“الحكومة الملتحية” هو عنوان الكتاب الأخير للدكتور عبد الكبير العلوي المدغري وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق. وفي رأيي أن هذا العنوان لا يخلو من سخرية من الإسلاميين، وخاصة أولئك الذين اختاروا السيرَ في ركاب المخزن والعملَ السياسي بشروطه وتحت عباءته.

الدكتور العلوي المدغري المخزنيُّ الصريحُ، والدكتورُ العلوي المدغري الباحثُ والكاتب و”الفقيه المجتهد” وجهان لعملة واحدة. فالعلم والثقافة هنا واجهة يسكن وراءها القابلية والأهلية والاستعداد لتلقي التعليمات المخزنية والاجتهاد في تنفيذها. فمكانةُ رجل المخزن وامتيازاتُه، في الدولة المخزنية، كاتبا كان أو مُفتيا أو فنانا أو غير ذلك من المهن والتخصصات، إنما يكونان بمقدار ما يبديه ويبرهن عليه، قولا وعملا، من قدرة ذاتية على تمثل روح المخزن واستيعاب سياساته وهضم قراراته ومعرفة مقاصده وغاياته. وفي اعتقادي أن الدكتور المدغري استطاع أن يثبت من خلال ثماني عشرة سنة من الخدمة في عهد “تازمامرت” أنه واحد من رجالات المخزن بلا منازع. وعلى الشّاكين أن يراجعوا الدروس التي كان يلقيها المدغري بين يدي الملك عند افتتاح الدروس الحسنية، ويطالعوا من كتبه كتابَ “ظل الله” خاصة، فضلا عن استجواباته الصحفية، وهي قليلة، وخطبه في بعض الندوات والجامعات التي كانت تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

الدكتور العلوي المدغري هو وزير الأوقاف السابق، وقد شغل هذه الوظيفة في ظل الملك الراحل من سنة 1984 إلى سنة 2002. وقد كان ولا شك، مع إدريس البصري، وزير الدولة في الداخلية، من خدّام المخزن الأوفياء، وما كان لهم أن يدوموا في الوزارة كل هذا الوقت لولا خدماتهم المتميزة وقدرتهم على فهم التعليمات وتنفيذها وبلوغ الأغراض المتوخاة من ورائها وزيادة. باختصار، أليس الدكتور المدغري الوزير هو القائل في أحد استجواباته الصحفية: “الشؤون الإسلامية والأوقاف تعتز دائما بإشراف أمير المؤمنين جلالة الملك، ومهمتها الأساسية هي السهر على تطبيق وتنفيذ التعليمات الملكية السامية”؟ مهمته الأساسية هي تنفيذ التعليمات السامية؛ هذا كلامه.

وقد كان من المهام السياسية الأساسية لوزراته- وقد قطع في التنفيذ شوطا لا بأس به- طبعا وفق التعليمات العليا وتحت إشرافها، لأن الوزير في دولة المخزن عونٌٌ سام لا يملك أن يقرر أو أن يجتهد خارج ما يرسمه الملك من سياسات وتوجيهات، وما يصدره من أوامر وقرارات- كان من مهام وزارته، أولا، ترسيخُ سلطة الملك المطلقة بما هو أمير المؤمنين، الذي يرجع إليه أمر الحل والعقد في الشاذة والفاذة من أمور “الرعية”، و ثانيا، تحويلُ مؤسسة العلماء إلى بوق تابع للدولة، وإلى آلة لصناعة الفتاوى حسب حاجات المخزن وسياساته، وذلك بما يكرس ويثبت أن الملك هو “أمير المؤمنين”، وأنه لا فتوى في الدين ولا اجتهاد ولا رأي إلا بإذنه ومباركته ورضاه، وثالثا، التحكم في مسار الصحوة الإسلامية بما يجعلها صحوة لخدمة سياسات النظام المخزني، محسوبة تحركاتُها، وموزونة أعمالُها، ومتحكم في توجهاتها وغاياتها، فضلا عن ترويض قادتها وأهل الفكر والدعوة فيها، وجعل ولائهم خالصا لأمير المؤمنين.

