، ويتدبَّرَ ويتفكَّرَ ويتأملَ ويتساءلَ في ما بينه وبين نفسه:

من أيِّ طريق أسلك إلى المقصود؟ وبأيٍّ من مفاتحها أستفتح المعبود؟ ومِنْ أيِّ الأبواب أدخل على المحمود؟ وفي أي صفٍّ أقعد بين الْقُعُود؟

فلكل طريقٍ دليلٌ، وإلى كل غايةٍ بابٌ، ولكل باب مفتاح، ولكل صَفٍّ درجةٌ، و”مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ…” .

كانت أمنيتي وأنا أُدَبِّجُ أُولَى أَسْطَارِ هذا البحث أن “أحوم حول رياض الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، عَلَّني أنال “لَمْحَةً” من حضرته الشريفة ولو مِنْ بُعُدٍ أشفي بها غليلي وأداوي عليلي”، غير أنني طَمِعْتُ -بعد أول نسمة هَبَّتْ عليّ من عبير المحبوب صلى الله عليه وسلم- في أكثرَ مِنْ مجرَّد “لَمْحَة”، وفي ما هو أعظم من الْحَوَمَان…

نَعَمْ…

طَمِعْتُ في كرم الكريم سبحانه أن يفتح لي البابَ بمفتاحه، وَيَدُلَّنِي على ما وَرَاءَهُ بنورِ نُورِه، ويَسُوقَنِي  فَاللهُ خَيْرٌ حِفْظاً- بعنايته إلى مَجْلِسِهِ ما بين “بيته” صلى الله عليه وسلم و”منبره”، أتربَّع لَدَى عَتَبَاتِهِ في فسيحِ رياضه مع أهل مَأْدُبَتِه وصَفْوَةِ حِزْبِه، “رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ، أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ، أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” .

وتطلَّعت بالقعود إِزَاءَ المنبر الشريف إلى أن أرِدَ من الحوض إِزَاءَه، مَصَبَّ الماء فيه؛ “… وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي” .

نَعَمْ.. طَمِعْتُ وتطلَّعْتُ… فهل ارتقيتُ مُرتَقىً صَعْباً؟!

فَبِمَ يكون الكريمُ كريماً إِنْ لَمْ يَنَلِ الْمُرادَ منه إلاَّ مُسْتَحِقُّه؟ وكيف يكون الواهبُ مُنْعِماً متفضِّلاً إِنْ لَمْ يَحُزْ فضلَه إلاَّ أهلُه؟ بل عَلاَمَ تكون الْمِنَّةُ منه سبحانه على عباده إلاَّ إن قَصُرَتْ عن نيلها عزائمهم؟

“وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ” .

مَنُّ الْمُنْعِم على ضعف الْمُنْعَمِ عليهم لأنه أهلٌ لأَنْ يَمُنَّ على عبيده.

ولا يكون المن إلاّ مع عدم استحقاق الممنون عليه.

فهل يتردد العبد وهو مُوقِنٌ أن باب الكريم أوسعُ من أن يضيق بمن خلق، بَلْهَ عُبَيْداً فُقَيِّراً منهم، وأن كلماته تعالى لا تَنْفَدُ ولو كان البحرُ تِلْوَ البحرِ لها مَدَداً ومدادا؟

بسم الله…

ألاَ ما أَعْظَمَ الدخول على خير مَنْ رَدَّ السلام جَمَالا، ومَنْ لا أَهْيَبَ منه في صدور الرجال جَلاَلا، النُّورِ الهادي بإذن ربه إلى تَمَامِ الإحسان كمالا.. صلى الله عليه وآله وسلم.

“بِسْمِ اللهِ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ” .

هَذِي يَدِي إلى المقسومِ من عطاء الله ممدودة، وهذه آمالي على إنعام الكريم معقودة، وفي كفّي مهجتي إلى نورِ نوره ونفحاته متعرِّضةٌ مشدودة…

فاللهم نوِّر بصيرتي بِسِرِّ النِّسْبَةِ إلى نبيِّك.. واجْلُ عن قلبي صداه لأنتفع بأسرار كَلِمِهِ وكلماتك.. وأيِّدْني بروح القُدُس كما أَيَّدْتَ حسَّاناً من قوّتك.. واقْسِمْ لي من البردة النبوية الشريفة مثلما قَسَمْتَ لكعب بن زهير الناجي المستجير اللاَّئذِ من عذابك بِحِمَى رسولِك وحبيبِك.. ولا تَكِلْنِي إلى نفسي طرفة عينٍ حتى تَضَعَنِي من رضاكَ موضعَ النُّجَبَةِ من أصفيائك.. وقِنِي السيئات وأَقِلْ مني العثرات.. وطَهِّرني بذكرك.. وحَصِّنِّي بحقِّ التوكل عليك.. وارزقني شُكْرَك وشُكْرَ والدَيَّ وشُكْرَ من له الفضلُ عليَّ من عبادك بَعْدَك.. وأَمِّنِّي مَكْرَك.. وأجِرْنِي من وعيدك.. وارزقني اليقين في وعدك وموعودك.. ونَوِّلْنِي -مِمَّا يرضيك- ما تعلم مما يجول في خاطري، تَفْتَحُ لي به فتحا من عندك، تجعله أولَ قطرة من غيث رحمتك.. ولا تقطع عني مَدَدَكَ وإِمْدَادَكَ فأنا بِكَ لا بسواك.. وأَسْبِلْ عليَّ يا غفّار جميل سترك.. وَثَـبِّـتْنِي بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.. واكتب بفضلك ورحمتك ما أنعمت به عليَّ -في صحائف الرضوان عندك- لِي ولِوَالِدَيَّ وللمؤمنين.. آمين آمين آمين.