1- تقديم

في لحظة من لحظات الجدل الثقافي والفكري، وما أكثرها، طُرِح سؤال الهوية المغربية على المحك دون أن يقابل بجواب واضح، بل دون جواب لأن السؤال تم التحايل عليه وتجنبه لحساسيته الشديدة وإحراجه المصيري لصالح سؤال الحرية وحدودها إزاء المسؤولية وضوابطها.

ورغم أنه بدا جليا انقسام النخب المغربية على نفسها واختلافها في تقييم عدد من الأحداث وتحديد الموقف منها، فإنها-أي النخب- لم تنخرط بجدية ومسؤولية في استكناه الذات تحديدا لمعالمها وتذكيرا بمرتكزاتها بغية تحقيق حد معقول من الإجماع، ومواقف جماعية مدافعة عن الهوية المغربية.

ولعل أحدث صورة لهذا الخلاف الشديد، والذي لا ينسجم ومعنى الانتماء لنفس الوطن والدين، هي الضجة التي أثارتها مجلة “نيشان” أواخر السنة الماضية، وأنصاف الحلول التي جبرت خواطر أصحاب السياسة، دون أن تقدم النخبة المثقفة حلولا جدية حقيقية، عقدية وثقافية، تنهي الجدل الخفي عن الهوية المسكوت عنها، أو تتجاوز على الأقل مرحلة الصمت المميت.

تسعى هذه المقالة إلى تسليط الضوء على شرود النخبة المغربية عن مسألة الهوية، وانشغالها كلما احتدم الجدل الثقافي والفكري بقضايا تبعية للإشكال الأصل، وخوضها نقاشا هو في عمقه مرجعي لكنه يتدثر أساسا برداء الحرية والمسؤولية.

2- ملحاحية سؤال الهوية

يجد سؤال الهوية ملحاحيته ومشروعيته في العديد من لحظات الجدل والتوتر واللغط التي عرفها الجسم السياسي والإعلامي والثقافي، وصلت شظاياها أحيانا إلى فئات واسعة من المجتمع المغربي.

وأتذكر هنا عددا من المحطات التي عرفها المغرب خلال العقد الأخير، رفع فيها سؤال الهوية رأسه ملحا على نخبنا أن تعطيه حقه في التأمل والحوار والحسم، لكن الغالبية كانت تنعطف اتجاه نقاشات هامشية وتبعية.

فمجتمعيا وقع الخلاف على الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، وعقديا لم تتوحد نخبنا حول ما عرف بظاهرة “عبدة الشيطان”، وفنّيا أثار فيلم “ماروك” سؤال الهوية تحت مسمى “حرية الفن”، وإعلاميا أكدت زوبعة مجلة “نيشان”، عند حديثها عن الدين والسياسة والجنس، أن النخب المغربية تتباين في تقديراتها لقيمة الحرية، وغيرها، بناء على اختلافها في تحديد الهوية ومرجعيتها.

إن هذه الأحداث وتلك المحطات، وما هي إلا نماذج، تضع أيدينا على ثلاث نتائج أساسية:

النتيجة الأولى: إشكال الهوية غير مطروح على مستوى الشعب وعموم الجماهير التي حسمت نقاشها فطريا وشرعيا، فالهوية واضحة في مخزونها النفسي ومقدسة في فطرتها الأصيلة، ولا شركاء متشاكسون في عقلها وحركتها الحياتية. لذلك فعندما طرحنا الهوية باعتبارها إشكالا ربطناها بالنخبة.

النتيجة الثانية: إشكال الهوية مطروح على مستوى النخبة لأنها منقسمة على ذاتها إلى أطياف وفرقاء، لكل قناعاته ومرجعياته الفاصلة في تصوره للأشياء. وإني هنا أقصد انقسامها من جهتين:

* من جهة المؤسسة: حيث نجد مثلا المؤسسة الدينية في المغرب، تتخذ موقفا مناقضا لنظيره الذي تتخذه بعض المؤسسات الحقوقية والمدنية والسياسية والجمعوية والإعلامية. وأدعو، توضيحا، إلى مقارنة الموقف المتعارض لكل من هيأة علماء المغرب والجمعية المغربية لحقوق الإنسان بشأن ملف “نيشان”.

