لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري

بقلم: محمد العربي أبو حزم – [email protected]

محنة البردة

يظن بعض الناس حتى من خاصة المهتمين والمطلعين أن البردة مثال للشعر الذي يكرِّس الاِنْزِواء إلى الذات والهروبَ من المجتمع والعزلةَ عنه والفردانيةَ فيه والتَّقَزُّزَ من مخالطة أهله ويُخَدِّر العقولَ والنفوسَ بروح شعار: “دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر”!

جَمَعَ هذا البعضُ الشِّعرَ الصوفي كلَّه في قفص واحد بتهمة واحدة فحكم عليه بحكم مُبْرَمٍ نافذ واحد.

لا ذَنْبَ للإمام البوصيري إن ضَرَبَ البعضُ صفحاً عن صفحاتٍ وصفحاتٍ من بردةٍ أرادها هو نَبَوِيَّةً جامعة واتَّخَذَهَا غيرُه رَهْبَانِيَةً مانعة. لا ذنب للبردة إن تَبَنَّـتْها اتجاهاتٌ صوفية حَصَرَتْ قراءتَها في بُعْدِها الفردي وخَطِّهَا العمودي حَصْراً.. ولا ذنب لها إن آوَتْهَا الخاصةُ وَاحْتَضَنَتْهَا العامَّةُ في مراحلَ من تاريخ الأمة أنِسَتْ فيها هذه إلى ما رَكَدَ وأَسِنَ من ماءِ حياتِها وأخْلَدَتْ إلى سُفُوحِ هِمَّتِها فأعادت تفصيلَ ما نسج البوصيري لِيُوَائِمَ هُزَالَها.. ولا ذنب لها إنْ لَمْ يُسْمَعْ من تراتيلها إلا مَا رُتِّلَ من “سنفونيتها” العظيمة. وما رُتِّلَ منها غيرُ سَطْرٍ لَحْنِيٍّ واحد لا يعطي حقيقةَ وجوهرَ “التأليف الموسيقي” الكامل الذي حَجَبَتْ بَعْضَ أسطُرِه العادةُ والتناسي وطولُ الأمد وفِعْلُ الرَّمَد..

أنصِتْ إلى الإمام البوصيري وهو يصف بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ويشبِّه الصحابة المجاهدين بالبحر متلاطِم الأمواج وبالجبال:

رَاعَتْ قُـلُوبَ الْعِدَا أَنْبَاءُ بِعْثَـتِهِ *** كَنَبْأَةٍ أَجْـفَلَتْ غُفْلاً مِنَ الْغَـنَمِ

يَجُـرُّ بَحْـرَ خَمِيسٍ فَوْقَ سَابِحَةٍ *** يَرْمِي بِمَوجٍ مِنَ الأَبْطَالِ مُلْـتَطِمِ

مِنْ كُلِّ مُـنْـتَدِبٍ للهِ مُحْـتَسِبٍ *** يَسْطُو بِمُسْتَـأْصِلٍ لِلْكُفرِ مُصْطَلِمِ

وتَأَمَّلْ بيتَه هذا وهو يُشَبِّهُ الواحد منهم بالسَّـيِّد المتلهِّف إلى لقاء العدو الظالم:

كَأَنَّمَا الدِّينُ ضَيْفٌ حَلَّ ساحَـتَهُمْ *** بِكُلِّ قَرْمٍ إِلَى لَحْمِ الْعِـدَا قَـرِمِ

الْقَرْمُ هو السيِّد الكريم، والْقَرِمُ هو الشديد الشهوة إلى الطعام.

هل هذا شِعْرٌ صوفي؟!

أقصد: هل يُصَنَّفُ هذا الخطابُ القويُّ في خانة الشعر الصوفي المتَّهَم -بحق أو بغير حق- في هذه المحاكمة؟!!!

هل هذا خطاب زُهْدِيٌّ تَنْوِيـمِيٌّ تَخْدِيريّ؟

أظن أن “هيئة المحكمة” لو قرأت البيتَ السابق لاتَّهَمت صاحبَنا بالتطرُّف وبالإرهاب!!!

هذا عُرْضٌ أوَّلُ من وجهِ محنة البردة، وما هي إلاَّ نتيجةٌ للرَّمَدِ الذي أصاب الأمة فضَعُفَ بصرُها وبصيرتُها عن تَحَمُّلِ أنوار هذا الدين العظيم فلم تَرَ منه إلاَّ بَعْضَ بصيصٍ ليس إلاَّ.

