فضل و شرف !

لايزال عند بعض مثقفينا المخلصين مطلب غاية التزكية بين يدي الله تعالى وإدراك منازل القرب منه يوم الحشر والزلفى كما لا تزال عندهم “غاية” تحقيق السمو الدنيوي من خلال استجلاء خطى الاستغراب وتأسيس “التنمية” المحلية، لم تنفرد بهم “الغاية” المرجوة رغم مكرها ولم تستطع أن تسلخ منهم الجلد وإن كانت قد لامست منهم القلب وحادت بهم عن جعل هذه من تلك واعتبار العمل الدنيوي الذي يروم النهوض بالأمة صنوا لذاك المطمح الغالي الذي يتوخاه كل عبد راج ربه، فلا تنسلخ الغايتان ولا تتنازعان فمؤدى هذه لتلك ومنشأ الأخرى من هذه.

إن مطلب التزكية ومسعى منابر التربية التي نروم أن تُبث في الأمة إنما منتهاها أن توحد في قلوب أبناء الأمة الإسلامية مطلبي السعي الدنيوي والسبق الأخروي لتحصل الغاية والبغية المرجوة، فتتلازمان وتتفقان وتتحدان لتصيرا جنسا لعمل واحد، المطلب الأرضي من المطلب السماوي والغاية الأخروية يُرتقى إليها عبر المسعى الدنيوي.

ثم إن مثقفينا المخلصين هم أداة عبرها، شاءوا أم أبوا، تنتقل الثقافة وتتوارث داخل الأجيال الجديدة الصاعدة، فمتى استقامت منهم الوجهة والمقصد وبانت عندهم الغاية، كان النقل للخَلَف سليما رزينا وكان المؤمل منه والمرجو حاصلا يقينا، لكن إن لم تستقم لهؤلاء الوجهة ولم تستبن عندهم الغاية فهي عند أولئك كالحة مضطربة.

مطلب هو من المطالب الغالية أن يكون مثقفونا المخلصون أداةَ تغيير وتحريك للأمة بهم تستنير وبهم تستعيد سالف مجدها وبهم تعرف القرب من ربها، والمؤمل منهم أن تستقيم منهم القلوب لله تعالى، وأن تكون في البقية الباقية من الإيمان في قلوبهم منبع نصح للأمة، فهم على أبواب شتى من منابر التزكية التي نرجو استخلاصها في قابل أيامنا لتكون منارة لتصفية الوجهة والمقصد والغاية، وفضل ومزية عندهم أن لهم من علوم “الغرب” ما به ترفع المشقة عن الأمة في استخلاص النافع من العلوم، فذاك إلى جانب التوعية والتحلية بفاضل الأخلاق لأبناء الأمة مطلب منهم عزيز.

عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”-مسلم-قال ابن حجر العسقلاني نقلا عن المازري في معنى النصيحة :مشتقة من النصح وهي الخياطة والمِنْصَحة هي الإبرة والمعنى أنه يلم شعث أخيه بالنصح كما تلم المنصحة ومنه التوبة النصوح كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه- فتح الباري1/183،لسان العرب2/617-.

إن اعتزاز مثقفينا بدينهم وإسلامهم لحري أن يحملهم، كما هم حريصون، على تَمَثُّل دين الله تعالى في الأنفس والآفاق وعلى تبليغ الخطاب الإلهي والنبوي تبليغا إلى خلق الله تعالى لتنتصح بهم الأمة فيكونون إبرة تخيط ما انخرق وتمزق وضاع في الأمة، ولا يزال تشبتهم بدينهم وانتسابهم لإسلامهم وعدم قبولهم لمزايدة أحد على إسلاميتهم، حافزا يحث على استنهاض هممهم وابتعاث حميتهم ليبلغوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالشرف في تبليغ دعوة الله تعالى والفضل في السبق من مثقفينا الأفاضل وتمثل أمر الله تعالى ونهيه.