كان من مهامه، دائما بتعاون وتنسيق مع الداخلية، إخضاعُ جميع مكونات الصحوة الإسلامية المغربية. وإذا كانت مساعيه الترويضية الاحتوائية الإخضاعية لم تنجح مع جماعة “العدل والإحسان”، فإنها، في اعتقادي، نجحت مع حركة “التوحيد والإصلاح”، حيث تم إدخالها في طاحونة المخزن منذ كانت في المهد، أي بعد إعلان الانفصال عن الشبيبة الإسلامية وتأسيس “جمعية الجماعة الإسلامية”، ثم الانتقال إلى “الإصلاح و التجديد”، ف”التوحيد والإصلاح”، بعد الاندماج والتوحد الذي تم مع “رابطة المستقبل الإسلامي” سنة1996. وقد دام هذا الترويض والاختبار ما يقرب من عشرين سنة. ورغم كل ذلك ما يزال المخزن يملكه الشكُ والتوجس والتردد في شأن ولاء حركة التوحيد والإصلاح للنظام المخزني، وكذلك الأمر مع حزب العدالة والتنمية الواجهة السياسة لهذه الحركة.

هذا الرجل النموذجي في مخزنيته وولائه وتفانيه في خدمة الاستبداد والاستعباد يتحول بين يوم وليلة، لأنه يحسن الكلام وتأليف الأفكار، إلى باحث وناقد و”مجتهد” و”عالم فقيه” في شأن الصحوة الإسلامية العامة وواقع الحركات الإسلامية وآفاقها السياسية القريبة والبعيدة!!! ويُراد لنا، وبكل وقاحة، أن نحفظ وجَه المدغري المفكر الكاتب، وننسى وجهه المخزي الساكتِ عن الحق، كان وما يزال. كان وزيرا، ثم “أُعيد نشرُه” اليوم، كما يُعاد نشرُ القوات المقاتلة، لخدمة الدولة المخزنية في جبهة أخرى.

وليس يهمني من كتابه الأخير(الحكومة الملتحية) الجانب الفكري الفقهي، ولا ما أورده المؤلف من اجتهادات له أو لغيره في قضايا تتعلق بالإسلام وتطبيقاته، كقضايا التكفير والردة، وتطبيق الشريعة، والجهاد والاجتهاد والشورى والديمقراطية…وكذلك لا يهمني ما ورد في الكتاب من تحليلات ونقاشات لما يثيره الوجود السياسي للحركات الإسلامية من اعتراضات وتخوفات وتساؤلات.

في رأيي أن من حق المؤلف، في الجانب الفكري العلمي ، أن يقول برأيه ما يحلو له، وأن يجتهد، حسب علمه وفهمه وأدواته، وللنقاد أن يردوا عليه، ولمخالفيه أن يعترضوا على مقالاته، وللناس، عموما أن يقبلوا كلامه أو يردوه، كليا أو جزئيا. إن كلامي في هذه الانطباعات ليس على الرجل المفكر الباحث المجتهد، وإنما على الرجل المخزني الذي ما يزال في خدمة النظام المخزني منذ أكثر من 20 سنة، منها 18 سنة على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

كيف يمكن لهذا الرجل أن يتحول إلى عالم باحث موضوعي محايد في مسألة هو فيها طرف رئيس، أي أن موقفه فيها محسوم لصالح دولة الجبر والتعليمات؟

في هذه الانطباعات المختصرة أريد أن أقول ثلاث كلمات في موضوع البيعة وإمارة المؤمنين؛

