من الديموقراطية إلى الشورى

أولا: استهلال.

لا ينفك الخطاب التحليلي في المغرب، الذي يتوخى الموضوعية ولو قليلا، أن يبرهن على حقيقة النفق الذي ستؤول إليه الأوضاع السياسية والاجتماعية في المغرب، بل الآيلة إليه، لكن قليلا ما نجد شيئا من الصراحة والوضوح في عرض المخرج واختيار المدخل المناسب لتجنب مسالك الأنفاق القاتلة، ذلك أن درجة تعقد الوضعين السياسي والاجتماعي المغربي بين يدي إصرار الدولة/النظام والنخبة المتحالفة معها على عدم السماح بفضاء الحرية، الذي يمكن من تحقيق الاختيار الحقيقي للمخرج المناسب، تشكل عائقا علميا ومنهجيا يحول دون توفر القدرة والكفاءة العلميتين لاختراق هذا الواقع المأزوم. هذه المقالة تحاول أن تخوض بروح ناقدة عاملة على تجديد عناصر تركيب الواقع السياسي والاجتماعي في المغرب بناء على منهج تحليلي مقارن يتوخى الموضوعية، لأن الموضوعية هي مطابقة نتائج التحليل كحقيقة للنتائج الواقعية، وليس معناها الخضوع كليا للمعطى الواقعي، بل إن هذا الخضوع هو العامل في أن لا تكون النتائج موضوعية حيث يوجهها مسبقا حين اعتياره معطى كلي في عملية التفكير. ولذلك سيكون الحرص على الوقوف على الحقيقة الأهم في هذه المقالة، وهو أمر لا يتعارض مع انتماء صاحبها لمشروع العدل والإحسان، بل سيكون من مؤيداته الحاسمة.

إنها محاولة تروم الموضوعية، لكنها لا تتنازل عن قناعات كلية هي معايير النظر والتقييم والتقويم. وتلك قمة الموضوعية في زمن المسخ الإنساني الثقافي والفكري والخلقي…

ثانيا: شروط المشروع المجتمعي الفاعل.

لاشك أن ما يعيشه المغاربة أفرز نقاشا داخليا مكثفا، وأن جميع الأطراف أدلت بما تراه حلا قد يدفع عن المغرب خيار السقوط في الانهيار الشامل على الرغم من المفارقة الحاصلة بسبب غياب فضاء الحرية القادر على استيعاب كل النقاشات في جو توازني عادل، حيث هناك من يتكلم من موقع السلطة والتحكم، وهناك من يتكلم من موقع المعارضة البرلمانية، وهناك من يتكلم من بين فرت ودم، وهناك من يتكلم من برجه الخاص، سواء أكان هذا البرج برجا فكريا أو برجا يستند إلى رصيد نضالي وطني أو سياسي معزول.

وقبل أن نعرض لأهم الاقتراحات في محاولة نقدية مقارنة، لا بد من التذكير بأن الحوار الذي لا يتأسس على واقع الحرية الكاملة لا يمكن إلا أن يفضي إلى نتائج عرجاء حتى وإن اكتملت جميع فصوله.

هذا، ومن المعلوم أن المغرب أبعد من أن تترسخ فيه مواطن نظام ديموقراطي، لاعتبارين أساسين:

اعتبار عملي: عجز البنية الحزبية والنفسية والفكرية والتصورية والذاتية لدى الدولة/النظام والنخبة المغربة عن أن تقيم واقعا ديموقراطيا نظرا لأن روح هذه البنية ترتكز على الجوهر الاستبدادي المخزني وعلى منطق الإقصاء والتهميش المتعارضين مع الممارسة الديموقراطية في بعدها العملي. بالإضافة إلى الواقع الذاتي لدى النخبة بكل ألوانها.

