تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام حلقة جديدة من سلسلة الاعتداءات الصهيونية الغادرة، ولا يزا ل أهل القدس صامدين ثابتين، وفي مقدمتهم الشيخ المجاهد رائد صلاح ومن معه في خندق الثبات والتضحية عُزلا من كل سلاح إلا من عزمهم القوي ويقينهم بنصر الله وتمكينه عز وجل للمستضعفين.. بينما نجلس نحن المكبلون العاجزون نحرس الأرامل.. ونتفنن في نحيب الثكالى وأنين اليتامى.. أما إعلامنا فملتزم لا يحيد عن ضوابط “التضبيع”، وهي مرحلة متقدمة تلي درجة التطبيع الذي حرصت حكوماتنا بكل جهدها على تنفيذه ثقافيا واقتصاديا وسياسيا..

فمنذ أول قمة “أحلامية” عقدت عام 1963، لا تزال التوصيات متشابهة، خلاصتها إبداع في الصياغات وشلل في الإرادات، بينما الحصيلة رسميا إلى حدود مؤتمر مكة 7/8 دجنبر 2005، إحصاء 16 علاقة بشكل أو بآخر مع “إسرائيل”، وكلها ضمن الأعضاء السبعة في لجنة القدس..

وتبقى سياسة التهويد للقدس الشريف مستمرة ضمن البرنامج المعلن حيث وصلت إلى 80 في المائة من كل الأراضي الفلسطينية.. وما سياسة الكر والفر للإسرائيليين الصهاينة حول بيت المقدس، وبخاصة باب المغاربة، إلا مقياس للشعور” الأحلامي”، متربصون بذلك فترة ضعف قاتلة لينقضوا على الحرم الشريف-لا قدّر الله ـ وينفذوا شعار بنغوريون رئيس أول حكومة للصهاينة:”لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل”..

فمنذ اليوم الرابع من حرب 1967 انتزع الصهاينة مفتاح باب المغاربة، وهدموا المنازل والأحياء، حيث دمرت مآثر تاريخية منها المدرسة المملوكية.. ولم يطفئ نار حربهم إلا المجاهدون المقدسيون..

وتتوالى الخطوات التهويدية عازمة صريحة متحدية، فيصرح ممثل نتانياهو في مؤتمر ضم متطرفين صهاينة: “الهيكل قلب الشعب اليهودي وروحه..”

والصهاينة مقتنعون بأن نصب هيكلهم المزعوم المشؤوم لا منفذ له إلا عبر باب المغاربة المحاذي لحائط البراق المبارك، وهو بجوار التلة التي يرجون زوالها غصبا وعنفا، والتي اعتبرها الشيخ رائد صلاح قبيل اعتقاله، وهو معتصم على بعد أمتار من باب المغاربة، أكبر من تلة حين قال:” يجب ألا نقلل ونصغر من حجم الجريمة، فالمكان المعتدى عليه ليس مجرد تلة أو جسم خشبي كما يزعمون، وإنما طريق تاريخية عبر منها الفاتح صلاح الدين الأيوبي”، وأضاف أن هذه التلة جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك، وهي وقف إسلامي منذ أكثر من ألف عام..

وحارة المغاربة هي حي أجدادنا ـ معشر أهل المغرب ـ بمقتضى الوقف الشرعي كما تنص على ذلك المخطوطات المحفوظة.. فقد نصت الوثائق والعقود أن المغاربة المعتمرين والحجاج كانوا ينزلون بالتوالي مجاورين لحي البراق ـ تهويدا سموه حائط المبكى ـ استنانا وعملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:”لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى” متفق عليه..

وقد كانت للمجاورين أهداف كثيرة، فقد كان الصالحون يرجون العلم أخذا وعطاء، ويشاركون المجاهدين في حروبهم ضد المعتدين.. وأكدت المصادر التاريخية أن المغاربة المقدسيين كانت لهم صولات في الحروب الصليبية في جيوش القائد المجاهد نور الدين حيث أبلوا البلاء الحسن..

وبقي المغاربة على العهد زمن صلاح الدين. وعرفانا من ابنه السلطان”الأفضل”، وقّف الزاوية الجنوبية الغربية لحائط الحرم ـ وهي أقرب مكان من المسجد الأقصى ـ على المغاربة سنة 1193 م.. وقد زادت عناية السلطان الأفضل بهم حيث بنى لهم بحارتهم مدرسة عظيمة سماها باسمه.. وقد أقام الكثيرون من أعلام المغرب سنين طويلة هناك كأمثال الشيخ سيدي صالح حرازم المتوفى بفاس أواسط القرن السادس الهجري، والشيخ المقري التلمساني صاحب كتاب” نفح الطيب”…

صان المغاربة وقفهم على مدى عصور، وعملوا على تنميته باقتناء العقارات، ومنهم من اشترى قرى بضواحي القدس وجعلها حبسا محفوظا، ونذكر منهم العالم أبا مدين شعيب تلميذ الشيخ صالح حرازم..

وظلت جميع هذه الأوراق محفوظة محترمة من طرف الدول المتعاقبة، وحتى بعد الاحتلال البريطاني، إلى أن كان العدوان الصهيوني فاندرست الأحياء والمساجد، وهدمت صوامع، وأتلفت مدارس ظلت شامخة شاهدة مدة ثمانية قرون على آثار المغاربة، لتنمحي ذكريات الأجداد وتُدمر ذاكرة الأحفاد.. ولا يبقى بعدها إلا التعلق بالقبلة الغربية وعواصمها واشنطن ولندن وباريس ..

وصدق الله العظيم الذي وعد الصهاينة المعتدين بوعده الحق:” فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا” .