وصَّى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعداً بن أبي وقاص رضي الله عنه حين أمَّره على حرب العراق فقال: يا سعدُ، سعدَ بني وهيب، لا يغرنك من الله أن قيل: “خال رسول الله، وصاحب رسول الله”، فإن الله عز وجل لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكنه يمحو السيئ بالحسن، فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته. فالناس شريفهم ووضعيهم في ذات الله سواء، اللهُ ربُّهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة. فانظر الأمر الذي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمه، فإنه الأمر. هذه عظتي إياك، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك، وكنت من الخاسرين”.

ولما أراد أن يسرحه دعاه فقال: “إني قد وليتك حرب العراق، فاحفظ وصيتي، فإنك تقدم على أمر شديد كريه، لا يخلص منه إلا الحق، فَعَود نفسك ومن معك الخير واستفتح به، واعلم أن لكل عادة عتادا، فعتاد الخير الصبر، فالصبرَ الصبرَ على ما أصابك أو نابك، يجتمع لك خشية الله. واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين: في طاعته واجتناب معصيته، وإنما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة وعصاه، من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة. وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء، منها السر ومنها العلانية، فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه في الحق سواء، وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه، وبمحبة الناس. فلا تزهد في التحبب، فإن النبيين قد سألوا محبتهم، وإن الله إذا أحب عبدا حببه، وإذا أبغض عبدا بَغَّضه. فاعتبر منزلتك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس ممن يشرع معك في أمرك.

وخطب أيضا فقال: إن الله سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر، واتخذ عليكم الحجج فيما آتاكم من كرامة الآخرة والدنيا، من غير مسألة منكم له، ولا رغبة منكم فيه إليه. فخلقكم تبارك وتعالى ولم تكونوا شيئا، لنفسه وعبادته، وكان قادرا أن يجعلكم لأهون خلقه عليه، فجعل لكم عامة خلقه، ولم يجعلكم لشيء غيره. وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة. وحملكم في البر والبحر، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون، ثم جعل لكم سمعا وبصرا. ومن نعم الله عليكم: نعم عم بها بني آدم، ومنها نعم اختص بها أهل دينكم، ثم صارت تلك النعم خواصها وعوامها في دولتكم وزمانكم وطبقتكم، وليس من تلك النعم نعمة وصلت إلى امرئ خاصة، إلا لو قسم ما وصل إليه منها بين الناس كلهم، أتعبهم شكرها، وفدحهم حقها إلا بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله. فأنتم مستخلفون في الأرض، قاهرون لأهلها، قد نصر الله دينكم، فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم إلا أُمَّتَان: أُمَّة مستعْبَدة للإسلام وأهله يتجرون لكم، تستصفون معايشهم وكدائحهم، ورشح جباههم وعليهم المؤونة ولكم المنفعة. وأمة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة، قد ملأ الله قلوبهم رعبا، فليس لهم معقل يلجأون إليه، ولا مهرب يتقون به، قد دهمتهم جنود الله عز وجل، ونزلت بساحتهم. مع رفاغة(1) العيش، واستفاضة المال، وتتابع البعوث، وسد الثغور بإذن الله. في العافية الجليلة العامة، التي لم تكن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الإسلام، والله المحمود. مع الفتوح العظام في كل بلد، فما عسى أن يبلغ مع هذا شكر الشاكرين، وذكر الذاكرين، واجتهاد المجتهدين مع هذه النعم التي لا يحصى عددها، ولا يقدر قدرها، ولا يستطاع أداء حقها إلا بعون الله ورحمته ولطفه؟ فنسأل الله الذي لا إله إلا هو الذي أبلانا هذا أن يرزقنا العمل بطاعته، والمسارعة إلى مرضاته. فاذكروا عباد الله بلاء الله عندكم، واستتموا نعمة الله عليكم، وفي مجالسكم مثنى وفرادى، فإن الله عز وجل قال لموسى عليه السلام: (أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله)(2) وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس)(3). فلو كنتم، إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا، على شعبة من الحق تؤمنون بها، وتستريحون إليها، مع المعرفة بالله ودينه وترجون بها الخير فيما بعد الموت لكان ذلك، ولكنكم كنتم أشد الناس معيشة، وأعظم الناس بالله جهالة، فلو كان هذا الذي ابتلاكم به لم يكن معه حظ في دنياكم غير أنه ثقة لكم في آخرتكم التي إليها المعاد والمنقلب، وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه كنتم أحرياء أن تشحوا على نصيبكم منه، وأن تظهروه على غيره، فبله ما أنه قد جمع لكم فضيلة الدنيا وكرامة الآخرة، أو لمن شاء أن يجمع له ذلك منكم. فأذكركم الله، الحائل بينكم وبين قلوبكم، إلا ما عرفتم حق الله فعملتم له، وقسرتم أنفسكم على طاعته، وجمعتم مع السرور بالنعم خوفا لزوالها ولانتقالها، ووجلا من تحويلها، فإنه لا شيء أسلب للنعمة من كفرانها. وإن الشكر أمن للغير، ونماء للنعمة، واستجلاب للزيادة، وهذا لله على من أمركم ونهيكم واجب”.

وقال ابن عبد ربه رحمه الله: وخطب إذ ولي الخلافة، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: “يأيها الناس إني داع فأمنوا. اللهم إني غليظ فليني لأهل طاعتك بموافقة الحق، ابتغاء وجهك والدار الآخرة. وارزقني الغلظة والشدة على أعدائك، وأهل الدعارة والنفاق، من غير ظلم مني لهم، ولا اعتداء عليهم. اللهم إني شحيح فسخني في نوائب المعروف، قصدا(4) من غير سَرَفٍ ولا تبذير ولا رياء ولا سمعة، واجعلني أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة. اللهم ارزقني خفض الجناح ولين الجانب للمؤمنين. اللهم إني كثير الغفلة والنسيان، فألهمني ذكرك على كل حال، وذكر الموت في كل حين. اللهم إني ضعيف عن العمل بطاعتك، فارزقني النشاط فيها والقوة عليها بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك. اللهم ثبتني باليقين والبر والتقوى وذكر المقام بين يديك والحياء منك، وارزقني الخشوع فيما يرضيك عني، والمحاسبة لنفسي، وإصلاح الساعات، والحذر من الشبهات. اللهم ارزقني التفكر والتدبر لما يتلوه لساني، من كتابك والفهم له، والمعرفة بمعانيه، والنظر في عجائبه، والعمل بذلك ما بقيت، إنك على كل شيء قدير.

——————————————–

(1) رفاغة العيش: سعته.

(2) سورة إبراهيم، الآية 5.

(3) سورة الأنفال، الآية26.

(4) قصدا: لم يُفِرط ولم يفرِّط.