الاعتبار الثاني: “فلسفي”، (تربوي سياسي اجتماعي تاريخي) حيث إن أصول الشعب المغربي بمرجعيتها الإسلامية لا يمكن أن تنسجم، بل متعارضة، مع فلسفة النظام الديموقراطي المنبنية على القطيعة التامة مع هيمنة الدين في تدبير الشأن العام. علما بأن الدين الإسلامي ليس هو دين الكنيسة.

ولذلك نحن أمام خيارين، إما أن نقنع الشعب المغربي بأن يتخلى عن دينه لصالح النظام الديموقراطي بكل تبعاته، ولهذا فعلى المعنيين بهذه العملية التحويلية أن يحدثوا قطيعة كلية في مسار المجتمع المغربي بأن ينزاح كلية عن تاريخه وماضيه. وإما أن يبني مستقبله بناء على أصوله وتاريخه وما يريده للإنسانية وما يحمله إليها من رسالة.

والحقيقة أن الدولة والنخبة المتحالفة معها، خاصة زمن العهد الجديد، استطاعت أن تقطع أشواطا في الباب، ولكن مايجري في الواقع من تفسخ وانحلال، ترتب عليه تذمر كبير في صفوف الشعب المغربي وهو ما يفسر الإقبال الكبير للشباب على الالتزام الديني كما يفسر تصويت كثير من الناخبين اللامنتمين لصالح بعض الإسلاميين المشاركين في بعض الانتخابات.

قد يبدو للبعض أن هذا كلاما مبسطا وسطحيا، بحيث يجعل التقابل بين النظام الإسلامي والنظام الديموقراطي تقابلا جوهريا مما يفهم منه أنه تعارض بين النظامين، ذلك أن هناك أمما، كاليابان مثلا، أخذت بالنظام الديموقراطي مع حفاظها على أصولها الدينية. لكن ما ينبغي الانتباه إليه، مع الاستفادة من باقي الأمم ومن حركتها في التاريخ، أن الدين الإسلامي ليس دينا وثنيا بحيث يرتبط ببعض الطقوس لها عمقها الروحاني وكفى، بل هو دين شامل متكامل يعالج أدق التفاصيل الحياتية بماهو دين الله تعالى الذي ارتضاه لعباده، أما أن ننزل بدين الله عز وجل لمقارنته مع ديانة وثنية فذلك خطأ قادح وخلط فظيع وقع فيه حتى بعض العاملين في الحقل الإسلامي.

وما يمكن أن يستفاد في الباب هو أن الأمم يمكن أن تتعلم من غيرها في إطار التواصل البشري العام، وأن التحول التاريخي والجذري إنما يحصل بناء على واقع تواصلي حواري بين الأمم وأصول حضاراتها، وهذا خلاف ما نجده في خطاب وفعل النخبة والدولة على السواء عندنا، حيث الحاصل انسلاخ كلي ليس عن القيم الدينية، بل كذلك عن جوهر الإسلام إذ صارت الهوية، في ذلك الخطاب، طقوسا وعادات من الفولكلور الذي يأخذ الصفة الدينية بما يتضمنه من روحانيات مشوهة إن لم تكن شطحات إبليسية تتفرج عليها النخبة وتؤسس جمعيات مدعمة لتسهر على الحفاظ عليه وتطويره لمسايرة التطورات الحاصلة، بل لخدمة الرغبات.

وبالإضافة إلى هذا، فإننا نعتقد أن ذلك دفع بمستوى النقاش والحوار إلى أن يرتفع إلى مستوى يضع الخطوات، عبر مراحل متدرجة ومتئدة، على طريق الحسم في خيار الخروج من براثين واقع عام هو نتيجة ممارسة سياسية واجتماعية وثقافية وتربوية وتعليمية امتدت عقودا من الزمن أقصت الأمة تماما من تحمل المسؤولية الكاملة في تحديد خياراتها المستقبلية.

ولكن التدرج والتؤدة لا تعنيان الانتظارية، بقدر ما هو علم كامل بكل مرحلة وبشروط العمل فيها وبوسائل ذلك الكلية والتفصيلية.