الكلمة الأولى هي أن السيد المدغري حينما يحاول خلطَ صفاء الأصل الإسلامي بضباب الفكر الجبري وركاكة الاجتهاد المخزني، تتغوّل عليه السبلُ وتضعف فيه مهارة الاحتيال والتأويل والتبرير، فإذا باجتهاداته وتأويلاته خلقٌ خداج لا يُعرف له قبيلٌ من دبير؛

فإمارة المؤمنين عنده “لم يعد لها وجود في معظم البلدان الإسلامية…”(ص102). وكلمة (معظم) تعني أن الكاتب يستثني من هذا الحكم إمارة المؤمنين في المغرب، التي يعتز بها المدغري ويعظمها ويضعها فوق رأسه ويفخر برسوخها في تاريخنا ودستورنا، وفي تقاليدنا وأعرافنا(ص270).

وإمارة المؤمنين، عند المدغري أيضا، “ليست كلاما يُلقى على عواهنه، وليست شعارا سياسيا أجوف، وليست خلعة يخلعها الأمير على نفسه في المناسبات الدينية ثم يطرحها بعد ذلك”. وعنده “أن ذكر إمارة المؤمنين ليس معناه التمسك بنظام تيوقراطي أو التمسح بما يسمى بالمقدسات وما ترمز إليه من نظام تقليدي تاريخي”. “إن إمارة المؤمنين- في كلام المدغري دائما- ميثاق غليظ وأمانة عظمى، والتزام كامل بحفظ العقيدة والشريعة، والحكم بما أنزل الله، والتقيد بالكتاب والسنة حسا ومعنى”(ص102). ونكتفي بالوقوف عند عبارته من النص الأخير: التزام كامل بحفظ العقيدة والشريعة، والحكم بما أنزل الله، والتقيد بالكتاب والسنة حسا ومعنى .

ويسأل مثلي من البسطاء وهو يقرأ هذه العبارة الأخيرة: أين نحن في المغرب من الالتزام الكامل بحفظ العقيدة والشريعة؟ أين قوانيننا وأنظمتنا ومؤسساتنا وكل أحوالنا من الحكم بما أنزل الله؟ أين واقعنا، في كل صغيرة فيه وكبيرة، من التقيد بالكتاب والسنة حسا ومعنى؟ هل نحن مخَدّرون إلى هذه الدرجة التي يسمح فيها الدكتور المدغري لنفسه أن يقول مثل هذا الكلام وهو مطمئن أنه لن يكون هناك من الناس من يكذبه ويردّه؟ هل وصلنا إلى هذا الحضيض الذي بات فيه الكذب الصريح أكثر من الصراحة يُنشر على أنه من الحقائق التي لا يرقى إليها شك، وأن على قلوب الناس أن تنطوي عليه بالإيمان والتصديق؟

خلا لك الجو فبيضي واصفري

ونقري ما شئت أن تنقـــــــري

خلا لك الجوُّ يا دكتور، فقل ما يحلو لك، و”اجتهد” ما وسعك هذا السكوت الذي يؤمنه لك الاستبداد المخزني. أما العلماء، فقد كنت ممن عمل على تحويل مؤسستهم قاعا صفصفا لا تتردد فيه إلا أصداء الأوامر والتعليمات، وكنتَ ممن ساعد على ترويضهم وإخضاعهم حتى باتت لهم، حسب عبارتك، “مواقف مخزية خذلوا فيها الشريعة والإسلام والأمة خذلانا مهينا، رغبا أو رهبا، لم يردعهم رادع لا من الدين ولا من الخلق”(ص243). يتحدث الدكتور عن علمائنا وكأنه لا يعرفهم، وكأنه لم يكن قط وزيرا مخزنيا قويا على رأس الأوقاف والشؤون الإسلامية، ثمانية عشر عاما، ينفذ التعليمات السامية؛ وكأنه لم يكن له اليد الطولى في تحويل العلماء إلى ما صاروا إليه اليوم؛ وكأنه لم يكن، في يوم من الأيام، على رأس هؤلاء العلماء، يسوقهم سوقا، بقوة الجبر والتعليمات، ليكونوا رهن إشارة أمير المؤمنين، لا يلاحظون، ولا يغضبون، ولا يعقبون، ولا يرفضون؛ وكأنه لم يسمع الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، يوصي العلماء بأن يكونوا بجانب العمّال كالناهي عن المنكر بقلبه، لا يهتمون ولا يحتجون.

