وقع المغرب بتاريخ 09 دجنبر 2003 على اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بمحاربة الرشوة، هذا الداء العضال والسرطان الخبيث الذي يواصل انتشاره وزحفه على كل مستوى حتى أصبحت كل القطاعات و المجالات والمعاملات به موبوءة. وكان من المفروض بعد هذا التوقيع أن تتراجع هذه الظاهرة أو تخف، لكن أمام غياب الإرادة الحقيقية للقضاء عليها وكذلك استمرار تمكن عقليات المنفعة الذاتية من دواليب الإدارة ونهج أسلوب اللامبالاة، اندحر المغرب دركات إضافية في سلم مؤشر ملامسة الرشوة حسب منظمة ترانسبرانسي الدولية. فبلدنا هوى من المرتبة 70 سنة 2003 إلى المرتبة 77 العام قبل الماضي، لا بل إن الدراسة الميدانية التي قامت بها مكاتب دراسات مغربية لفائدة الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة(*) أكدت أن 64 % من الأسر المغربية تنظر إلى الرشوة كمعطى اعتيادي لم يعرف أي تغيير يذكر خلال السنوات الثلاثة الماضية.

إن المغرب منذ توقيعه على تلكم الاتفاقية لم يقم بشيء ذي بال لمحاربة هذا المرض القاتل اللهم بعض الحملات المحتشمة المعاقة التي تفضي إلى اعتقال بعض صغار الأعوان في أسفل هرم السلم الإداري أو بعض المواطنين المكرهين الذين يتم تقديمهم إلى المحاكم بتهمة محاولة “إرشاء” أحد الأعوان العموميين, ولم تشمل هذه الحملات أحدا من كبار الموظفين، ربما لغياب “الأدلة”، مما يذلل على أن هذه الحملات ليست إلا تململا تمليه الفضائح الكبرى للفساد المالي الذي شهده المغرب ونشر غسيله في الداخل والخارج.

ما هي الرشوة:

الرشوة عملية تفاعلية بين طرفين (ذاتيين أو معنويين): راش يدفع ما له قيمة ليحصل على منفعة لا يستحقها وحده، ومرتش يفوت إلى الراشي بشكل تفضيلي منفعة معينة مستغلا في ذلك منصبه أو سلطته، وقد تأخذ شكل الغصب حين يكره المواطن على دفعها مقابل قضاء مصالحه.

الرشوة إذا جريمة تجمع بين الفساد المالي و الأخلاقي والشطط في استغلال النفوذ.

قال الله عز وجل: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنت تعلمون) هذا بيان واضح لكل عناصر الارتشاء:

مرتشون: مدرجون تحت مصطلح الحكام بشكل مضمر فالحكام هم المسؤولون عن رعاية مصالح الناس وصيانتها و هم المسؤولون الأولون – بنفوذهم- عن مرؤوسيهم لاسيما وأن هؤلاء جميعا في وطننا الحبيب يلزمون بتطبيق التعليمات لا التشريعات وينفذونها باسم الحكام لا باسم القانون.

راشون: وهم من شملهم النهي عن تقديم الأموال ليتمكنوا من الحصول على منافع بغير حق.

الرشوة: أكل لأموال الناس بالباطل.

ضرر الرشوة:

لا يقتصر ضرر هذه الآفة على جانب واحد من جوانب الحياة العامة بل يشمل كل الجوانب الأساسية كالجانب الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي.

” في المجال الاقتصادي:

الركود الاقتصادي لا يحركه إلا الاستثمار وهو المنعش الحقيقي لهذا المجال، غير أن ركيزته الأساسية  الرأس مال  يحتاج إلى ضمانتين رئيسيتين: الأمن و نظافة البيئة الاقتصادية وتعني الانفتاح أمام الجميع بالمساواة وبقدر كبير و لازم من النزاهة والشفافية.

النزاهة والشفافية أول ما ينهار من المنظومة الاقتصادية بفعل استشراء الرشوة. وقد أكدت الدراسة المومإ إليها آنفا على أن الرشوة تنتعش بشكل كبير في مجال الصفقات العمومية حتى أن 95% من المستجوبين وهم مقاولون أكدوا على أن تفويت هذه الصفقات يشهد بشكل دائم ودوري تقديم منح و هدايا و ورشاوى قد تصل في مجموعها إلى 10% من قيمة الصفقة نفسها؛ وافهم أنت من أين تستخلص هذه المبالغ (على حساب جودة الأشغال والخدمات).

لقد بلغ الحد في هذا المجال أن يعترف المسؤولون بوجود رشوة كبرى لها أشكال متعددة وبالملايين من الدراهم، وللرشوة تصنيف تستدعيه المرحلة و تقتضيه الضرورة ربما ليتم التركيز على مكافحة المرتشين الصغار قابضي العشرين درهما في انتظار وضع خطة تهتم بكبح جماح المرتشين الكبار في أفق سنوات قادمة قد تطول بقدر ما يطول عمر الانتقال “الديمقراطي”و”خصوصية” الحالة المغربية مرة أخرى.