بمعنى أننا أصبحنا أمام مرحلة انتقالية تطلب تمريضا مسؤولا يضمن واقع الحرية والقوة والاستقلال للخروج من واقع الاستبداد والتبعية والضعف السياسي والمجتمعي، ذلك أن خيار المرحلة الانتقالية ضرورة سياسية ومصيرية عبرت جميع أطراف الحقل السياسي في المغرب عن تصورات ومطالب معالجتها تحت إكراهات لحظة تختلف درجات تأثيرها لدى كل طرف بحسب موقعه السياسي والمجتمعي، وبحسب ظروفه الذاتية ومنها إمكانيات توفره على تصور كلي أم لا. ومن تم نجد ما يعتبره كل من جهته مشروع إنقاذ يتماهى فيه المعطى الذاتي مع ضغط الواقع الموضوعي.

فهناك أربعة شروط ليكون مشروع الإنقاذ ذا جدوى نضعها بين يدي العرض لتشكل معيارا للنظر للنظر:

الشرط الأول: أن يكون أصيلا متجددا ليضمن مشاركة الأمة وتأييدها، ذلك أن العمل السياسي الناجح هو الذي يرتكز على احتضان الأمة لقضيته ومجموع أهدافه ومقاصده. وهذا الشرط كاف لحماية الجسم من التصدعات مهما كانت الظروف لأن ساعتها تكون الدولة والحزب والمؤسسة المجتمعية والأمة على وفاق واحد وعلى قضية واحدة جامعة تسهل عملية تمريض المراحل مهما كانت صعوبتها.

فالمشروع إذا لم يكن أصيلا فعلى طليعته البشرية أن تجعل منه أصيلا بحيث يصبح هو قضية الأمة الجديدة الجامعة. وذلك لن يكون بالعنف أو أن يفرض من فوق بقوة السلطان أو المال، بل يجب أن يملك هذا المشروع مقوماته الذاتية القادرة على إقناع الناس بكل حرية وتلقائية بمضامينه ليصبح هو أصل الأمة في مرحلة جديدة من تاريخها.

الشرط الثاني: أن يكون مشروع الإنقاذ صادرا عن مشروع مجتمعي متكامل. أي ينبغي أن لا يكون علاجا مرحليا فقط ، بل يجب أن يمتد في المستقبل العريض من خلال قدرته على المساهمة في بناء أو إعادة بناء واقع الأمة في كليته وشموليته بحيث يكون المدخل لتحقيق الحرية والقوة والاستقلال. ومعناه أن هذا المشروع، وهو يعالج المرحلة، يضع عينيه على المستقبل ليكون العلاج المرحلي خادما للمستقبل بكل ثقة واطمئنان.

الشرط الثالث: أن تكون له القدرة على صناعة عناصره المادية والبشرية لتنفيذ مقتضياته على أرض الواقع، لأن الكلام المعروض في الخطب أو الصحف أو الكتاب لا قيمة له دون قوة التنفيذ وفق عمل استراتيجي متكامل، ولأن الحرية تاج على رؤوس الأمم إن لم تزحف لتحقيقها والدفاع عنها يسرقها السارقون والمغتصبون للأمم وحضاراتها.

الشرط الرابع: أن يتوفر على خاصية الوضوح في الخطاب والممارسة، في الأهداف والوسائل، في المقاصد والغاية، ومن تم يتوفر على شرط المسؤولية في البناء ونتائجه.

وبين يدي هذه الشروط ينبغي التمييز بين الاقتراحات التي يشكل مجالها الحقل السياسي أو المجتمعي مثلا، وبين الاقتراحات التي تهدف إلى صناعة تصور كلي لمرحلة تاريخية قد يكون الجانب السياسي أو المجتمعي جزءا معبرا عنها، ذلك أن الاعتقاد بأن التحالفات السياسية قد تلعب دورا تاريخيا يعتبر من الأخطاء الفادحة، لأنها ترتبط بإكراهات لحظية سرعان ما تتغير فتتغير المواقع والمواقف ، لكن الاقتراحات الجامعة التي تنظر إلى اللحظة السياسية أو النقابية أو المجتمعية عموما من خلال مشروع مجتمعي متكامل ينظر بعمق كبير إلى المستقبل كفيلة بضمان التماسك والانسجام وتجنب الانتكاسات والصراعات الطفيلية التي غالبا ما تكون نتيجة الغموض في مرحلة التأسيس وإن توفر عنصر حسن النية.

