لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري

بقلم: محمد العربي أبو حزم – [email protected]

كيف نقرأ البردة؟

في قصيدة البردة بَسَطَ البوصيري من حِكَمِه بِما فتح له المولى من ألوان البيان، وبِما لا يُشَقُّ له فيه غُبار مما لا ترقى الصنعة المكتسبة إلى ذُرَاه. فهي ليست جُهْداً فكريا وبَيَانِيّاً وخياليّاً وفنِّيّاً بَذَله شاعرٌ بغرض التكسب منه لحظوظ نفسه ودنياه، إذاً لما تفاعلت بها ولها أفئدة الناس، ولما ظلَّت روحها متوهِّجَةً مشبوبةً على مدى الأزمان؛ بل هي كما قال هو:

قُلْ لِلْمُحَاوِلِ شَـأْواً فِي مَدَائِحِهِ *** هِيَ الْمَوَاهِبُ لَمْ أَشْدُدْ لَهَا زِيَمِ

وَلاَ تَقُلْ لِي بِمَاذَا نِلْتُ جَـيِّدَهَا *** فَمَا يُقـالُ لِفَـضْلِ اللهِ ذَا بِكَمِ

لَوْلاَ الْعِنَايَةُ كَانَ الأَمْرُ فِيهِ عَلَى *** حَدِّ السَّوَاءِ فَذُو نُطْقٍ كَذِي بُكُمِ

إنه فضل الله أن يَرْفَعَ ذِكْرَ من يحب ببركة حب من يحبه صلى الله عليه وسلم.

وإنها عناية الله وتوفيقُه وإِذْنُهُ يصطفي من يشاء لما يشاء سبحانه.

وإنها الصدقة الجارية التي تجري بالفضل والخير والْمِنَن من خزائن الغيب إلى رصيد العبد عند ربه إلى آخر الزمان.

فما أعظم سرّ هذا الذِّكْر المرفوع للإمام البوصيري ولِبُردته الشريفة بشرف خير ممدوح صلى الله عليه وسلم.

هل “البردة” تُحْفَةٌ بيانية فنية لمن أراد الغوص في بحار لغة القرآن والتجَمُّل بصدفاتها وكنوزها؟ أم هي مادَّة تربوية توجيهية في النفس يَأْتَمُّ بها السالكون؟ أم هي تأريخ وتوثيق لسيرة وفضائل ومعجزات وجهاد خير الخلق أجمعين عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام؟

ربما كانت البردة شِعراً ناطقاً بما تفيض به أفئدة المحبين من حب وشوق ولوعة وهيام بالقدوة الأسنى صلى الله عليه وسلم. أو لعلَّها مناجاةٌ رقيقة بَثَّهَا قلبٌ رقيقٌ وفؤادٌ وَلِهٌ وروحٌ مُتْعَبَةٌ خائفةٌ راجيةٌ مُقْبِلَةٌ مُدْبِرَة.

أهي درس بليغ في حُسن التأدُّب مع حبيب الله صلى الله عليه وسلم؟ أَمْ هي مثال حيّ للمحبِّ الصادق الْمُتَّبِع المقتدي؟

هل هي واحدة من هذه؟ أم هي بعضٌ من هذه؟ أم إنها كلُّ هذه وغيرُ هذه؟

لقد سار البوصيري في بردته على منهج مُلْهَمٍ واضح جَلِيٍّ وخطَّةٍ مرسومة دقيقة دِقَّةَ عملِ النحل في تسديس وترصيص بيوته، متنقلا في رياض النموذج النبوي الكامل من بستان إلى بستان، ناهلاً من رحيق أزاهره مقتبساً من أنوار مكارمه صلى الله عليه وسلم.

ففي البردة عظيمُ مشاعرِ الحب والشوق إلى النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم مما عَدَّدَ الشاعرُ أدلَّةَ صدقها من عين دامعة وقلب مضطرم وجسم أَنْحَلَه الضَّنى:

فَكَيْفَ تُنْـكِرُ حُبّـاً بَعْـدَمَا شَـهِدَتْ *** بهِ عَلَيْكَ عُـدُولُ الدَّمْـعِ وَالسَّـقَمِ؟

وفي البردة توجيهات تربوية حول النفس وقواعد في التعامل معها:

وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى *** حُبِّ الرَّضَـاعِ وَإِنْ تَفْطِـمْهُ يَنْفَطِمِ