شيد منار الدين شرف أمره        *****       تشرف غداً واشدد به واستمسك

قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) -فاطر-.

أمة واحدة

لا تزال أمة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم حية صابرة، ولا تزال عناية الله تعالى بهذه الأمة قائمة متوالية، فما إن يظهر العجز والخوار في جيل من الأجيال إلا ويبعث الله عز وجل من يستنهض الهمم ويحيي الموات ويغرس الخير ويدل على الطريق، أورد ابن حبان في صحيحه والإمام أحمد في مسنده وأبو الحسن بن أبي بكر الهيثمي في كتاب موارد الظمآن خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فيه ” لا يزال الله عز وجل يغرس في هذا الدين بغرس يستعملهم في طاعته”، تعهد الله عز وجل بأن يغرس في الأمة من يستعملهم في طاعته وينشئهم على عينه وبهذا فالأمة محفوظة بعين الله تعالى، فهي لن تباد ولن تزول ولن تقهر، أما النصر والتمكين فمشروط ومرهون بنهوض جميع أعضاء الأمة، لا يكفي بزوغ عالم أو شيخ أو ولي ليُرتَّب عليه تحقيق “النهضة” وإن كان الدعاء منهم سند وعون وكان التوجيه والمقصد منهم شرع متبع، لا يستقيم أمر الأمة في كليته إلا إذا استقامت الأمة وتوجهت في غالبيتها إلى ربها عز وجل وعرفت مقصد ابتعاثها، قد تصلح فئة أو مجموعة لكن هذا لا يدفع بلاء ولا يجلب تمكينا، قال تعالى: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)-الأنبياء- ، كما هو توحيد الله بالعبادة مطلب شرعي تتعاون عليه الأمة وتتكاثف وتتناصح، فكذلك هو مطلب شرعي توحيد هذه الأمة لتكون مسعى واحدا ويدا واحدة، إذ لا يتحقق تخليص العبادة لله وحده لكل الأمة إذا لم تتوحد في مجموعها، ولا يتم هذا التوحيد في حاضر الأمة إلا إذا اشتغل كل فرد من أفراد الأمة بما يضمن خيرية الأمة واستمراريتها قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ(110)  -آل عمران-، ما امتدحت الأمة في هذه الآية إلا بفضل مزية الأمـر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما جعلت فيها الخيرية إلا بهذه الصفة، فإن انمحت منها هذه المزية فهي أمة من الأمم لا شأن لها ولا فضل، بل قد تلعن وتذم ويعمها البلاء كما حكى سبحانه في كتابه العزيز عن بني إسرائيل في قوله: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ(78)كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ(79) -المائدة-، قال الشيخ سلمان العودة في إحدى الرسائل التي كتبها حثا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر “هذه هي صفة المجتمع المسلم وميزته التي جعلت هذه الأمة غرة في جبين الدهر ، وتاجاً يتألق على مفرق التاريخ” – رسالة مطبوعة بعنوان ” حتى لا تغرق السفينة”-.

لا تجدي منابر التزكية في تربية الأمة وتوعيتها إن لم تنشئ الأجيال وتربيهم على ضرورة دفع الضرر عن الأمة أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر علما وعملا، ذكورهم وإناثهم، شبابهم وشيوخهم، فقيرهم وغنيهم، ملكهم ومملوكهم، لا ينفك هذا الأمر بالمعروف عن الرحمة والمودة واللطف والسكينة والتحبب حتى لا تنزلق الأقدام إلى همجية الإفساد والظغينة والإكراه بدعوى الإصلاح واتباع الشرع أمرا بمعروف أونهيا عن منكر، فهذا تخبط وجهل ولنتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل:” إن الله عز وجل اصطنع هذا الدين لنفسه وإنما صلاح هذا الدين بالسخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما”-شعب الإيمان7/431-.

أليس عاراً أن نعيش أمة        *****       مثل اللقا أو غرضاً لمن رمى

قال تعالى: وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) -الأعراف-