“إن ما يمس الجميع ينبغي أن يكون موضع موافقة الجميع”، هذا ما جاء في مرسوم الدعوة إلى البرلمان الأول في إنجلترا سنة 1295، وكان ذلك من الخطوات الأساسية في اتجاه حسم الصراع مع الحكام الذين كانوا يستندون إلى نظرية “الحق الإلهي”، أو نظرية اكتساب السلطة بالتقادم لتبرير حكمهم.

عن طريق البرلمان أصبح رضى المحكومين هو الذي يقرر في النهاية شرعية الحاكم، وأصبحت الدولة هي التشخيص القانوني لشعب ما، بعد أن كان الحاكم يعتبر نفسه هو الدولة، وأصبحت السيادة، التي هي ركن أساس من أركان الدولة، تستمد من مجموع المواطنين.

ولما كانت الانتخابات هي الوسيلة الأساسية لتحقيق كل ذلك والتعبير عنه، أصبحت الدساتير الديمقراطية تمنحها مكانة خاصة، بحيث تجعلها في الجوهر وليس على الهامش، وتنص بوضوح على ما يحقق سلامتها ونزاهتها، ويضمن تجديدها ونجاعتها، ويكفل كل الحقوق المرتبطة بها.

فماذا عن مكانة الانتخابات في الدستور المغربي؟ وأي سياق دستوري لأي انتخابات؟

“انتخابانية” على وزن “دستورانية”

يقصد بعض الباحثين “بالدستورانية” استعمال الدستور لتكريس وضعية غير دستورية، وعلى نفس المنوال يمكن أن نقول أن “الانتخابانية” هي استعمال الانتخابات لتكريس وضعية غير انتخابية، أو بمعنى آخر لتكريس نظام حكم فردي لا يعترف بأي دور للانتخابات في ممارسة السيادة والتعبير عنها. و”الدستورانية” في المغرب لا يمكن أن تنتج إلا “انتخابانية” رغم كل أشكال الدعاية والبهرجة. فما هي، حسب الدستور المغربي، مظاهر استعمال الانتخابات لتكريس وضعية غير انتخابية؟

أولا: الذي يملك كل السلط لا يتصور في حقه الانتخاب

ينص الفصل الثاني من الدستور المغربي على أن السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية، ورغم أن الحديث عن المؤسسات كان بصفة الجمع فإن المتصفح للدستور يستنتج أن الملك، بصفته “الممثل الأسمى للأمة”، يحتكر كل أشكال ممارسة السيادة، ويملك كل السلط، فالملك حسب الدستور يعين الوزير الأول، ويعين باقي أعضاء الحكومة، وله أن يعفيهم من مهامهم، ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناء على استقالتها، و يرأس المجلس الوزاري، ويصدر الأمر بتنفيذ القانون، وله حق حل مجلسي البرلمان، وله أن يخاطب الأمة والبرلمان، ويتلو خطابه أمام كلا المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، وله حق التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية، ويعتمد السفراء لدى الدول الأجنبية والمنظمات الدولية، ولديه يعتمد السفراء وممثلو المنظمات الدولية، ويوقع المعاهدات ويصادق عليها، باستثناء المعاهدات التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة إلا بعد الموافقة عليها بقانون، ويرأس المجلس الأعلى للقضاء والمجلس الأعلى للتعليم والمجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط، ويعين القضاة طبق الشروط المنصوص عليها في الفصل 84، ويمارس حق العفو، ويمكنه أن يعلن حالة الاستثناء…

هذه بعض صلاحيات الملك المنصوص عليها دستوريا، ويمكن أن نسجل بخصوصها الملاحظات الآتية:

أولا: كان من الممكن أن لا تثير بعض هذه الصلاحيات، ذات الطبيعة الشكلية، أي مشكل شريطة انضباطها لبناء دستوري يقوم على توزيع السلطة وتوازنها، لأن منها مثلا ما نجده حتى بالنسبة للملكيات التي يسود فيها الملك ولا يحكم.

ثانيا: هذه الصلاحيات على أهميتها، ورغم أنها تجلي بوضوح احتكار الملك للسلطة، تبقى ثانوية بالنظر إلى أن الدستور المغربي يجعل الملك فوق الدستور، وأوضح تجل لذلك هو الفصل 19.

ثالثا: انطلاقا من الملاحظة الثانية أعلاه يتبين أنه لا فائدة ولا جدوى من بعض القيود التي وردت بخصوص ممارسة الملك لبعض الصلاحيات، كالشروط المرتبطة بالمصادقة على المعاهدات التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة، والشروط المرتبطة بإعلان حالة الاستثناء…لأن الملك “الساهر على احترام الدستور” لا يضبطه الدستور، وإنما الدستور ينضبط له، وهذا واضح بجلاء سواء من خلال مسطرة وضع الدستور، أو من خلال مضامينه، أو من خلال تأويل الملك له.

