تقديـــــــــــــــــــــــــــم:

إن الحقد الدفين الذي يكنه الكفار للمسلمين منذ القديم جعلهم لا يألون جهدا في الكيد للإسلام وللمسلمين قصد استئصال شأفتهم والقضاء على كل ما يقوي صفهم ويجمع شملهم ويوحد كلمتهم. من هذه المكائد ما دبروه ويدبروه ليوم الجمعة.

أول من سماها ب”الجمعة”

ذكر القرطبي رحمه الله في تفسيره: إن هذا اليوم كان يسمى ب ” العروبة” وأورد أقوالا فيمن سماه جمعة فقال: إن أول من سماها جمعة الأنصار. قال ابن سيرين رحمه الله: “جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سموها الجمعة وذلك أنهم قالوا: إن لليهود يوما يجتمعون فيه في كل سبعة أيام وهو السبت، وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد، فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا نذكر الله ونصلي فيه، ونستذكر ـ أو كما قالوا ـ فقالوا : يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة (وهو أبو أمامة رضي الله عنه )، فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا، فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغذوا منها لقلتهم، فهذه أول جمعة في الإسلام.

مكانة يوم الجمعة في الإسلام

روى أبو لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:( إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر، وفيه خمس خلال:

1 ـ خلق الله فيه آدم.

2 ـ وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض.

3 ـ وفيه توفى الله آدم.

4 ـ وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئا إلا أعطاه إياه ما لم يسأل حراما.

5 ـ وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء، ولا أرض، ولا رياح ولا جبال، ولا بحر إلا وهن يشفقن ( يخفن) من يوم الجمعة).

ونظرا لما لهذا اليوم من مكانة عظمى عند الله، فإنه سبحانه وتعالى ادخره لأفضل الأمم التي هي الأمة المحمدية. روى ابن ماجه والبزار ورجالهما رجال الصحيح عن أبي هريرة وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( أضل الله تبارك وتعالى عن الجمعة من كان قبلنا. كان لليهود يوم السبت، والأحد للنصارى، فهم لنا تبع إلى يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق).

وروى الطبراني في الأوسط بإسناد جيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:( عرضت الجمعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه بها جبريل عليه السلام في كفه كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء فقال: ما هذا يا جبريل ؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير. تكون أنت الأول، وتكون اليهود والنصارى من بعدك…) الحديث.

مكانة يوم الجمعة عند المسلمين

نظرا لما لهذا اليوم من مكانة عظيمة في نفوس المؤمنين فإنهم ألفوا عنه كتبا عديدة ذكروا فيها خصوصياته وفضله على سائر أيام الأسبوع حتى يكونوا على علم بفضل ومكانة هذا اليوم ويولوه ما يستحقه من اهتمام، لأن العلم باب العمل. وهذا على سبيل المثال لا الحصر ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى له كتاب سماه “الهدى ليوم الجمعة” ذكر فيه بضعا وعشرين خصوصية، وهذا السيوطي رحمه الله له كتاب تحت عنوان “نور اللمعة في خصائص الجمعة” ذكر فيه مائة خصوصية لهذا اليوم. وكيف لا تعطى لهذا اليوم كل هذه الأهمية وقد شرفه الله عز وجل إذ فيه يجتمع المسلمون في بيوت الله ويستجيبون لداعي الله راغبين فيما عنده سبحانه وتعالى وحريصين على إعلاء كلمة الله في قلوبهم، ثم في مجتمعهم، فيكون حضورهم ” نقطة تحول من عدم مبالاة إلى طرح ضرورة الاختيار، من غفلة لذكر، من ضياع لهدى، وعندئذ يدركون بهذا التجمع الأسبوعي أن المسلم لا يبنى فردا إلا في جماعة، ولا يتصور الإسلام قائما إلا في محيط جماعة منظمة ذات ارتباط ، وذات نظام، وذات هدف جماعي منوط في الوقت ذاته بكل فرد فيها هو إقامة هذا المنهج الإلهي في الضمير وفي العمل مع إقامته في الأرض، وهو لا يقوم في الأرض إلا في مجتمع يعيش ويتحرك ويعمل وينتج في حدود ذلك المنهج الإلهي.

