لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري

بقلم: محمد العربي أبو حزم – [email protected]

الْمِنْقَاشُ والمطرقةكيف تَأَتَّى لصاحبنا رحمه الله تعالى ما تَأَتَّى وما كان في بُحْبُوحَةٍ من العيش تعينه على التفرُّغ الذهني والاِستقرار النفسي الضروريين للإبداع، وعلى تحصين طقوسِه وحماية أجوائه التي تضطرب عقاربُها اضطراباً بأخفِّ نسمة ريح لا تشتهيها سُفن نفسِ شاعر مُحِسٍّ في رقة البوصيري؟

كيف ورِزْقُهُ الذي كان يقتات منه كان يَقْطُرُ قَطْراً من بين أنامله الْمُتَفَطِّرة من آثار عملِ المنقاش والمطرقة اللَّذين كان ينقش بهما الألواح الحجرية والرخامية التي توضع شواهد للقبور، وهي مهنة -لِمن لَمْ يَخْبُرْهَا- تتطلب الجودةَ والبراعةَ في فن الخط والصلابة في الكفَّين والقوةَ والدقَّةَ في عمل الأنامل وعنادَ نَفْسِ وطولَ نَفَسٍ وقناعةً بما يُدَرُّ عليه منها؟

كيف تأتّى له الجمعُ بين تدفُّقِ روحِه الشاعريةِ وقوةِ قريحتِه الأدبيةِ وفسيحِ خيالِه الفني وبين مطرقةٍ تتلاشى الأفكارُ من الرأس والإلهامُ من النفس مع كل طرقة منها كأنها تطرقه أوَّلَ شيء، ومِنْقاشٍ يَخْدِشُ من صفاء ذهنه أكثر مما ينقش من أحجاره؟

وبين المطرقة والمنقاش مطالبُ ومطالبُ مما يَفُلُّ التفكيرَ ويشُلُّ القريحة.

ولم يكن ما كان يقطر عليه لِيَسُدَّ جَوْعَاتِ عياله الْكُثُرِ حتى شكا قائلاً -أو قال شاكيا- في قصيدة أَجْتَزِئُ منها هذه الأبيات:إليـك نشــكو حالنا إننا *** عائلـة فـي غـاية الكثرهْ

وأقبـل العيـد وما عندهم *** قمـحٌ ولا خُبْزٌ ولا فَطْـرَهْ

فارحمهم إذا أبصروا كَعْكَةً *** فِي يد طفل أو رأوا تَمْـرَهْ

تَشْخَصُ أبصـارُهم نَحوها *** بِشَهْـقَةٍ تـتبـعها زَفْـرَهْ

فكم أقــاسي منهـمُ لوعةً *** وكمْ أقاسي منهمُ حسـرهْفما كانت لوعةُ الشاعر وما كانت حسرتُه؟

القصيدة كلها تصوير درامي مؤلم لحالٍ مُزْرٍ لشاعر رقيقِ الشَّغافِ أَرِقٍ مَكْلُومٍ لاَ مِنْ أَذَى مخلوقٍ ولا مِن هِجْرَانِ معشوقٍ، بل مما يَلْوِي أعناقَ العباد ويُحَرِّقُ منهم الأكباد: رِزْقِ الأولاد.

والوالد إن تحمَّل فلا يتحمَّل نظرة احتياج في عَيْنَيْ من يَعُولُ..

هي نظرةُ حسرةٍ من الْوَلَدِ على ما تخلو منه اليد مما يفيض ويجري من الرزق في أيدي القرين والجارة، ونظرةُ لوعةٍ وحسرةٍ من الوَالِدِ حيرةً من النفس وتأنيباً لها إذْ لم يَقُمْ بما يُمْلِيه عليه حبُّه وتفرضه عليه مسؤوليته.