وبناء على ذلك، هل المغرب اليوم في حاجة إلى تحالف سياسي، أوتوافق كما ذهب إلى ذلك الخطاب الرسمي، ويكفيه ذلك لتحقيق الإصلاح المطلوب، أم أن المغرب في حاجة إلى اكتشاف مشروع كلي تتأسس عليه قوة جامعة تقطع مع الاستبداد وتبعاته، وتفتح الطريق لفعل الحرية الحقيقية بكل مقوماته المعنوية والمادية؟

إن الغموض على هذا المستوى هو ما يفسر به احتكار بعض المواضيع الجزئية، كالانتخابات، للنقاش السياسي وحتى الفكري في كثير من الأحيان، عوض أن ينصب الحديث على القضايا الكبرى في علاقتها بالقضايا السياسية والمجتمعية الفرعية على اعتبار أن المغرب على مفترق الطرق.

كما يفسر به ما يعتقده المناقش من تحت السقف السياسي السائد أن غيره الذي لا يخوض في قضايا الانتخابات مع المشاركة فيها خارج حلبة المعركة الحقيقية، مما يوحي، كذلك، أن الفضاء العام محسوم في طبيعته تصريحا عند البعض وضمنا عند البعض الآخر.

وهكذا ندرك التعارضات الكبرى بين الاقتراحات المعتبرة في الحقل السياسي والمجتمعي في المغرب اليوم متسائلين: هل هناك مجال لتحديد حد أدنى جامع يقف على الجوانب المرجعية التصورية دون التفريط في العلاج الناجع للمرحة المعيشة في كل أبعادها بما يؤهل لمستقبل جامع، أم أن الحسم في الاختيار سيخضع لسنن الصراع التعارضي حيث سيوظف كل طرف الوسائل والإمكانات المتاحة له والمنسجمة مع تصوره لتحقيق التوازن والغلبة كما يتصور ذلك؟

يبدو أن هناك ثلاثة تصورات كبرى فاعلة في المغرب؛الدولة/النظام والنخبة المتحالفة معها، واليسار الماركسي غير المتحالف سياسيا مع الدولة/النظام، ثم الحركة الإسلامية، بالإضافة إلى فعاليات قد تكون فردية أو تعبر عن نفسها من خلال مؤسسات صغيرة بالمقارنة مع حجم مثيلاتها لدى الأطراف الأساسية.

وسنعتمد معيار الشرط المتعلق بتوفر التصور على قدرة ذاتية لصناعة الأداة البشرية لتنفيذه في تصنيف هذه التصورات. وبذلك سنجد الدولة/النظام في المرتبة الأولى ثم الحركة الإسلامية ثم اليسار ثم باقي الفعاليات.

وهذا التصنيف ضروري لإبراز مستقبل التدافع داخل المجتمع المغربي في المستقبل المنظور، ذلك أن توفر الأداة البشرية عامل أساسي في تسريع وتيرة التنفيذ وضبط عناصرها مما يؤدي إلى احتكاك المشاريع وصدامها في كثير من الأحيان.

وليكون هذا الاحتكاك إيجابيا من حيث مصلحة الأمة في فرز طليعتها القيادية من خلال اختيارها الواعي يجب إعمال معايير الشروط الأربعة السالفة الذكر لكشف مواطن قوة كل مشروع في صناعة الواقع بكل أبعاده الذي يؤسس لأن تمارس الأمة كامل حريتها كما تتصور هي الحرية من خلال اختيار الوسائل المناسبة لذلك.