أين هو، في المغرب، الالتزام الكامل بحفظ العقيدة والشريعة، والمدغري نفسه يشهد في كتابه بوجود مظاهر وسلوكات وقوانين وسياسات تخالف شريعة الإسلام، بل ذهب، في سياق انتقاده لتجربة حزب العدالة والتنمية، أن “هذه الأمور المخالفة للشريعة ستبقى موجودة قائمة” وإن فاز الحزب في انتخابات 2007، وشكل الحكومة، وكانت جميع السلطات بين يديه(ص365). إذن، أين هي إمارة المؤمنين التي هي التزام كامل بحفظ العقيدة والشريعة؟

في المغرب المسلم، مثلا، يومُ الجمعة، وهو عيد المؤمنين الأسبوعي، هو يوم عمل، وهو أيضا اليوم الذي تختاره الدولة المخزنية للانتخابات، والأمر في ذلك بيد الملك أمير المؤمنين. وفي مغرب “أهل السنة والجماعة”، ومغرب “المذهب المالكي الحنيف”، ومغرب “إمارة المؤمنين”، الخمر، وهي أم الخبائث، تغزو جميع أركان البلاد وتتسبب في ما لا يُحصى من الجرائم والمنكرات، والأمر في ذلك بيد أمير المؤمنين، لأن تجارة الخمر في البلاد ورواجها إنما ينظمها ظهير صادر عن القصر الملكي سنة 1967. لماذا هذا “الامتياز القانوني” لأم الخبائث؟ لماذا لا يرجع الأمر للبرلمان، أو للمجالس المحلية، مثلا؟ ماذا في الخمر، أم الخبائث، حتى تستحق أن يهتم بها ظهير ملكي؟ !!!

فماذا عندنا من إمارة المؤمنين غير الطقوس الشكلية والتقاليد والعادات؟ وهل من أثر لهذه الإمارة، في واقعنا، غير الكينونة فوق القوانين والمؤسسات والمراقبة والمحاسبة؟ وهل من تميز لهذه الإمارة عندنا غير الاستبداد بشؤون السياسة والدين من غير رقيب ولا حسيب؟ !!

وكلمتي الثانية في إمارة المؤمنين أن المدغري أبى إلا أن يثبت في كتابه اجتهادا مخزنيا غريبا يتعلق بمفهوم كلمة “المؤمنين” في عبارة “إمارة المؤمنين”، حيث جعلها تتعدَّى في مُسمَّاها المسلمين لتشمل اليهود والنصارى أيضا. بل إنه حصر مفهوم إمارة المؤمنين، حسب لفظه، في “رئاسة دولة المؤمنين بما فيهم الملل الأخرى التي تتعايش معهم في نفس الوطن من مسيحيين ويهود وغيرهم”(ص102). وهذا تفسير لم يقل به أحد فيما نعلم من تاريخ استعمال عبارة “إمارة المؤمنين”. أما المشهور المعروف أن مفهوم “المؤمنين”، منذ بداية استعمال هذا اللقب، كان دائما محصورا في المسلمين. ويحدثنا التاريخ أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بعد توليته، كان يُدعى بخليفة خليفة رسول الله، فقال، رضي الله عنه: هذا أمر طويل… بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فسُمّي أمير المؤمنين.(للاستزادة في هذا الموضوع، أنظر مقالتنا السابقة ” مقمعة أمير المؤمنين”)