وقد أفضى كلٌّ إلى ما قدَّم، الوالد والمولود، والغابِطُ والمحسود؛ ولَعَلَّهُ كان لأنَّاتِ فلذات الكبد ولشهقاتهم وزفراتهم ولِمَا كان يَغَصُّ به الشاعر من أحوال أهله من البركات عليه في إبداعاته أكثرُ مما كان لِجُهْدِهِ فيها؛ ولعل الموتَ الذي كان يُذَكِّرُ صاحبَنا بألواحه كل يوم قد رَقَّقَ قلبَه وأراه بعض حقائق الدنيا وتقلُّبَها بأهلها فأقبل على ما يَسْتَدْبِرُهُ الغافلون ويتناساه العابثون. ولعله كان يقول في نفسه وهو ينقش بمنقاشه أسماءَ اللاحقين بركب الأموات: “تُرى متى يُكْتَبُ شاهدي؟ ومن ذا الذي يُكْتَبُ له أن ينقش اسمي في هذه الدنيا على لوحة من هذه الألواح؟ وماذا يكون من أَمْرِ اسمي غدا يوم الحساب”؟

ولعله ولعله ولعله…

ولعل عيالَه ينتفعون بالبردة وأخواتِها وهم الآن بين يدي الله تعالى أكثرَ مما ينتفع غيرُهم بسواها.. ولعلهم لو استقبلوا من أمرهم ما استدبروا لَمَا لاَنَ لأحدهم ظهرٌ من أَلَمِ جُوعٍ فَرَحاً بفضل الله مبثوثاً بين ثنايا قصيدة شعر واحدة، ولَمَا انكسرت لِمُتَلَهِّفِهِم نَفْسٌ من مدِّ عَيْنَيْهَا إلى ما في أيدي النظير والجار من فتات زَالَ وزال أهلُه، ولأَرَوْا أباهم من أنفسهم جَلَداً وتصبُّراً وثباتاً ورضاً..

ولعلهم ولعلهم ولعلهم…

فَأَنْعِمْ به من جوع يُشْبِعُ صاحبَه نوراً في الملإ الأعلى فَيُنْثَرُ فَضْلُه على أهل الأرض أزْماناً، وَأَكْرِمْ به من انكسار يَجْبُرُ الروحَ إِذْ تغتذي بمدده دهوراً، وَأَحْسِنْ به مِنْ ذِكْرٍ دَرَسَتْ القبورُ التي كتب صاحبُنا شواهدَها بيديه، ولكن ذِكْرَهُ هو ما دَرَسَ ولا عَفَا. ذِكْرٌ يَبْعَثُهُ في كل يوم وفي كل ساعة من يقرأ أو يَتَسَمَّعُ تراتيلَ البردة وأخواتها، ومن يستلهم من مديحه يتعلم أدب الخطاب بين يدي مقام النبوة العظيم، ومَنْ يُتَرْجِمُ عنه مِنْ كَلِمِه إلى لغة النغم ما يتقرب به إلى المولى تعالى فضلاً من الله ونعمة.

صدقة جارية برصيد من الخير يَرْبُو في الحساب الرباني إلى ما شاء الله سبحانه.

كابد البوصيري ما كابد، وهو على كل حال حظُّ المرء من دنياه، ونصيبُه من البلاء يذوقه ويتذوَّقه أو يَتَجَرَّعُهُ وَيَمُجُّهُ. فهو -إنْ فَهِمَ عن الله- رزقُه الذي لا يموت حتى يستوفيَه كاملاً غير منقوص، وهو -إن صبر ورضي وشكر- عنوانُ انتسابه إلى أحباب الله، ودليلُ سلوكِه سبيلَ السابقين واللاحقين من أهل الله، وزكاةُ قِسْمَةِ ما أعطاه الله، ومَرْقَاتُه يَرْقَى بها إلى رضا الله.

وَيَتَعَزَّى بمحمدٍ بنِ سعيدٍ البوصيريِّ وبأحواله مَنْ يرى منها في نفسه مِثْلَ ما يرى في سَمِيِّه، وتَقْصُرُ أياديه عن نوال فتوحه ودرجاته ويقول:

“هذا أعظم شاعر خَلَّدَه التاريخ، وأظْهَرُ مَنْ توسَّل إلى محبة الله ورسوله  صلى الله عليه وسلم- بما لو كان مكتفيا أو متنعِّماً لَمَا أهدانا -رُبَّما- ما أهدى… من يدري؟

ولعل البوصيري لو خُيِّرَ ساعتَهَا بين أن يَعْتَصِرُ قلبه بين قُطْبَيْ رَحىً طاحنةٍ غيرِ ذاتِ رحمةٍ وبين نظرات عَوَزٍ في أعين عياله لاختار الأولى اتقاءَ دمعةِ ألمٍ غيرِ مدفوعٍ تترقرق على خدِّ حبة القلب!