ثم إن إعمال تلك الشروط الأربعة ينظم عملية النقاش بإعطاء كل مشروع ما يستحق من الوقت.

وهكذا سنجد أن مجال التدافع في المستقبل المنظور سينحصر بين مشروع الدولة/النظام والنخبة المتحالفة معها وبين المشروع الإسلامي، في الوقت الذي ستجد قوى اليسار غير المتحالف سياسيا الآن مع الدولة/النظام نفسها في وضع حرج يفضي بها إلى التقرب من هذه الأخيرة بحكم الخلافات الإيدلوجية العميقة مع الحركة الإسلامية مع زحفها وتناميها المستمرين، وبحكم خضوعه لنفس المرجعية الجامعة مع الدولة/النظام، وهي المرجعية الغربية التي يعبر عنها بمفهوم الحداثة وغيره من المفاهيم الدالة على التحالف المصيري بين الدولة النظام وهذا التيار السياسي والفكري.

إن المواقف السياسية الفرعية لا يمكنها أن تحجب هذه الحقيقة، ولعل محطات كبرى أثبتت ذلك، من قبيل مسألة خطة إدماج المرأة في التنمية.

إن اليسار بكل ألوانه أقرب إلى الدولة منه إلى الحركة الإسلامية من حيث جوهر الوجود السياسي والمجتمعي. هذا، وتضاف إليه حقيقة الواقع التي يعيشها هذا التيار، والتي من ورائها عوامل تاريخية وتصورية ونفسية، وهي حقيقة تشرذمه مع وجود قطيعة هيكلية وعاطفية مع الأمة.

ولعل أبرز ما يستدل به على ذلك هي الإخفاقات التي صحبت دعواته إلى توحيد صفوفه، وهي إخفاقات لا تخفيها بعض المحاولات النظرية وكذا العملية من قبيل مبادرة اليسار الاشتراكي الموحد، ذلك أن أصل وجود اليسار في المغرب انبنى على حقيقتين في فعله اليومي:

الأولى: الغموض من الناحية التصورية والتنظيمية، سواء مع تجربة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وقبله حزب الاستقلال، أو مع تجربة الحزب الشيوعي المغربي وما تولد عنهما من تنظيمات سرية أو حزبية، حيث بقيت المفاهيم المركزية غامضة ولا يملك دلالاتها إلا بعض العناصر المؤسسة. وليس من السهل في وقت تتسارع فيه الأحداث أن يتدارك اليسار نتائج هذا الغموض الممتدة عقودا من الزمن في الفكر والنفس والسلوك بحيث سيصبح في درجة متأخرة في سلم القوى السياسية نظرا لظهور قوى أخرى تملك قدرة كبيرة على الفعل والمبادرة ومتحررة من أي ثقل يعرقل حركتها أو يعقدها.

الثانية: الغموض في العلاقة مع الشعب، بحيث إن اليسار مقتنع بتصورات مرجعية لها موقف سلبي من الدين تجاه تصور الشعب المغربي لموقع الدين في الحياة العامة والخاصة.

ونظرا لما ترتب على هذا من نقاش بين مكونات اليسار، خاصة في الستينات والسبعينات، ونظرا لنتائجه على مستوى العلاقة مع الشعب المسلم، فإن اليسار لم يتحول إلى أصل مجتمعي بقدر ما بقي إفرازا سياسيا للحظة تاريخية معينة، وهو الآن يؤدي ثمن ذلك ما لم يملك القدرة على أن يصبح قوة مجتمعية استراتيجية في حركة الشعب المغربي أمام ملحاحية سؤال الكيف. ولذلك نجده قد التجأ إلى توظيف المسألة الأمازيغية وسيلة في الصراع المجتمعي والسياسي مع تنامي الحركة الإسلامية عسى يضمن له هذا التوظيف جذرا في عمق المجتمع المغربي، دون أن ينتبه أن حقيقة الأمر هي أن ليس هناك أي تعارض بين حقيقة الإسلام وبين كون الإنسان أمازيغيا أو تركمانيا أو بنكلاديشيا أوغيرها من العرقيات.