الملك إذن يملك كل السلطات، بما في ذلك السلطة التأسيسية، حسب المستشار أحمد رضا اكديرة، الذي اعتبر أن “اللجوء إلى الجمعية التأسيسية ليس ممكنا، لأنها تعرف بأنها المالكة لأسمى سلطة، وبالمغرب فإن الملك وحده يملك هذه السلطة السامية”، وبالمقابل فإن الملك بنص الدستور يبقى فوق الانتخابات بمختلف أشكالها ومستوياتها، وفوق ما يرتبط بها من مساءلة ومراقبة ومحاسبة، مع العلم أن النظام الملكي تطور عبر التاريخ من ملكية مطلقة إلى ملكية مقيدة بالدستور، إلى ملكية انتخابية تحتفظ بصلاحيات رمزية ويكون للهيئات المنتخبة ممارسة السلطة.

ثانيا: الانتخابات لا تؤدي إلى التداول على السلطة

إذا كانت الانتخابات في مفهومها ترتبط بتفويض السلطة من الشعب إلى ممثليه، وتعني مما تعني توزيع السلطة وعدم احتكارها، فإنه من العبث البحث في الدستور المغربي عن شيء اسمه حقيقة الانتخابات، لأن النظام السياسي يقوم على احتكار السلطة و”مركزتها” وعدم السماح بتوزيعها. رب معترض يقول ولكن هناك فصول دستورية تنص صراحة على انتخابات تشريعية ومحلية، ويكون في المغرب بصفة دورية حراك انتخابي وتسابق بين الأحزاب ونقاش حول نمط الاقتراع والتقطيع… وهذا صحيح، لا يمكن أن يجادل فيه أحد، لكن البحث في الأثر السياسي لهذه الانتخابات هو ما جعل بعض الباحثين والإعلاميين يصفونها بانتخابات الوهم، إذ لا طائل من ورائها، بل إنها لا تساهم إلا في تلميع صورة الحكم الفردي، فالبرلمان المنصوص عليه في الدستور المغربي يولد معاقا، ليس فقط بالنظر إلى الانتخابات المزورة التي تنتجه، أو بالنظر إلى كونه يضم مجلسين – في سابقة غريبة- لهما نفس الاختصاصات تقريبا، ولكن أيضا بالنظر إلى العديد من العوائق والكوابح الدستورية التي تفرغه من كل محتوى، منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- التقليص الملحوظ لاختصاصاته بالمقارنة مع تجارب برلمانية أخرى بما فيها التجربة الفرنسية التي تم استنساخ الكثير من عناصرها. ولم يكتف الدستور المغربي بتقييد صلاحيات البرلمان وحصرها، بل أباح عملية تفويض سلطة البرلمان التشريعية – على قلتها- للحكومة، ولم يسمح لهذه الأخيرة بتفويض بعض سلطتها للبرلمان.

2- خضوع البرلمان للحكومة على مستوى الإجراءات التشريعية، بحيث أن الحكومة تتمتع بأولوية مطلقة على البرلمان في المسطرة التشريعية، وذلك من خلال التحكم في جدول أعمال البرلمان، ومنحها امتيازات فيما يتعلق بحق تعديل مقترحات ومشاريع قوانين. هذا مع العلم أنه لا يوجد في الدستور ما يلزم الملك باختيار الحكومة، أو على الأقل وزيرها الأول من الأغلبية البرلمانية.

3- البرلمان في البناء الدستوري المغربي ليس مشرعا مستقلا، ولكنه في خدمة “المشرع الأعظم” الذي هو الملك (الخطاب الملكي لخامس نونبر 1984)، فالملك يتحكم في القانون منذ اقتراحه إلى أن يصبح نافذا، ويتحكم في البرلمان عبر عدة وسائل (افتتاحه لدورتي البرلمان، رئاسة مجلس الوزراء، إصدار الأمر بتنفيذ القانون، حق الاستفتاء، حق حل مجلسي البرلمان، التشريع في حالة الاستثناء والحالة الانتقالية…)

هذا المنصوص عليه صراحة في الدستور، أما المنصوص عليه ضمنيا حسب الفصل 19، ورمزيا من خلال اللباس التقليدي عند افتتاح البرلمان، هو أن الملك أب الجميع وفوق الجميع، وهو الذي منح ويمنح الدستور والحكومة والبرلمان والانتخابات والسياسة العامة والبرنامج الحكومي… ومن يمنح من حقه أن يمنع، وأمثلة المنع كثيرة كما هي أمثلة المنح.