نفحات ولفحاتحين ضاقت مكةُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذى قريش تطلَّع إلى البديل الصالح منطلَقاً للدعوة كأنَّ الأصل أن تَنْبُتَ الدعوة وتُزْهِرَ وتُثْمِرَ في تربة خصبة ندية مرتوية مستقرة لا تهز الريح جذوعَها هزّاً، ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم على بعض الصحابة بالهجرة إلى الحبشة للهروب بدينهم من الأذى، وحاول صلى الله عليه وسلم مع الطائف المحاولة التي نعرف والتي لم تستوف تأملاتُ المتأمِّلين حقَّها المستحَقّ.

الأصل في الإبداع، خاصةً إن وُلِدَ في سياق دعوةٍ عميقةِ الجذورِ بعيدةِ المرام مُرَكَّبَةِ الواجهات متعددةِ التحديات أن يترعرع في بِيئَةٍ مستقرةٍ هادئةٍ لا عوَزَ فيها ولا نَكَدَ، وإلاَّ فما كُلُّ الحاملين يتحمَّلون، ولا كل الداخلين يصبرون، ولا كل الراكبين يُوَاصلون، ولا كل المبدعين يجمعون بين لفحات الحركة الْمُحْرِقة ونفحات الإبداع الْمُشْرِقة… وإلاَّ.. وإلاَّ فيا فرحةَ من صَدَقَ وقضى نَحْبَه غَيْرَ مُبَدِّلٍ، ويا سَعْدَ مَنْ صَدَقَ وانتظر حاملاً متحمِّلاً صابراً مصابراً مرابطاً في ثغره وهو يقي بصدره ظَهْرَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم هاتفاً: فداك نفسي وما لي -ولا لي- يا رسول الله.. صلى الله عليك وسلم.

وماذا ينتظر العبد إن صَدَقَ لِيُبْعَثَ في الفالِحِين؟ ومِمَّن ينتظر؟ وكيف ينتظر؟

يَنتظر موعود ربه أن يتنَزَّل وهو حيث يريده سبحانه أن يكون: في الصف مع المؤمنين نسمةً لطيفة بين أنفاسهم، وشعلةً متنورةً بأيديهم تتحصَّنُ بصحبتهم وبجنابهم وبمحبتهم، وعينا ساهرةً حارسةً لأسوارهم، وركنا شديداً يُسنِدُ إليه المتعَبون ظُهْرَانَهُم، ودرعاً واقياً قائما على الثغر الذي وضعه فيه القدر حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

ويَنتظر مِمَّنْ باعه نفسَه وما لَه  ولا له- وكُلَّه في “صفقة الآخرة” أسمى ما يَعِدُ به الكريم عبادَه الصالحين مما لا يُنتَظَرُ إلا منه تعالى.

ويَنتظر.. ولا أَهْوَنُ على نفسه في دروب الجهاد من نفسه، ولا أعظمُ في عينيه ممن يستقي بعينيه من سَنِيِّ أنوارهم ويستسقي في جوف الليل بِنَدِيِّ أرواحهم ويَتَشَمَّمُ في الميادين عبيرَ غَبْرَائِهِم.

فَمَنْ لِلْعُبَيْدِ ببركةِ صدرٍ واحد من أبيات البردة أو بِحَنِـيَّةٍ واحدة منه. أبياتٌ لو لم يكن للإمام البوصيري من شِعْرِه إلاَّهَا لكان مستحِقّاً لِلَقَبِ الإمامة الذي لم تطلقه الأمة إلا على العظماء من علمائها ومجدديها ممن يبعث الله بهم من الدين ما لا حياة لها إلا به؟

ومَنْ له بشَذْرَةٍ واحدة من شذرات ما تَفَنَّنَ البوصيري في نقشه على صفحات القلوب بخط روحه الرَّفِيفِ ففاقت جودتُه جودةَ ما كان ينقش بمنقاشه على شواهد دَارِسِ القبور؟

ومن له ولو بِهُدْبَةٍ مُفْرَدَةٍ من أهداب البردة الشريفة يستظل بها من حرِّ نفْسه وحرقة أنفاسه، في طريق طويل طويل، زادُه فيها قليل، وقلبُه من تَقَلُّبِه فيها باكٍ شاكٍ شَجٍ عليل؟

اللهم افتح لنا فتحاً آمين.

الدار البيضاء ليلة الخميس

رابع صفر الخير 1428 هـ/ 22 فبراير 2007 م.