موقف أعداء الدين من يوم الجمعة

لقد تبين لأعداء الله من الكفار وممن على شاكلتهم من بني جلدتنا خطورة هذا اليوم، فدبروا الحيل لإفراغه من محتواه، وتظهر مكائدهم من خلال ما قاله أحد المبشرين في تقريره الذي يبين فيه إخفاق حركته التبشيرية في البلاد الإسلامية :” سيظل الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها سفن التبشير المسيحي ما دام للإسلام هذه الدعائم الأربع

1 ـ القرآن

2 ـ والأزهر

3 ـ واجتماع الجمعة الأسبوعي

4 ـ ومؤتمر الحج السنوي”

وهكذا تألبت قوى الشر على هذه الدعائم قصد نسفها ” واشتدت الوطأة على عمار المساجد وطرأ على دول الجبر اهتمام ملح بالمساجد، والصلاة، وخطبة الجمعة، ونشأت عند رواد الفتنة حساسية إسلامية يبادرون إلى الحج والصلاة على التلفزيون والتأكيد على إسلامهم، إسلام رسمي احتل المساجد وأممها وعمرها بالخطب الرسمية والوعظ الرسمي الناعس ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين” لقد أدركوا جيدا أن من المسجد كانت الانطلاقة الأولى، ومن المسجد يصنع التاريخ الآن، وحوله يدور الصراع بين الإسلام والوثنية في الهند إذ حاول الهندوس الوثنيون هدم المسجد البابري وإقامة معبد لصنمهم ( راما) في مكانه. وبين الإسلام واليهودية الصهيونية في فلسطين إذ حاول الصهاينة هدم المسجد الأقصى، ومسجد الصخرة، ولا زالت المحاولات مستمرة على قدم وساق لإقامة هيكلهم المزعوم مكانه، وحاولوا إحراق المسجد الأقصى عام 1969 ميلادية.

لقد أدركوا أن المسجد هو نقطة تجمع المسلمين، وبؤرة ضوء يلتفون حولها ويقتبسون من نورها، فعز عليهم أن يكون للمسلمين أي تجمع، وأن يهتدوا بأي نور، فأخذوا على أنفسهم عهدا أن يضربوا كل وحدة للمسلمين، وأن يقضوا على أية وسيلة يستمدون منها الشعور بذاتهم والحفاظ على خصائصهم، والتميز عن غيرهم.

أما في الدول العربية، فإن هدم حكام الجبر للمساجد سيفضح لعبتهم ويظهر سريرتهم، لهذا تجدهم يتنافسون في بنائها وزخرفتها وإفراغها من محتواها. روى الحاكم في تاريخ نيسابور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( سيكون في آخر أمتي زمان يزخرفون مساجدهم ويخربون قلوبهم، يتقي أحدهم على ثوبه مالا يتقي على دينه، لا يبالي أحدهم إذا سلمت له دنياه ما كان من أمر دينه.)

ما آل إليه الأمر في بلدنا: المغرب الأقصى

بقي يوم الجمعة يوم عمل رغم الاستقلال الصوري الذي أحرزنا عليه. بل لم يعط للموظف وللعامل حتى الوقت الكافي لأداء صلاة الجمعة، واختيار المسجد”الأصلح” لسماع الخطبة. بل إن العديد من الشعب المغربي في المدن الكبيرة من لا يستطيع الجمع بين صلاة الجمعة وتناول وجبة الغذاء مع أبنائهم، وحضور العمل في الوقت المحدد بحكم أزمة المواصلات. وما القيام بكل هذه التدابير إلا لنزع قدسية هذا اليوم من نفوس الكثير من الأفراد، وحرمان الأمة من أداء الكثير من الأعمال الصالحة المرغب فعلها في هذا اليوم الأغر من اغتسال، وتبكير إلى المسجد، وإكثار من الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، والتوجه إلى الله تعالى بالدعاء قصد موافقة الساعة التي يستجاب فيها الدعاء، وغيرها من الأعمال… بالإضافة إلى هذا منعت السلطات البقية الباقية من الخطباء من أبسط حقوقهم المشروعة التي أمر الإسلام بها وهي الاتصال بالناس في بيوت الله، وإلقاء الخطب التي توعي أفراد الأمة المغربية بدورهم في الحياة الدنيا، وربطهم بالدار الآخرة ـ مصيرهم المحتوم ـ وشدد الخناق خصوصا على الخطباء الذين ينتمون إلى جماعة العدل والإحسان، واعتقل البعض منهم، وطرد كل من فيه رائحة العدل والإحسان لا لشيء إلا لكون هذه الجماعة قد أوضحت خطها في كتاب المنهاج النبوي وأبت أن تركع للنظام المغربي، كما أبت أن تستدرج إلى العنف رغم الاستفزازات التي تمارسها السلطة على أعضائها وتتخذ صورا وأشكالا متعددة ولأنها تنادي بمباديء ثلاثة لا تحيد عنها: لا للعنف، لا للسرية، لا للتعامل مع الخارج. أما الخطباء غير المنتمين إلى جماعة العدل والإحسان ـ التي عرفت قبولا من قبل الشعب لصراحتها واعتدالها ووضوح خطها وثباتها على مبادئها ـ فإنهم رغم اعترافهم بأمير المؤمنين وكونه من المقدسات التي يجب أن لا تمس ولا تداس بل تقدس، مورس عليهم مبدأ “جوع كلبك يتبعك”.