الانتخابات في المغرب إذن، وبقوة الدستور، لا تؤدي إلى امتلاك السلطة والتداول السلمي عليها، وإنما تتحدد وظائفها- بشهادة العديد من الباحثين- فيما يلي:

– تعيين ممثلين ينفذون الاختيارات التي يحددها الملك.

– دعم الدور التحكيمي للملك.

– إضفاء الشرعية الديمقراطية على نظام الحكم.

– استقطاب النخب وتدجينها.

– قياس تمثيلية الأحزاب من خلال السماح بهامش ضيق للتنافس في مقابل ما يتم “طبخه” عبر نظام “الكوطا”.

– امتصاص غضب الشعب.

قد أعود في مناسبة لاحقة إن شاء الله إلى الحديث عن هذه الوظائف بشيء من التفصيل، لكن يمكن القول بصفة عامة أن الانتخابات في النظام الدستوري والسياسي بالمغرب تؤدي العديد من الوظائف باستثناء الوظيفة الحقيقة للانتخابات كما هي متعارف عليها ديمقراطيا، لتكون النتيجة الفتل في نظام حكم فردي، رغم كل الشعارات القديمة والجديدة.

مفارقات لها دلالاتها

التذكير بالمضمون الدستوري أعلاه ضروري لتقييم شعار “المجتمع الديمقراطي الحداثي” الذي تم التغني به كثيرا في بداية حكم الملك محمد السادس. تحدث القوم عن عهد جديد مع أن أمورا كثيرة لم يتغير منها شيء، من أولها وأخطرها المضمون الدستوري، الذي تمت على أساسه انتخابات 2002، والذي يبدو أن لا تغيير بخصوصه في انتخابات2007. لم يغير الملك الدستور، ومع ذلك استبدلت بعض القوى موقف المقاطعة بموقف المشاركة! وبح ذلك الصوت الذي كان ينادي “دستور ممنوح في الزنقة يبقى مليوح”… تناقضات ومفارقات جديرة بالبحث والتأمل.

أولا: الملك محمد السادس يحكم بدستور أبيه

من القوم من يصف عهد الملك محمد السادس بالانتقال الديمقراطي، ومنهم من يذهب أبعد من ذلك ويقول أن الانتقال انطلق مع حكومة اليوسفي ونحن الآن في مرحلة ما بعد الانتقال، كلام يصرح به بعض الزعماء في مؤتمراتهم وعلى المنابر الإعلامية، مع أن أدنى اطلاع على تجارب الانتقال يبين أن التغيير، الجوهري وليس الشكلي، في الوثيقة الدستورية يشكل منطلق كل انتقال حقيقي. ومن المفارقات العجيبة في هذا الصدد أن الملك الحسن الثاني كان يقوم بمراجعات أو تعديلات دستورية عند كل انتخابات. فانتخابات 17 ماي 1963 تمت على أساس دستور 1962، وانتخابات 1970 تمت على أساس الدستور الذي قدم للاستفتاء في 8 يوليوز 1970، وانتخابات 1977 كانت على أساس دستور 1972، وانتخابات 1984 سبقها تعديل دستوري للفصول 31 و43 و95 من دستور 1972، وانتخابات 1993 كانت على أساس مراجعة جديدة للدستور في 1992، وانتخابات 1997 سبقها دستور 13 شتنبر1996، كل هذه التعديلات تمت في نفس العهد، أي عهد الحسن الثاني، الذي كان يفرض نوعا من الاستقرار الدستوري، وفي المقابل تم الاحتفاظ في “العهد الجديد”، الذي كان يفترض تغييرا دستوريا، بدستور”العهد القديم”!!!

ومن نافل القول التأكيد على أن التعديلات التي كانت تجري في عهد الحسن الثاني تعديلات شكلية لا تمس الجوهر الذي تحدثت عنه آنفا، بل على العكس من ذلك كان الغرض منها، بالنظر إلى توقيتها، تخطيط استباقي لمؤسسات وأدوار ما بعد الانتخابات حتى لا يكون لها تأثير على جوهر النظام السياسي من جهة، ومن جهة أخرى جلب الناخبين والقوى السياسية للمشاركة في الانتخابات، من خلال الاستجابة لبعض المطالب الجزئية.

إن لهذه المفارقة العجيبة، أي اعتماد الملك محمد السادس على دستور أبيه في الحكم، دلالات أحددها فيما يلي:

– تأكيد اختيار الاستمرارية، وسقوط أطروحة “عهد قديم” و”عهد جديد”، وتشبث واضح بنظام سياسي على أساس المضمون الدستوري الذي سبق الحديث عنه.