فإن كان همّ الدكتور المدغري من وراء هذا التفسير أن يبيّن، كما تسعى الدولة المخزنية دائما أن تفعل، أن المغرب المسلم يتميز بتسامحه الكبير جدّا تجاه مواطنيه وغير مواطنيه من غير المسلمين، وأن المغاربة جميعا هم مواطنون من درجة واحدة متساوون في مختلف الحقوق لا فرق فيهم بين مسلم ويهودي ونصراني وغير هؤلاء من المذاهب والديانات ـــ إن كان هذا هو همّ السيد المدغري، فلماذا اللجوء إلى هذا التفسير الشاذ الذي ليس له ما يعضده لا من تاريخ ولا لغة ولا استعمال. أما المغاربة المسلمون فليسوا بحاجة إلى مثل هذا الاجتهاد المخزني المضحك ليثبتوا أنهم متسامحون، لأن لهم، أولا وأساسا، من دينهم، في قرآنهم وسنة نبيهم، صلى الله عليه وسلم، ما يجعلهم مثالا في المواطنة الحقة متسامحين متراحمين متعاونين، بل إن التاريخ القريب والبعيد ليشهد أن غير المسلمين من أهل الديانات الأخرى قد كانوا دائما مواطنين من الدرجة الأولى وأكثر في البلاد الإسلامية، ويكفي أن ننظر اليوم إلى حال الأقباط في مصر، مثلا، واليهود في المغرب…

وكلمتي الثالثة تتعلق بموضوع البيعة؛ فحينما يرجع الدكتور المدغري إلى الأصل الإسلامي الصافي من قاذورات الفكر الجبري، فإنه لا يملك إلا أن يصف عقد البيعة بأنه “العقد الذي يسمح للأمة أن تشترط شروطها وتحدد الالتزامات والمواثيق، وتفرض على أمير المؤمنين الالتزام بتحقيق الشروط والوفاء بالعهود. وقد يختصر ذلك كله بالإحالة في نص البيعة على نص الدستور الذي يضع الإطار العام للضوابط التي لا يمكن لرئيس الدولة أن يخالفها.”(ص103)

وإني أدعو القارئ الكريم أن يتأمل العبارات التي جعلت تحتها سطرا، وأن يقارن مضمونها وما توحي به من المعاني الشريفة العالية بواقعنا السياسي المتردي في حضيض الاستبداد والاستعباد والفساد والإفساد. لا يملك الدكتور المدغري حينما يكون مضطرا أن يقف عند المنبع الإسلامي الصافي، إلا أن يقول ما قال؛ لكن ما قاله، وهو حق، في واد، والواقع المعيش الذي كان المدغري، وما يزال، واحدا من المشاركين في صناعته، إما بتنفيذ التعليمات والاجتهاد في طرائق التنفيذ وأشكاله، وإما بالسكوت الشيطاني، وإما بالكتابة المتحيزة والتمكين لفقه الاستبداد باسم التفتح والاجتهاد والتسامح وغيرها من شعارات المزورين ورايات الشياطين الخُرْس الخاسئين، في واد آخر.

ومع أن النهار لا يحتاج إلى دليل، فإني أريد أن أطرح على السيد المدغري ومن يلفّ لفّه سؤالين بريئين يتعلقان بالبيعة التي عُقدت للملك محمد السادس، وأتمنى أن أقرأ عنهما جوابا علميا شافيا مُعلَّلا هنا أو هناك فيما يكتبه كتاب المخزن وعلماؤه ومجتهدوه ومُفتوه؛

السؤال الأول: هل عندنا في تاريخ البيعات التي عُقدت لملوك المغرب بيعةٌٌ كان فيها واحدٌ أو أكثر من المبايِعين(بصيغة الفاعل) من غير المسلمين؟ وما معنى أن يشارك يهودي، مثلا، في بيعة معناها ومبناها ــ وهذا هو المفترض في بيعة إسلاميةــ راسخ في عقائد الإسلام التي تخالف، بالضرورة، عقائد اليهود؟ وليس في الشطر الثاني من السؤال أي إساءة لليهود، لأن العبارة لا تتعدى وصف الحقيقة التي يقر بها اليهود كما يقر بها المسلمون، وإلا لما كان هناك فرق بين الديانتين.