أصل “جوع كلبك يتبعك”

هذا المبدأ الذي يرجع أصله إلى عهد الحميريين،ـ ولا بأس من معرفة أصل هذا المثل لما فيه من فائدة ـ جاء في مجمع الأمثال للميداني أن أول من قال ذلك ملك من ملوك حمير، كان عنيفا على أهل مملكته، وكانت الكهنة تخبره أنهم سيقتلونه فلا يحفل بذلك، وأن امرأته سمعت أصوات السّؤّال فقالت: إني لأرحم هؤلاء لما يلقون من الجهود، فرد عليها “جوع كلبك يتبعك” فلبث بذلك زمانا ثم أغزاهم فغنموا ولم يقسم فيهم شيئا، فلما خرجوا من عنده قالوا لأخيه وهو أميرهم: قد ترى ما نحن فيه من الجهد فساعدنا على قتل أخيك، واجلس في مكانه فأجابهم إلى ذلك ، فوثبوا عليه فقتلوه، فمر به عامر بن خديجة وهو مقتول وقد سمع بقوله :”جوع كلبك يتبعك” فقال: ” ربما أكل الكلب مؤدبه إذا لم ينل شبعه”.

الكيد لخطبة الجمعة

يبدأ الكيد بانعدام المعاهد لتخريج الخطباء حتى لا يؤدي المسجد دوره، وفرغت الخطبة من محتواها، ولم يخصص للخطيب أجرة كافية للاستعانة بها على شراء المراجع ـ وإن كان من الواجب عليه الاستغناء عن مالهم بحرفة أو مهنة أو تجارة أو عمل إداري كما كان عليه السلف الصالح رحمة الله عليهم مادامت الرسالة التي يقوم بها الخطيب من واجبات الدين عليه ـ ولا ينبغي السكوت عن تبليغ كلمة الله مهما كانت الظروف والأحوال.

ويأبى الله إلا أن يتم نوره

ورغم التخطيطات والمكائد التي تحاك ضد الإسلام والمسلمين، والخطباء، والعلماء، والمساجد، والمعاهد الدينية، فإن اجتماع المؤمنين والمسجد والجمعة لن ينقطع عطاؤها، وستبقى تعطي ثمارا يانعة، وستعرف مواقف مشرفة في الكثير من الأقطار عموما وفي المغرب خصوصا، لأن هذا الأمر مؤيد بالله، ويستحيل أن يطفئ أحد نور الله، وإن طال ظلام الليل فسيعقبه الصبح، قال تعالى :(إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ) فما على الأنظمة في العالم العربي عموما، وفي المغرب خصوصا، إلا أن يغيروا سياسة الإقصاء والتهميش ويجعلوا محلها لغة الحوار.

وإذا كانت بيوت الله في الأرض هي المساجد، وأن عمارها زوارها، كما جاء في الحديث القدسي، فسيبقى المسجد إن شاء الله عبر العصور معقلا للأحرار، ولا يغني حذر الحكام من قدر الله، فإذا جاء القدر عمي البصر. أما خطباء العدل والإحسان الذين طردوا من بيوت الله بالعنف والاعتقال والتعذيب فلن تستفزهم هذه التصرفات، بل لا تزيدهم جهالة الجاهلين إلا حلما، لأن الجماعة التي ينتمون إليها عاهدت الله أن تسلك كل المسالك المشروعة، وتقتحم كل العقبات التي تعترضها، مستعملة كل وسائل اللين والحكمة لتصدع بكلمة الحق ولتبلغ رسالة الإسلام للعباد في القطر كله، وخارج القطر ناصعة لا غبش عليها ولا غلس ـ والواقع المعيش خير دليل على ذلك ـ غير هيابة من أحد أو عابئة بتهديد أحد، جاعلة نصب عينيها قوله تعالى: ( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مومنين)، وقوله عز وجل 🙁 الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا)، سائرة على المنهاج النبوي الذي يبين لها صوى الطريق اللاحبة التي تسلكها. أما آثار توقيف هؤلاء الخطباء فكانت إيجابية إذ لم تزد مكانة هؤلاء الخطباء في قلوب الناس إلا تألقا، ولم تزدد علاقة الناس بهم إلا حبا، بل فضحت فراغ وزارة الآوقاف من الأطر الأكفاء الذين سيعوضون هؤلاء الخطباء الصادقين والرحيمين بالأمة، ويلاحظ هذا من خلال فراغ هذه المساجد التي كانوا يخطبون فيها، ثم إن هذا التوقيف لهؤلاء الخطباء ـ الذين منهم من مارس الخطابة ما يقرب من ربع قرن ولم يتقاض أجرة من الوزارة الوصية ـ لم يزد أفراد الشعب المغربي الأبي إلا ثقة بجماعة العدل ولإحسان.