* من جهة الإيديولوجية: حيث نجد تعارضا آخر يخرق المؤسسات المذكورة أعلاه، فمثلا الإعلامي والحقوقي والسياسي والجمعوي “الإسلامي” يخالفا كليا قرينه “اللائيكي”. وبينهما مساحة تشغلها فئة كبيرة من النخبة “المستقلة” متناثرة آراؤها في هذه الخانة أو تلك، مؤكدة إشكال الهوية على مستوى النخبة.

النتيجة الثالثة: وهنا مربط الفرس، في أغلب المحطات الخلافية التي يعرفها جسم النخبة المغربية، ينحو النقاش ليحشر في زاوية جدلية معروفة: إنها الحرية والمسؤولية، وفي كثير من اللحظات تعلو غمامات من النقاش الفكري والسياسي والثقافي المضبب غير المفضي إلى نتيجة، لأن النقاش كان على غير أساس موحد وأرضية جامعة، والتي لا يمكن أن تكون سوى الهوية.

إن الصور التي أوردناها أعلاه تستدعي أن تقف نخبنا مع ذاتنا “المغربية” لنحدد ماهيتها بدقة، ونضع لها الأسس العقدية الحاكمة والإطار التصوري العام الضامن للانسجام الضروري.

3- النخبة والحرية أم النخبة والهوية.. السؤال الأصل

لأن الحرية قيمة إنسانية كبرى، ولأنها كانت دائما قطب رحى “الجدل النخبوي”، وباعتبار أن الهوية هي دلالة المعنى والوجود للشعب، فإن السؤال المطروح على نخبنا اليوم: أيهما الأصل، الهوية أم الحرية؟ أي أن نحدد معنى الهوية بعد أن نخط مدلول الحرية ونسطر حدودها، وهنا سنحدد الحرية على أي أساس؟ أم أن الطبيعي والمنطقي هو وضع المرجعية الكلية ثم تحديد القيم التابعة لها؟

من الطبيعي أن تستند الأفكار إلى قيم مرجعية، ومن البديهي أيضا أن تخرج القيم من ذات مشكاة الهوية، حتى تنتظم القيم والأفكار معا في معنى كلي جامع.

وإذا كان الحد الأول للفكرة أعلاه واضحا فإن الحد الثاني ليس كذلك  أو هكذا يبدو أو يراد له – في وعي النخبة المغربية وتمثلها لعدد من السلوكيات والنقاشات المجتمعية، إذ عند الكثير ممن هم محسوبون على “النخبة” تجد خليطا “قيميا” وتشاكسا “مرجعيا” يفضي إلى هوية غير واضحة المعالم و”أنا” متعددة المرجعيات، مما ينعكس على صورة النخبة ككل والتي تصبح أحكامها مجتزأة ومتضاربة وكأننا أمام “حرب الهويات”.

إن الجدل الذي عرفه خليط النخبة المغربية خلال العقد الماضي وفي أكثر من مناسبة يعزى إلى تغييب واضح في كل خلاف فكري وثقافي للمرجعية العقدية والتصورية الضابطة لتوازن المجتمع، والتغييب مقدمة أولية لواقع مسكوت عنه هو الاختلاف في تحديد المدلول القيمي والعقدي والمرجعي للهوية.

ولأن الهوية تضع المجمعين عليها على أرضية جامعة صلبة واحدة يتحاكمون إليها في وضوح ومسؤولية، وتقارع أفكار بعضهم نظيراتها وتتدافع حججهم وتصوراتهم في ظلال هذا الأصل، ويحرص الكل على أن يؤصل لمقولاته وأفكاره من داخل هذا النسق المجمع عليه، فإنها-الهوية- تبقى الأصل الذي تتبعه كل القيم وتمتح من معينه كل الأفكار، والإطار الجامع الذي يمنع الشقاق والافتراق، ويدفع الانتماءات المختلفة والولاءات المتناقضة داخل نفس الوطن.

وحتى لا يفهم كلامنا على غير محمله، فلا أحد يتحدث عن وحدة مصمتة تغيب في ضوئها الذوات وتنعدم الآراء وتفقد التمايزات، وإلا فهي الأحلام والأماني التي تخالف سنة الله في خلقه الغالبةَ إلى يوم الدين “ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك”. ولكن لا أظن أن أحدا يريدها فوضى عقدية وجدلا فكريا وضياعا سياسيا وتسيبا أخلاقيا وذاتية مبعثرة وهوية مفقودة.

