ثــمــرات الاسـتــغــفــار وفــوائـــــده

يقول أحمد عبد الجواد في الدعاء المستجاب من الكتاب والسنة: الاستغفار ذكر لا يتضمن دعاءاً لفظياً، ولكن الثمرات المترتبة عليه هائلة نفيسة، يقول تعالى:{وقلت استغفرواْ ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً}.

ومن فوائد الاستغفار كما في:«شرح تراجم البخاري» للإمام محمد بن أحمد، فضل:[محو الذنوب، وستر العيوب، وإدرار الأرزاق، وسلامة الخلق، والعصمة في المال، وحصول الآمال، وجريان البركة في الأموال، وقرب المنزلة من الديان، فالثوب الموسخ أحوج إلى الصابون منه إلى البخور، لتزول الآثار وتنشرح الصدور] فلله الحمد والمنة.

وشكا رجل إلى الحسن البصري الجذب، فقال: استغفر الله. وشكا إليه آخر الفقر، فقال: استغفر الله. وشكا إليه آخر عدم الولد، فقال: استغفر الله، وتلا عليهم جميعاً آيات الاستغفار.

وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال للذي شكا إليه الدين وقلة ذات اليد:(أين أنت من سيد الاستغفار، قل ما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، استغفر الله مائة مرة).

ونضيف أن بكثرة الاستغفار يحب الله المستغفر ويرضى عنه، ويصرف العقوبة عنه، ويزيل إصراره ، ويعطيه ثواب طلب المغفرة لوالديه وللمؤمنين والمؤمنات، وأن به تبيض صحيفة الأعمال وتصفو القلوب، فهو مفتاح السماء والدواء لكل داء، ولا يمل الله حتى تملواْ……

1  المغفرة:

أخرج الترمذي وابن ماجة عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم:(يقول الله تعالى: يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيته فاستغفروني أغفر لكم، ومن علم أني ذو قدرة على أن أغفر له غفرت له ولا أبالي). وقال الترمذي حسن وأصله عند مسلم بلفظ آخر.

وعن أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(قال الله: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم: لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي). يقول الشوكاني عن هذا الحديث: أخرجه الترمذي، وزاد في آخره:(يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة). قال الترمذي حديث حسن غريب [قوله: عنان السماء] بفتح العين المهملة وهو السحاب وأحدها عنانة…، وقوله بقراب بضم القاف وهو ما يقارب ملأها. وفي الحديث دليل على سعة رحمة الله تعالى بعباده. وأن العبد إذا كان يدعو الله سبحانه وتعالى ويرجوه غفر له، وأنه إذا قال أستغفر الله تعالى بعد استكثاره من الذنوب وبلوغها إلى حد لا يمكن حصره ولا الوقوف على قدره غفرها له، فانظر إلى هذا الكرم الفائض والجود المتتابع، بل ورد ما يدل على أن العبد إذا أذنب فعلم أن الله تعالى إن شاء أن يعذبه عذبه، وإن شاء أن يغفر له غفر له، كان ذلك بمجرده موجباً للمغفرة من الله سبحانه وتعالى تفضلًا منه ورحمة كما في حديث أنس رضي الله عنه عند الطبراني في الأوسط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من أذنب ذنبا فعلم أن الله عز وجل إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له كان حقاً على الله أن يغفر له) وفي إسناده جابر بن مرزوق وهو ضعيف. بل ورد أن مجرد علم العبد أن الله قد اطلع على ذنبه يكون سبباً للمغفرة كما أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من أذنب ذنباً فعلم أن الله قد اطلع عليه غفر له وإن لم يستغفر) وفي إسناده إبراهيم بن هِراسة وهو متروك. ومثل هذا غير مستبعد من الفضل الرباني، والعطاء الرحماني، فهو الذي يغفر ولا يبالي، ويعطي بغير حساب، وليس لمن وهب الله نصيبا من العلم وحظا من الحكمة، أن يقنط عباد الله، ويباعدهم من حسن الرجاء وجميل الظن.