ألا رب ذي ظلم كمنت لحربـــــه**** فأوقعه المقدور أي وقوع

وما كان لي إلا سلاح تركـــــع**** وأدعية لا تتقى بـــــدروع

وهيهات أن ينجو الظلوم وخلفه****سهام دعاء من قسي ركوع

همسة في أذن الخطباء

على الخطباء المأذون لهم في إلقاء الخطب، أو الذين منعوا من الدعوة في بيوت الله التي أممت،أ ن يتيقنوا دون أدنى شك أن نصر الله آت لامحالة، وعدا من الله الذي لا يخلف الميعاد، وأن التمحيص والاختبار لابد منه ليميز الله الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، قال تعالى: ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) وموعود الله عز وجل يظهر جليا في بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا حيث يقول في الحديث الذي رواه أحمد في المسند:( تكون النبوة فيكم ماشاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت).

توجيهات للخطباء

إن للخطابة قديما وحديثا دور أساسي في استنهاض الهمم، والتعبير عن الآراء مباشرة مع الأمة، وتكذيب افتراءات المفترين. والخطابة فن قديم نشأ منذ بدء الخليقة.. فالكلمة المسموعة أقوى أثرا من الكلمة المقروءة، لأن الأولى تنبض بالحياة والانفعال. ولقد كان الأنبياء والمرسلون عليهم السلام خطباء واجهوا بدعواتهم الجماهير المتباينة المشارب والأهواء، وتحملوا نتائج الدعوة، فمنهم من اضطهد، ومنهم من قتل، ولكنهم جميعا حققوا انتصارا، بدليل الآثار التي تركوها في الأمم .

كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان كذلك خطيبا يفوق من سبقه من الأنبياء عليهم السلام، فكان يخطب كل جمعة، وفي كل المناسبات، بل كان يرشد أصحابه إلى أساليب الخطابة الإسلامية ويصحح أخطاءهم، وكان له خطيب يجيب الوفود.

ما يجب على الخطيب القيام به

على كل خطيب مخلص أن يعد نفسه إعدادا خاصا في غياب مدارس ومعاهد تكوين الخطباء، والتي لم تنشأ خشية دورها الفعال في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وفضح تمويهات الأفاكين.

كيف يجب أن يكون الخطيب الصادق؟

لما أنشأ عبد الرحمن الناصر مدينة الزهراء في الأندلس أبدع في بنائها أيما إبداع، وأنفق عليها من الأموال ما لا يكاد يعد ولا يحصى، وبلغ من إنفاقه وتفننه في تزيينها أن أقام” الصرح الممرد ” واتخذ لقبته قراميد من ذهب وفضة، فما إن سمع بذلك الفقيه القاضي “منذر بن سعيد” حتى ارتاع لعمل الناصر، وغضب لتبذيره أموال الشعب، فوقف في المسجد يخطب في الناس بحضور الملك ويتوجه إليه باللوم والتأنيب، وهو يقول:

” ما كنت أظن أن الشيطان أخزاه الله يبلغ بك هذا المبلغ، ولا أن تمكنه من قيادك هذا التمكين مع ما آتاك الله وفضلك به على العالمين حتى أنزلك منازل الكافرين” فاقشعر عبد الرحمن الناصر من قوله، فقاطعه وقال له:

انظر ما تقول؟ كيف أنزلني الله منازلهم؟ قال: نعم.. أليس الله تبارك وتعالى يقول:( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤون)، فوجمعبد الرحمن الناصر ونكّس رأسه مليا ودموعه تجري على لحيته خشوعا لله تبارك وتعالى ثم أقبل على القاضي وقال له:(جزاك الله تعالى يا قاضي خيرا عنا وعن المسلمين والدين، وأكثر في الناس من أمثالك، فالذي قلته ـ والله هو الحق ـ وقام من مجلسه وهو يستغفر الله.. وأمر بنقض القبة وأعاد قراميدها ترابا”.

