أولا:تذكير

في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة،بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفدا من خيرة المسلمين قوامه سبعون رجلا من القراء والفضلاء ليبلغوا الإسلام إلى قبائل نجد،تلبية لطلب أبي براء عامر بن مالك؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تخوف من غدر أهل نجد ،وما أغنى حذر من قدر،إذ سرعان ما دارت دوائر المكر والخيانة،فاقتنصت فتية الدعوة،وقتلوا تقتيلا،ولم ينج منهم إلا كعبا بن زيد بن النجار الذي عاش حتى استشهد في غزوة الأحزاب.

سبعون رجلا من أطر الدعوة أبادهم غدر الكفر وحقد صناديده على الإسلام والمسلمين، حدث اهتز له كيانه صلى الله عليه وسلم، وحزن حزنا غير مسبوق، روى ابن سعد عن أنس رضي الله عنه:”ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة”.

ثانيا:سنة دعاء القنوت

جاءت مجزرة بئر معونة في فترة حرجة عنوانها الكبير:إعادة بناء الذات ورص الجبهة الداخلية وتأهيل المسلمين استشرافا للمستقبل بعد هزة غزوة أحد، وما ترتب عنها من زعزعة للصف، في هذه الأجواء العصيبة فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهة جديدة يستمطر من خلالها نصر الله وتأييده لجنده،إنها جبهة الدعاء، فراح صلى الله عليه وسلم يقنت شهرا كاملا، ويدعو على المشركين المعتدين الغادرين الذين استباحوا دماء فتية الدعوة، ففي الصحيح عن أنس قال:”دعا النبي صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة ثلاثين صباحا،يدعو في صلاة الفجر على رعل وذكوان ولحيان وعصية ـ المتورطين في المجزرة ـ،ويقول: عصية عصت الله ورسوله..”

لجأ صلى الله عليه وسلم إلى الدعاء على الظالمين مستعصما بباب الديان القهار المنتقم الجبار معلما صحابته والمسلمين وإخوانه ألا تجرفهم الأهوال، وتكالب الأعداء، وتنسيهم الأوبة إلى ربهم مفوضين أمرهم إليه، فقد تولى سبحانه نصرة أحبابه، والدفاع عن جنده، وفي حديث الولي:”من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب..”، وتوعد عز سلطانه أن يخزي الظالمين المستبيحين حرمة الدين والمؤمنين، وأن يحبط مخططاتهم، ويجعل عاقبتهم خسرا، يقول سبحانه في سورة آل عمران:”إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير حق،ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم،أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة،وما لهم من ناصرين” الآيتان:22،21.

ثالثا: مشروعية دعاء القنوت ووقته

القنوت لغة الدعاء،والدعاء مخ العبادة كما في الحديث،بما هو ـ الدعاء ـ افتقار واضطرار وخضوع بين يدي الحق سبحانه؛ لهذا كان من أهم شروط صحة الدعاء وضمان الاستجابة التضرع وانكسار القلب، وفي الحديث:”أنا عند المنكسرة قلوبهم.”

وقد علم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الصحابة أوقاتا فاضلة للدعاء منها ساعة يوم الجمعة وبين الأذان والإقامة ودبر الصلوات وفي السجود وعند الإفطار من الصوم، وأجل هذه الأوقات الثلث الأخير من الليل، يقول سبحانه في سورة آل عمران:”الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار، الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار.” الآيتان:17،16.

أما القنوت الذي ارتبط بمجزرة بئر معونة في مثل هذا الشهر صفر، فقد ميزته السنة النبوية عن عموم الدعاء لهول المأساة،أخرج أبو داود وأحمد عن ابن عباس قال:”قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة يدعو على قبائل،على حي من بني سلم،على رعل وذكوان وعصية ويؤمن من خلفه”.

وشرع القنوت في النوازل والشدائد والضيق والضنك، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال:”لأقربن بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح بعدما يقول سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن أعداء الدين …

وقد ورد القنوت بالإجماع عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين.وأورد ابن القيم في زاد المعاد أن أبا بكر رضي الله عنه قنت على مسيلمة والمرتدين، وقنت عمر رضي الله عنه، وقنت علي كرم الله وجهه على من حاربه من الخوارج وأهل الشام.

رابعا: صيغ القنوت

كان صلى الله عليه وسلم يذكرالأسماء،أسماء من يدعو لهم وأسماء من يدعو عليهم من الظالمين.أخرج البخاري عن أبي هريرة قال:بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء إذ قال:سمع الله لمن حمده ،ثم قال قبل أن يسجد:”اللهم نج الوليد بن الوليد اللهم نج المستضعفين من المؤمنين ،اللهم اشدد وطأتك على مضر،اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف”.

وروي عن عمر رضي الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام أنه كان يقول في القنوت:”اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات،والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم،وأصلح ذات بينهم،وانصرهم على عدوك وعدوهم (….)” وفي الدعاء على الأعداء ” اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين…”.

ويصح الدعاء بأية صيغة كانت، ومن الأدعية الجامعة التي وردت في القنوت :

“اللهم رب السماوات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت كن لنا جارا من شر خلقك كلهم جميعا أن يفرط علينا أحد منهم أو أن يبغي علينا،عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك.اللهم إنا نعوذ بك من شر….. (فلان و…..) وملئه وجنده وأشياعه من الجن والإنس والشياطين ومن دونهم ومن وراءهم، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم.”

خامسا:خاتمة

ما أشبه يوم المسلمين بأمسهم، تكالبت عليهم الأعداء،الذين استباحوا الحرمات،فلم يكفهم تقتيل الأبرياء في فلسطين والعراق وأفغانستان،وراحوا يدنسون المقدسات، فمن تدنيس القرآن الكريم إلى الإساءة للرسول الكريم إلى الاعتداء على الحرم القدسي أمام مرأى ومسمع حكام المسلمين الذين سارعوا ملبين دعوة محاربة الإسلام باسم الإرهاب.أفلا يهرع المسلمون وهم في شهر القنوت إلى طرق باب الرحمان العزيز الجبار قانتين سائلين القدير العليم أن يجلي عن المسلمين كابوس الاستكبار،ويقطع دابر الكافرين والمعاندين بما شاء وكيف شاء جل سلطانه،وأن يستمطروا نصره وتأييده،بعد أخذ العدة والزاد:تقوى وتوبة وإصلاح ذات بين وصفاء قلوب وحياء دائم متجدد من الله تعالى.