ورغم ذلك نجد بعض الاقتراحات المتعلقة بتنظيم الخريطة السياسية في المغرب والداعية إلى تشكيل قطب يساري يقوم فيه مثلا حزب الاتحاد الاشتراكي بالدور المركزي، وقطب يميني يلعب فيه حزب الاستقلال الدور الأساسي، وعلى هامش هذين القطبين تلعب باقي المكونات أدوارها المناسبة لحجمها. وقد كان هذا الاقتراح قبل ظهور الانشقاقات التي عرفها حزب الاتحاد الاشتراكي بعد مؤتمره السادس. وكذا ما يعرفه حزب الاتسقلال اليوم.

فبالإضافة إلى أن هذا الخطاب لا يعير أية قيمة لوجود الحركة الإسلامية إذ ماهي، في نظره، إلا ظاهرة مرتبطة بوضع اجتماعي وسياسي سرعان ما تزول بزوال هذا المعطى السياسي الاجتماعي، أي أنها ظاهرة تزول بوجود الحرية والديموقراطية والنمو الاقتصادي، فإنه يلجأ إلى تركيبة يمين ويسار لم تعد مقبولة سياسيا واجتماعيا وفكريا في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الإنسان والعالم، ذلك أن مفاهيم من قبيل يمين ويسار تعبر عن لحظة من تاريخ التطور السياسي والفكري والاجتماعي عاشها الغرب ولم تعد ذات دلالة بالنسبة إليه اليوم، كما أن هذه المفاهيم غير ذات تأثير في حقيقة الخريطة السياسية في بلد من مثل المغرب نظرا للتزوير الفظيع الذي تعرفه بسبب هيمنة الاستبداد والروح المخزنية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل والثقافية أيضا.

كما نجد بعض الاقتراحات لدى بعض الفعاليات من قبيل مفهوم “الكتلة التاريخية” التي دعا إليها المرحوم محمد الفقيه البصري وتحدث عنها الدكتور محمد عابد الجابري.

فبالإضافة إلى أن هذا المفهوم لا يستند إلى قوة تنفيذية مما يعني أن الواقع المتحرك سيتجاوزه، لأن الاقتراحات التي تجد موقعا في الحركة العامة هي التي تملك قوة التنفيذ، فإن الاقتراح سيكون، أحسن الأحوال مجرد موضوع استئناس في العملية التاريخية برمتها أمام المشاريع التي تتبلور وتتطور بفعل اختراقها للواقع وحجم امتداد حركتها فيه. ويقاس على هذا اقتراح الأمير هشام لميثاق وطني ناظمته ممارسة ديموقراطية حقيقية تحتل فيها الملكية مكان الرمزية لا القوة الفاعلة في كل تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية وغيرها.

أما حزب الاستقلال فلا خيار أمامه ليحافظ على رصيده التاريخي وليطور موقعه السياسي إلا خيار وحيد، وهو أن يخضع حركته العامة إلى عملية تجديد شاملة تسائل علاقة أدبياته ومواقفه وسلوكاته التنظيمية والحركية بأدبيات الزعيم علال الفاسي، ذلك أن حزب الاستقلال لن يجد الموقع المناسب ضمن حركة اليسار عموما حتى وإن وفرت لحظة توافقية تراض على اقتسام الحقائب الوزارية. ولعل الإنتخابات الأخيرة خير رسالة في هذا الباب، حيث أفرزت رغبة الدولة/النظام في أن يكون حزب الاستقلال دوما بحكم موقفه من طبيعة النظام السياسي في المغرب عنصر توازن استراتيجي في العملية السياسية والمجتمعية في المغرب.

وبعد هذا نقف على أكبر تصورين يحكمان معادلة التدافع السياسي في المغرب في المستقبل المنظور وإن بدرجة أخف حاضرا.

وهو موضوع الحلقة القادمة بحول الله تعالى