تعليق على القصة.

عندما يبلغ الإنسان مرتبة من الذلة والاستكانة والخضوع نتيجة القهر والطغيان والجبروت الممارس من قبل حكام الجبر، تتغير المقاييس عند بعض العلماء الذين ركنوا إلى الذين ظلموا من الحكام فابتغوا ما عندهم من دنيا زائلة وحقيرة، ولم يزهدوا فيها ليحبهم الله، كما لم يزهدوا فيما في أيدي الناس ـ وخصوصا الحكام ـ ليحبهم الناس، كما قال الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، تتغير المقاييس فيصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا، بل لم يقتصر الأمر على ذلك وإنما تصبح الدعوة إلى المنكر لا إلى المعروف، وبما أن العلماء هم ملح البلد، وهم القدوة للناس فإن المقاييس الخاطئة يقتبسونها من علمائهم.

بدأت بهذه المقدمة المختصرة حتى لا يستغرب أحد من الاستنتاجات المستفادة من هذه القصة، إذ قد يقول علماء القصور: لقد أساء”منذر بن سعيد”الأدب مع الملك عبد الرحمن الناصر، وما هكذا تكون النصيحة للاعتبارات التالية:

1 ـ أن النصيحة أمام الناس فضيحة فكان الأولى بهذا الفقيه العالم القاضي أن يتجه إلى الملك في قصره وينصحه سرا حتى يحافظ للملك على هيبته أمام شعبه.

2 ـ أن الملك عبد الرحمن الناصر ليس أكثر شرا من فرعون، وأن الفقيه القاضي منذر بن سعيد ليس أفضل من سيدنا موسى عليه السلام، ورغم هذا قال الله عز وجل لنبيه الكريم مع أخيه هارون عليهما السلام :(فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) مع العلم أن الله عز وجل يعلم عدم إيمان فرعون، وبناء على ما ذكر كان الأولى بالفقيه منذر أن يكون ألين في النصيحة مما قال.

3 ـ أن الفقيه المنذر كان الأولى به أن يذكر أولا في خطبته بعض الأعمال الصالحة التي قام بها الملك وضمنها يذكر نصيحته قياسا على فعل الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أراد نصيحة الذي دخل المسجد النبوي الشريف وهو راكع ليدرك الركوع مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فما نهره ولا زجره، بل قال له: زادك الله حرصا ولا تعد.

4 ـ أن هذا البناء الفخم يقتضيه العصر ويعتبر صورة واضحة على قوة الدولة وحضارتها الراقية…

هذا بعض ما يمكن أن يقوله حكام القصور في كل زمان ومكان.

ما يستفاد من القصة

أما بعض ما يمكن الاستفادة منه من هذه القصة:

1 ـ أن المقاييس عندما كانت سليمة على قدر معين لم يعتبر الملك عبد الرحمن الناصر نصيحة الفقيه القاضي منذر بن سعيد سوء أدب معه، أو تشهيرا به، أو إنقاصا لهيبته أمام حاشيته أو شعبه، بدليل وجومه، ودموعه، وخشوعه لله تبارك وتعالى، وقوله للخطيب:( جزاك الله تعالى يا قاضي خيرا عنا وعن المسلمين والدين، وأكثر في الناس من أمثالك، فالذي قلته ـ والله هو الحق ـ)

2 ـ أن الأمة لا تتعلم بالكلام ، وإنما بالمواقف، لأن الكلام ينسى، والرؤية تذكر، والممارسة تعلم، فما أحوج خطباءنا إلى الالتزام بما يقولون، فقيمة الشخص لا فيما يحمل من معلومات، وإنما في مدى مطابقة علمه لعمله.

3 ـ صلاح الناس بصلاح خطبائها الذين هم علماء الأمة، وفسادهم بفساد الخطباء، ورضي الله عن الإمام علي كرم الله وجهه الذي قال : قوام الحياة أربعة :

أ ـ عالم يعمل بعلمه

ب ـ وجاهل لا يتكبر أن يتعلم

ج ـ وغني لا يبخل بماله

د ـ وفقير لا يبيع آخرته بدنياه.