إن الهوية تصور وموقف وسلوك، فهي تصور عن الذات والمحيط والأشياء وفق مرجعية محددة، وموقف من هذه المكونات وسلوك إنساني واع نحوها.

ومن تم فضمن خارطة الهوية تتحدد قيمة الحرية، فتعطى معناها ومدلولها المناسب وتسطر لها المساحة التي تتحرك داخلها وفق مسؤولية جماعية وفردية تامة.

الهوية إذا أولا، وعلى ضوئها تحدد معاني وحدود كل القيم الإنسانية وعلى رأسها الحرية.

4-النخب وإعادة الاعتبار للهوية

يقارن موقع النخبة في الأمة بموقع العقل من الجسم، فهي محضن التوجيه ومركز القيادة وموطن صناعة الوعي ومحرك الرأي العام.

ولأنها كذلك فمسؤوليتها أمام الله والتاريخ والأمة جسيمة، إذ هي ملزمة بتأسيس خطاب الوضوح والجرأة في طرح القضايا الإشكالية لكن بباعث الوحدة والحفاظ على الذات وصونها من التمزق والتشتت والحيرة في زمن عولمة كل شيء.

من المفروض أن أكثر مكونات الأمة إدراكا لقيمة الهوية ودورها المصيري هي النخب، ومن المفروض كذلك أن تتشرب النخب مرجعيتها وتسهم في إيضاحها وتلقين أساسياتها لباقي أطياف المجتمع، ومن تم فالنخبة هنا تصبح حامية للهوية مدافعة عن حماها ومقدساتها من تطاول كل مستبيح دخيل.

وما دامت الهوية تجيب على أسئلة الحياة الكبرى: خصوصية الذات ومحيط الكينونة وآفاق الوجود ومعنى الأشياء، وما دامت تعطي للجماعة معناها وتميزها عن الأغيار وتلاقيها مع الآخرين، فإنها ستبقى الرقم الصعب والعامل الرئيسي في الحفاظ على وحدة الشعب أو دفعه نحو حافة الضياع وهاوية اللامعنى. لذلك فالنخب المغربية مطالبة اليوم بأن تفتح نقاشا جديا وصريحا حول الهوية لتجدد الوعي بها، وتعيد الاعتبار للمرجعية العليا، فنتلافى لحظات الصدام المتجددة بين الذات الواحدة، والخلافات الفكرية المخيفة في تقييم الأشياء وإعطائها الأحكام المناسبة.

وإذا كنا ندعو سياسيا إلى إعادة صياغة اللحظة التأسيسية والتعاقد المجتمعي في اختيار وبناء النظام السياسي الشوري، فإننا نستحث ثقافيا نخبنا إلى إعادة التعرف على الهوية الإسلامية للمغاربة والتجديد من داخل المرجعية الجماعية للشعب التي تشكلت خلال قرون من الزمن. وإلا فإننا نؤسس ل”شعوب” داخل الشعب، و”أمم” داخل الأمة، و”دول” داخل الدولة ما دامت الهوية هويات والمرجعية مرجعيات، وهذا ما يتناقض والمهام المفترضة للنخبة إزاء جسم الأمة.

الأسهل من هذا طبعا، المركب السهل الذي يجدف أصحابه بأدوات فكرية خشبية متآكلة وسط بحر متلاطم الأمواج، فيرفعون شعار الحرية وحقوق الإنسان والانفتاح مقابل الدين، من غير تحديد المعنى وضبط المرجعية. فالأوركسترا واحدة، لكن الكل يغني سيمفونيته بلحنه الخاص دون نسق موحد.

إن الحديث عن الهوية كان وسيبقى أمرا مفصليا وحاسما في الدلالة على كنه الشعب، لأن الهوية ترسم المعنى وتخط المسار وتحدد الرؤية للحياة، وبالتالي تجلِّي الأشياء التي يحرم التطاول عليها وغيرها مما هو في المتناول الخوض فيها والاختلاف حولها.