– غياب أي ضغط أو نضال دستوري يحتاج معه الملك للاستجابة ولو لبعض المطالب الدستورية البسيطة.

– استعداد الكثير من الأطراف السياسية للمشاركة في الانتخابات دون الحاجة إلى جلبها بتعديل دستوري، ولو شكلي.

– كل ما سبق يؤكد أن انتخابات 2007 هي الأخرى ستصرف عليها الجهود والأموال لتكريس وضعية غير انتخابية.

قد يكون هناك تعديل للدستور في الأيام القابلة، لكن سيكون دافعه الأساس مشروع الحكم الذاتي، وليس إحداث تغيير جوهري في المضمون الدستوري، مما يعني استمرار دار لقمان على حالها.

ثانيا: ما فائدة الاستشهاد بمحاضرة “بروكسيل”؟

مفارقة أخرى لا تقل غرابة، بعض الزعماء السياسيين في حواراتهم ومقالاتهم يستدلون بمحاضرة الوزير الأول السابق عبد الرحمان اليوسفي ببروكسيل، التي قيم فيها تجربة حكومة ما سمي ب”التناوب”، ليؤكدوا أن المغرب يعرف فعلا أزمة مؤسسات، وأن الحكومة والبرلمان وباقي مؤسسات الدولة لا سلطة حقيقية لها، وأن القرار السياسي يدبر خارج تلك الأجهزة الشكلية… وفي نفس الآن تجدهم منغمسين بصفة كلية في اللعبة الانتخابية، يبحثون عن طريق للوصول إلى تلك المؤسسات الشكلية بأي ثمن، ويقدمون وعودا وينسجون من الخيال آمالا، فهل هي سذاجة سياسية مفرطة؟ أم أن زمن النضال من أجل الصالح العام قد ولى إلى غير رجعة ليحل محله نضال المصالح الشخصية والمقاعد المريحة في مؤسسات شكلية؟

معارضة “قديمة” تخلت، بعد أن “تمخزنت”، عن الكثير من المطالب الدستورية، وتراجعت القهقرى، فمن المطالبة بمجلس تأسيسي للدستور، إلى التسليم بدستور ممنوح لكن مع بعض التعديلات الجوهرية، إلى المشاركة على أساس تعديلات شكلية، إلى إجماع على المضمون الدستوري المبين بالكيفية أعلاه والتخلي تقريبا عن المطالبة “بالإصلاح الدستوري”. فإصلاح الدستور حسب رموز “الأغلبية” الحالية لا يشكل أولوية الآن، ولا ينبغي التشويش على “مقترح الحكم الذاتي” بتقديم مطالب دستورية! وكأن القوم يغيب عنهم أن من أسباب حل مشكل الصحراء وجود نظام حكم عادل. ومن أغرب ما سمعت أن الوقت غير كاف الآن -حسب أحد الزعماء- لتقديم مطالب دستورية لأن انتخابات 2007 على الأبواب، ولنا أن نسأل أين كنتم؟ وأين كانت المطالب الدستورية قبل الآن؟ منذ 2002 وقبل 2002!!

أما المعارضة “الجديدة” والتي تعرف هذه الأيام تفريخا حزبيا، كما جرت العادة قبيل كل انتخابات في المغرب، فمن أقطابها من رفع شعار “النضال من داخل المؤسسات”، أي مؤسسات؟ المؤسسات التي تحدث عنها اليوسفي في بروكسيل، وهو نفس الشعار الذي رفعته سابقا أحزاب أخرى، كانت أقوى تنظيما، وأكثر جماهيرية، وأشد حرصا على المبادئ الإيديولوجية، لكن ماذا كانت النتيجة؟

كانت النتيجة، بكل وضوح، تقوية ملكية تنفيذية، وإضعاف باقي الفاعلين السياسيين، والتسليم بميزان القوة المختل، إلى درجة أصبحنا معها نسمع زعيما سياسيا يطمئن الخائفين من وصول حزبه إلى الحكومة بأن لا مجال للخوف، لأن الحكومة ليس لها من الأمر شيء، فالقرارات الهامة بيد الملك! ولنا أن نسأل هذا الزعيم، إذا كان ذلك كذلك لماذا تريدون الوصول إلى الحكومة؟ وتتعبون الشعب بانتخابات وهمية؟ وتتعبون أنفسكم بإعداد برامج سياسية!!؟…

مفارقات ومفارقات “فاعتبروا يا أولي الأبصار”.