فإذا لم يعمل العالم بعلمه، تكبر الجاهل أن يتعلم. وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنياه.

4 ـ لم يكن عمر بن الخطاب العادل إلا بشعب عمر الذي لم يجد غضاضة في محاسبة عمر على الزائد من الثوب الذي وزع على المسلمين، فقال الأقرع بن حابس رضي الله عنه في المسجد يوم الجمعة أمام الملإ: لا سمع ولا طاعة حتى برر أمير المؤمنين أن زيادة الثوب الذي يلبسه لطول قامته، أخذه هدية من حق ابنه عبد الله رضي الله عنه. الشعب الذي لم ينكر على المرأة التي عارضت أمير البلاد في تحديده للصداق، بل كانوا معها ومؤيدين لكلامها، حتى تراجع عمر عن رأيه فقال قولته المشهورة: أخطأ عمر وأصابت امرأة، وفي رواية، كل الناس يفهمون إلا أنت يا عمر.

5 ـ أن الخطيب العالم هو الأولى بتوجيه أولي الأمر لأن الدعوة هي التي تسير الدولة وليس العكس، فعلى الخطيب أن يعرف مكانه ومكانته في وسط الأمة.

6 ـ الخطيب النموذجي هو الذي يتحلى بالحكمة ويلتزم باللين مع عدم الخوف إلا من الله.

7 ـ الخطيب النموذجي هو الذي يضع الأصبع على الداء، فبدل أن ينزل بلسانه اللاذع على أفراد الشعب المقهورين والمستضعفين، يوجه اللوم إلى مصدر الفساد وهم حكام الجبر، فبصلاحهم يصلح المجتمع، وهم الذين يفسدون الدين على شعوبهم إذا فسدوا، فالناس على دين ملوكهم.

نموذج للخطباء المحتذى بهم دون تعليق

كان الشيخ العز بن عبد السلام من أشهر علماء عصره في زمن إسماعيل الأيوبي سلطان دمشق

فبلغه أن الملك الصالح تصالح مع الصليبيين على أن يسلم لهم “صفدا” و” قلعة الشقيف” و”صيدا”

وغيرها من حصون المسلمين الهامة مقابل أن ينجدوه على الملك الصالح نجم الدين أيوب، فأنكر عليه الشيخ العز بن عبد السلام ذلك، وترك الدعاء له في الخطبة، وزاد في آخر خطبته ( اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا تعز فيه وليك، وتذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك). والناس يبتهلون بالدعاء والتأمين، فغضب السلطان لذلك وعزله من القضاء، واتجه الشيخ إلى مصر مهاجرا سنة 639 هجرية وشق ذلك على أهل دمشق حتى خشي السلطان ثورتهم بسببه، فأرسل إليه أحد أعوانه يتلطف به ويلاينه، وقال له:” إن السلطان عفا عنك، وردك إلى عملك على أن تنكسر له وتقبل يده” فما كان من الشيخ إلا أن قال لرسول السلطان:

( يا مسكين!..والله ما أرضى أن يقبل يدي فضلا أن أقبل يده، يا قوم، أنتم في واد وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به.)

الخلاصة

وخلاصة القول أن القليل من الحق يغلب الكثير من الباطل، كما أن القليل من النار يحرق الكثير من الحطب، فكن أخي الخطيب مع أصحاب الحق الذين برهنوا بسلوكهم ومواقفهم على الثبات على الحق، واعلم أنه لا يغني حذر من القدر، وإذا جاء القدر عمي البصر، قال تعالى في سورة القصص:( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون)الآية5 ـ6 .

ومعنى الآية: ونريد أن نتفضل على الذين استضعفهم فرعون في الأرض، ونجعلهم قادة في الخير ودعاة إليه، ونجعلهم يرثون الأرض بعد فرعون وقومه. ونمكن لهم في الأرض، ونجعل فرعون وهامان وجنودهما يرون من هذه الطائفة المستضعفة ما كانوا يخافونه من هلاكهم وذهاب ملكهم، وإخراجهم من ديارهم على يد مولود من بني إسرائيل . والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما قرر علماء الأصول.

وفي الختام

نسأله سبحانه وتعالى وهو العلي الأعلى الوهاب الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو على كل شيء قدير أن يرزقنا صحبة أحباب الله وأوليائه الذين لا يخافون في الله لومة لائم، وأن يحشرنا مع أصفيائه وأحبابه، وأن يفرج عن هذه الأمة كل الكرب، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.