” المجال الاجتماعي:

أثر الرشوة في هذا المجال أشد وقعا على المستضعفين لارتباطه بقطاعات خدماتية أساسية. ففي قطاع الصحة مثلا 77% من الممرضين يتعاطون الرشوة ناهيك عن الممرضين الرئيسيين والأطباء، ويبلغ معدل المبلغ الممنوح للاستفادة من خدمة صحية 146 درهما حسب ذات التقرير.

ولا يخفى على كل ذي بصر أن الأمر نفسه يكاد ينطبق على مختلف القطاعات كالكهرباء والماء والسكن والمحافظات العقارية….

أما القانون المنوط به محاربة هذه الظاهرة فيبقى عاجزا أمام دهاء الفاسدين، حتى أن القضاء وهو أساس الحكم غدا بؤرة من بؤر هذا المرض، وبعض المحاكم تعرف رواجا في سوق المال و كأنها إحدى بورصات القيم؛ يخصص التقرير للقضاء مكانة “مرموقة” في تصنيفه للقطاعات الموبوءة إذ أن 4% من المستجوبين قدموا بأنفسهم رشاوى إلى كتاب محاكم أو قضاة، وقد يبلغ المبلغ المقدم حوالي 1330 درهما كمعدل.

نستحضر في هذا المجال قطاعا آخر مهما له ارتباط بحرب الطرق التي يرتفع عدد ضحاياها باستمرار بل يرتفع حتى إبان تنظيم حملات الوقاية من حوادث السير إلى درجة أن أيام الأعياد والعطل أصبحت تشكل كابوسا حقيقيا للأسر المغربية لما تعرفه من حوادث “نوعية” يعزوها المسؤولون دائما إلى تهور السائقين و الحالة الميكانيكية للعربات دون أن يشيروا إلى حالة الطرق والنقط السوداء منها وهي معروفة ومحددة في الخريطة الطرقية. أمام هذه المأساة كثر الحديث عن وجوب تشديد العقوبات الزجرية بشقها المالي أو الإجرائي كسحب الرخصة، لكن و من جديد تبرز الرشوة كعائق لا محيد عنه أمام تطبيق أي قانون في هذا المجال ويمكننا أن نقطع بكل تأكيد أن تشديد العقوبة لن يغير من الواقع شيئا ولن يسفر إلا عن رفع مبلغ الرشوة. تشير نفس الدراسة من خلال 93 % ممن شملهم الاستطلاع أن الرشوة متفشية في شرطة المرور بنسبة 99% و موظفي النقل بنسبة 64% .

لا حاجة للإطالة في تعداد مظاهر الارتشاء في هذا المضمار فالمغاربة جميعا يعلمون كيف يتمكنون من قضاء مصالحهم بكل الإدارات سواء المقاطعات أو البلديات أو الجمارك أو الضرائب أوالسجون وهلم جرا…

” المجال السياسي:

من يجادل في الفساد الضارب أطنابه في مجال السياسة بالمغرب  نستثني الفضلاء وهم موجودون في كل قطاع وهم كثر بارك الله فيهم وثبتهم- فواقعنا فصيح ينطق بكل بيان بأن الرشوة وإرادة الاستبداد شوهتا الساحة السياسية وجعلتاها مضمارا عفنا يترفع عنه الناس ويقاطعونه، يكفي أن جميع الانتخابات منذ الاستقلال تميزت دوما ودونما استثناء بشراء الأصوات والناس، 50 سنة… يا للعار.

تتعدد المجالات وتبقى الرشوة ظاهرة يحركها ويغذيها الفساد العام تحت شعار “لا ناهي ولا منتهي”.ظاهرة متكشفة لا تتخفى، و إن تعددت أسماؤها (الحلاوة، القهوة، التدويرة، العمولة،الهدية…) تتحدى كل البرامج الإصلاحية المزعومة وتضرب دولة “الحق و القانون” في الدلالة والعمق.

هل يقضى على الرشوة ببرنامج الحكومة الأحادي الجانب بشعار “لا للرشوة” الذي لا يتجاوز مفعوله الملصق الذي كتب عليه؟ كيف يتغير هذا الحال إن نحن سكتنا عن الجانب الإصلاحي الأساس المؤسس على إصلاح النفوس وما اعتراها من غفلة عن الديان الذي لا يغفل؟ كيف تقوم قائمة للعدالة والنزاهة والشفافية حين يحارب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتؤمم المساجد ويمنع الوعاظ والخطباء الصادقون من النصح للمسلمين؟ أم كيف تنظف أركان البلاد من المفسدين و القانون مستفرد به مسكين يعزف على أوتاره من يملكونه؟.

لقد بات المغرب في حاجة ملحة جدا للإصلاح بشكل جدري وشامل يشارك فيه وينهض بأعبائه كل المغاربة ضمن ميثاق إنقاذ عاجل فالسكتة القلبية المعلنة في العقد الماضي قد ولى زمنها ولعلنا نعيش الآن زمن الاحتضار وله سكرات وسكرات، والله المستعان .

* * * * * * * * * *

(*) أجرت مكاتب دراسات مغربية لفائدة الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة دراسة شملت عددا من المغاربة من مختلف الشرائح والقطاعات و خلصت إلى معطيات خطيرة، إلا أن المسؤولين فضلوا التقليل من مصداقية الدراسة عوض القيام بما تمليه هذه الوضعية.