أما الْعُرْضُ الثاني فليس إلا النتيجةَ المعاكِسةَ للأولى وردَّ فعلها الطبيعيَّ في سياقٍ غيرِ طبيعيّ:

اِمِّحَاءٌ لآثار وآثار من “الباقيات الصالحات” التي لا قيام لروحِ دينِ الله الحقِّ إلا بها، أقصد المعانِيَ التي بدونها لا يعود الدين سوى حركةٍ أفقيةٍ أرضيةٍ مقطوعةٍ عن نسبها الممدود إلى السماء، وتتحوّل النُّبُوَّةُ زعامةً وبطولةً وتاريخاً من التاريخ مضى، ولا يُرى مِن امتدادٍ لنور رسول الله صلى الله عليه وسلم -الذي أضاءَ ويضيء ظلماتِ القلوب والأكوان إلى قيام الساعة- إلا بحجم الحقل البصري الذي تستطيع أَعْيُنُهَا الرَّمِدَةُ أن تراه.

رَمَدٌ هو وأيُّ رَمَد!

كيف؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم “نُـورٌ” كما نَعَتَهُ الحق سبحانه:

“يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ؛ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُـورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”.

“نُـورٌ” من عند الله يمشي على قدمين.

ولا يرى بعضُ الناس إلا بقيةَ آثارٍ على الأرض يكاد يَنْحَجِبُ عن مَصْدَرِها النوراني.

ألاَ إنه بلاء عظيم وسُقْمٌ أليم ألا نستطيع الجمع في نظرة واحدة بين صفحتين مشرقتين من الوجه الواحد الكامل لهذا الدين العظيم!

ألاَ إن أعظم مِيسَمٍ في بردة الإمام البوصيري هو هذه “العقليةُ السنفونية” التي نَسَجَهَا بها، فهو بها -والحق يقال- “نَسِيجُ وَحْدِه”.

إنه لا يُنْسَجُ ثوبُ بُرْدَةٍ إلاَّ بِسَدىً من خيوطٍ متوازيةٍ مصفوفة مشدودةٍ إلى خُشْبَانِ مَنْسِجِهَا شَدّاً، ولُحْمَةٍ تُلْحِمُ السَّدى وترُصُّه رصّاً بِيَدَيْ وأنامِلِ حَائِكٍ خبيرٍ مُتْقِن.

ولا ثوبَ يُنْسَجُ -عَلِمْتَ- بسدىً من خيط واحد، فكيف إذا كان الثوبُ بُرْدَةً نَبَوِيَّةً لا أيَّ بردة؟!

وكيف إذا كان اللابِسَ أعظمُ العظماء وسيدُ الكرماء وخيرُ الأنبياء صلى الله عليه وسلم؟!

هذه هي محنة البردة، وإنها والله ليست إلا وجها مختصَراً من أوجه محنة هذه الأمة.

وإننا اليوم لأَحوج ما نكون إلى من يوقظ فينا من معاني حبِّه صلى الله عليه وسلم والتشوقِ إليه والتعلقِ به وتلَمُّس معالم سَنَنِهِ وسُنَنِه عليه الصلاة والسلام، ويجعل رضا الله تعالى ومحبته غاية الغايات يُشوِّق العباد إليها تشويقاً، وتكون محبةُ حبيبِ الله رسولِ الله محمدٍ بنِ عبدِ الله صلى الله عليه وسلم مَرْقَاةً إلى تِلْكُمُ الغاية وذَلِكُمُ الرضا.

“الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الاِسْلاَمَ دِينًا”.

ولا يَكْمُلُ دينُ الله إلا بِأَتَمِّ نعمةٍ رضِيَهَا لعباده: طلبِ وجهه الكريم والسعي الحثيث لنيل رضاه تعالى ارتقاءً من الإسلام في درجات الإيمان إلى ذُرى الإحسان.

ولا تَحْصِيلَ ولا تَحْصِينَ لتمام هذا الدين الخاتم إلا بجهادٍ ومدافعةٍ لتكون كلمة الله هي العليا. جهادٌ ومدافعةٌ وبناءٌ في الآفاق وفي ذات الأنفس. جهادٌ ومدافعةٌ وبناءٌ على منهاج النبي المعلم المربي صلى الله عليه وسلم تَطَلُّعاً إلى تلكم الغاية السامية السامقة.