وفي البردة ذكر لفضائله وشمائله صلى الله عليه وسلم:

فَاقَ النَّبِـيِّينَ فِي خَلْقٍ وَفِي خُـلُقٍ *** وَلَمْ يُدَانُـوهُ فِي عِـلْمٍ وَلاَ كَرَمٍ

وفيها توثيق لمولده ومعجزاته صلى الله عليه وسلم ومنها معجزة آيات القرآن الخالدة التي:

إِنْ تَـتْلُهَا خِيفَةً مِنْ حَـرِّ نَارِ لَظىً *** أَطْفَـأْتَ نَارَ لَظىً مِنْ وِرْدِهَا الشَّبِمِ

وفيها توثيق لإسرائه ومعراجه صلى الله عليه وسلم:

سَرَيْـتَ مِنْ حَرَمٍ لَـيْلاً إِلَى حَرَمٍ *** كَمَا سَرَى الْبَدْرُ فِي دَاجٍ مِنَ الظُّلَمِ

وَبِتَّ تَـرْقَى إِلَى أَنْ نِلْتَ مَنْـزِلَةً *** مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ لَمْ تُدْرَكْ وَلَمْ تُرَمِ

وفيها ذكر لجهاده صلى الله عليه وسلم وجهاد أصحابه الذين التفُّوا حوله وانجذبوا إليه صلى الله عليه وسلم انجذاب المعدن إلى المغناطيس في جماعة مؤمنة تَخْفُقُ نبضات قلوبهم على وتيرة نبضات قلبه المتعلِّق بالله الطاهر بذكر الله العامر بحب الله الفيَّاض بمدد الله:

هُمُ الْجِبَالُ فَسَلْ عَنْهُمْ مُصَادِِمَهُم *** ماذا لَـقِي منهم فِي كُلِّ مُصطَدَمِ

طَارَتْ قُلُوبُ الْعِِدَا مِِنْ بَأسِهِمْ فَرَقَاً *** فَمَا تُـفَـرِّقُ بَيْنَ الْبَهْمِ وَالـبُهَمِ

أما ختام القصيدة فَتَوَسُّلٌ به صلى الله عليه وسلم ومناجاةٌ رقيقةٌ ودعاء كأنه ما دَبَجَ ما قبله إلا توطئةَ مُتَوَسِّلٍ لا يعرض حاجته إلاَّ بعد الثناء على المتوسَّل إليه:

يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ *** سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الْحَادِثِ العَمِمِ

وَلَنْ يَضِيقَ رَسُولَ اللهِ جَاهُكَ بِي *** إِذَا الْكَريـمُ تَجَلَّى بِاسْمِ مُنْتَقِمِ

هذه هي البردة: مِنْ أجمل ما أُهدي إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإلى أُمَّةِ سيدِنا محمدٍ عليه الصلاة والسلام، ومن أبدع ما نسج حائك شاعر بعد عصر الرسالة على مدى قرون وقرون:

– تَشَوُّقٌ إلى النبي الحبيب ولديار النبي الحبيب عليه أزكى صلاة وسلام..

– وتذكيرٌ للعبد بربه وبما يلزم من تشمير استعداداً للقائه تعالى..

– وتحبيبُ نبيه صلى الله عليه وسلم..

– وتفعيلٌ لاِنتساب العبد إلى خير أمة أُخرجت للناس..

– وتوبةٌ والتجاءٌ وتسليمٌ وضراعةٌ للباري عز وجل:

يَا نَفْسُ لاَ تَقْـنَطِي مِنْ زَلَّةٍ عَظُمَتْ *** إِنَّ الْكَـبَائِرَ فِي الغُفْرَانِ كَاللَّـمَمِ

لَعَلَّ رَحْمَـةَ رَبِّي حِيـنَ يَقْسِمُـهَا *** تَأْتِي عَلَى حَسَبِ الْعِصْيَانِ فِي الْقِسَمِ

يَا رَبِّ وَاجْعَلْ رَجَائِي غَيْرَ مُنْعَكِسٍ *** لَدَيْكَ وَاجْعَلْ حِسَابِي غَيْرَ مُـنْخَرِمِ

وَالْطُفْ بِعَـبْدِكَ فِي الدَّارَيْنِ إِنَّ لَهُ *** صَبْراً مَـتَى تَدْعُهُ الأَهْوَالُ ينْـهَزِمِ