السؤال الثاني: ما معنى أن يُستدعى كبار رجالات الدولة، الذين ليس لهم من خيار إلا أن يستجيبوا، إلى حفل رسمي تغلب عليه البروتوكولات الشكلية، للتوقيع في ورقة سمّاها الإعلام الرسمي عقدَ بيعة؟ أين هذا الحفل الرسمي بطقوسه المخزنية الشكلية من عقد البيعة الذي من مميزاته، حسب كلام السيد المدغري، أن الأمة “تشترط فيه على رئيسها شروطا وتقيده بمواثيق…”؟

وبعد، فأين هي هذه الشروط التي اشترطتها الأمة على أمير المؤمنين في عقد البيعة، وها هو ذا نص البيعة بين أيدينا ليس فيه إلا الطاعة لأمير المؤمنين بلا قيد ولا شرط؟ أليس السيد المدغري، في المشهور من الروايات، هو من كتب هذا النص؟ أين هي حقوق الأمة في هذا النص؟ أين هي الالتزامات الواجبة على المُبايَع(بصيغة المفعول)؟ أين هي، في النص الذي بين أيدينا، الإحالةُ على الدستور “الذي يضع الإطار العام للضوابط التي لا يمكن لرئيس الدولة أن يخالفها”؟ أين، في هذا النص الذي بين أيدينا، والذي قد يكون الدكتور المدغري أشرف أو شارك في صياغته، ما يفيد التراضيَ والتعاقد والتبايع والتشارط، أي ما يفيد التفاعل والتشارك؟

في جملة، أين في نص البيعة التي عُقدت لمحمد السادس ما يُعلم منه أن الأمة قد اشترطت شروطا، وأن على أمير المؤمنين الالتزام بتحقيق الشروط والوفاء بالعهود، حسب عبارة السيد المدغري المنقولة سابقا؟

ليس في نص البيعة شيء من هذا، بل هي تسليم في تسليم، وخضوع في خضوع، وتأكيد للواقع، وهو أن الملك أمير المؤمنين هو صاحب السلطات المطلقة، لا يراجع ولا يحاسب، ولا تُشترط عليه شروط، بل هو من يفرض الشروط، وعلى الجميع السمعُ والطاعة في جميع الأحوال.

إن كلامي هنا على البيعة التي تمت يوم 23 يوليوز1999، والتي يُستفاد من نصها المنشور أن الموقعين عليه إنما وقعوا على الطاعة المطلقة للملك من غير قيد ولا شرط. وهاهي ذي أهم فقرات نص هذه البيعة المخزنية: “… إن أصحاب السمو الأمراء وعلماء الأمة وكبار رجالات الدولة ونواب الأمة ومستشاريها ورؤساء الأحزاب السياسية وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية الموقعين أسفله… يقدّمون بيعتهم الشرعية لصاحب الجلالة والمهابة أمير المؤمنين سيدنا محمد بن الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن… ملتزمين بما تقتضيه البيعة من الطاعة والولاء والإخلاص والوفاء في السر والعلانية والمنشط والمكره طاعة لله واقتداء بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سائلين الله لأمير المؤمنين طول العمر ودوام النصر والعز والتمكين”.

وليس يخفى أن عبارة النص تفيد بصراحة ما بعدها صراحة أن الأمر يتعلق بالتزام مفروض على طرف واحد، وهم الموقعون، وأنه ليس هناك أي التزام صريح ولا ضمني على الطرف الآخر، وهو الملك. وهل كان يستطيع أحد ممن استُدْعوا لحفل التوقيع أن يقول “لا”؟ بل ها نحن قد كدنا نخرج من الجد إلى الهزل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

مراكش: 07 مارس 2007