قال الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي:

يـبالـغ فـي الـغـفـران فـي كـل ما يَـرى      *****     من الـسوء مـنـي فالـغـفــور اللـــهُ

وقال العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي:

بـمـغـفـرة كـن يا غـفـور مـسـاعـدي      *****     وللـشـكـر وفـق يا شـكـور مَـراعِـيـا

وقال محمد بن علوي المالكي الحسني في أبواب الفرج: أن حقيقة الاستغفار ومعناه طلب المغفرة من الله بقوله: أستغفر الله، وصيغ الاستغفار الواردة عنه صلى الله عليه وسلم كثيرة وكلها مذهبة للكروب ممحقة للذنوب.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء بقوم يخطئون ثم يستغفرون فيغفر لهم) يقول الشوكاني: أخرجه أحمد وأبو يعلى الموصلي، وقال في مجمع الزوائد رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات. وأخرج أحمد والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كفارة الذنب الندامة)… وفي الحديث دليل على كثرة وقوع الذنوب من بني آدم، وأن من حاول أن لا يقع منه ذنب البته فقد حاول ما لا يكون…وقد خلقهم الله تعالى وأمرهم بالخير والكف عن الشر، ولكن ما في جبلتهم يأبى أن لا يقع منهم لأن العصمة لا تكون إلا لمن أعطي النبوة من بني آدم، فلو أرادوا أن لا يذنبوا أصلاً رامواْ ما ليس لهم. وقد أطال شراح الحديث الكلام على معناه بما هو معروف. وفيه الإرشاد إلى الاستغفار والترغيب فيه، وأنه رافع للذنوب دافع للآثام، وقد أرشدنا إلى ذلك الكتاب العزيز كقوله سبحانه وتعالى:{ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما}.

قال أبو عبد الله الوراق: لو كان عليك مثل عدد القطر وزبد البحر ذنوباً لمحيت عنك إذا دعوت ربك بهذا الدعاء مخلصاً إن شاء الله تعالى:[اللهم إني أستغفرك من كل ذنب تبت منه ثم عدت فيه، وأستغفرك من كل ما وعدتك به من نفسي ولم أوف لك به، وأستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطه غيرك، وأستغفرك من كل نعمة أنعمت بها علي فاستعنت بها على معصيتك، وأستغفرك يا عالم الغيب والشهادة من كل ذنب أتيته في ضياء النهار وسواد الليل في ملإ أو خلاء وسر وعلانية يا حليم]، ويقال إنه استغفار آدم عليه السلام، وقيل استغفار الخضر عليه السلام.

وعن محمد بن عبد الله بن محمد بن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: واذنوباه واذنوباه، فقال هذا القول مرتين أو ثلاثا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:(قل: اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي ورجمتك أرجى عندي من عملي)، فقالها، ثم قال: عد، فعاد. ثم قال: عد، فعاد.ثم قال:(قم فقد غفر الله لك) رواه الحاكم.

يقول الشاعر أحمد مخيمر:

تـبـاركـت يا غـفـار إن جـــاء تائـبُ      *****     وناداك ذو ذنب، فأنـت غـفـورُ

تـبـاركـت لـم يظـفـر بعـفـــوك كله      *****     مــن الـناس إلا صابر وشـــكور

فـكـل نعــيم قـبل عـفــــوك باطـل      *****     وكل رجاء في الحــــيــاة غرور

ويقوم الإمام الشيخ أحمد بن محمد الدردير:

غـفــور، شكور لم تـزل متـفـضـلا      *****     فبـالشكر والغفران مولاي خُصنا

الشكور: الذي يعطي الجزيل على العمل القليل. ويزكو عنده القليل من أعمال العباد فيضاعف لهم الجزاء، وشكره لعباده مغفرته لهم.