يخون التعبير أحيانا بعض الساسة والمسؤولين المغاربة فيفصحوا، من حيث لا يريدون، عن خفايا الأمور، ويصدعون، من حيث لا يريدون، بحقائق تعكس واقع الحال .. ولعلهم حينذاك يكونون في حالة صفاء روحي ونقاء عقلي وصراحة مع الذات والغير. وما أجمل تلك اللحظات التي يتخلى فيها المسؤولون عن لغة الخشب العقيمة التي يصمون بها أسماع المغاربة في كل وقت وحين.

مناسبة هذا الكلام ما قاله السيد عباس الفاسي وزير الدولة وأمين عام حزب رئيسي في الحكومة من أن الحكومة لم تكن على اطلاع بالوفد الذي ذهب إلى فرنسا لعرض مبادرة المغرب حول الحكم الذاتي فيما يتعلق بقضية الصحراء. ولحد الساعة لم يصدر أي تكذيب لتصريحه من قبل أي وزير مما يوحي بأنه صحيح مع العلم أن الوفد المغربي أطلع الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء الإسباني والإدارة الأمريكية على المشروع، وينوي إكمال الجولة على كل الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

أما الوزراء والبرلمان والأحزاب والإعلام والشعب المغربي فلا علم لهم ولا خبر!!!

وقد سبق للسيد محمد اليازغي، وهو كذلك وزير وكاتب عام حزب رئيسي في الحكومة أن تلقى ردا ملكيا غاضبا أثناء مجلس وزاري لأنه تساءل  تساءل فقط !!!- عن علاقة الحكومة بملف جزيرة ليلى. والحادثة كذلك لم ينفها مصدر رسمي رغم تداولها على نطاق واسع في الإعلام.

وقد سبق للسيد المحجوبي أحرضان، وهو الخبير بمجريات السياسة وكواليسها في المغرب، أن قال في معرض جوابه عن سؤال حول موقفه من غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق في 1991 “هادشي ديال الخارج كيفهم فيه غير سيدنا”.

ثلاث وقائع، وغيرها كثير، سواء في عهد الحسن الثاني أو محمد السادس تبرز طريقة إدارة الشأن العام، ومستوى الفاعلين السياسيين، وتثبت أن الملفات الحساسة والأساسية تدار خارج دهاليز الحكومة وبعيدا عن البرلمان، ودون علم الأحزاب بل إن هاته المؤسسات لا تحظى حتى بشرف الإخبار القبلي أو المبكر.

يذكرنا كلام السيد عباس الفاسي بسياسة إدريس البصري الذي حمله دعاة “العهد الجديد” كل أوزار “العهد القديم” وسار في ركبهم ساسة وقادة أحزاب وإعلاميون كانوا إلى عهد قريب رجالاته وحوارييه، ووعدوا بتغيير المقاربة واعتماد الوضوح والشفافية، وسياسة القرب و…

فما الذي تغير إذن بعد كل هذه السنين؟

إن تناسل المؤسسات المستحدثة والهيئات الاستشارية، أصبح عددها يفوق العشرين، التي تتولى تدبير ملفات حساسة بشكل مواز للحكومة، وإن تهريب قضايا من صميم اختصاص الحكومة والبرلمان إلى مؤسسات موازية لا مسؤولية ولا سندا شعبيا لها يثير تساؤلات حقيقية حول من يحكم المغرب؟ وبماذا يحكم؟ وكيف يحكم؟.

من يحكم المغرب؟سؤال لطالما تردد على ألسنة الناس، والإجابة عنه تعددت وتضاربت وزاد في غموضها استحياء بعض الساسة من ذكر الحقيقة مخافة إدانة أنفسهم وحتى لا يظهروا كالدمى التي يحركها من هم في الكواليس خلف الستار.

لكن الكل مجمع أن المؤسسات المنتخبة، الحكومة والبرلمان، لا تحكم لا من قريب أو بعيد، فكيف يعقل، مثلا، أن اللجنة المكلفة بتسويق المقترح المغربي حول الحكم الذاتي مكونة من كتاب دولة في الحكومة ولا علم لباقي وزرائها بالأمر؟ هل الوزراء في الحكومة درجات؟ هل ينفرد هؤلاء بولاء لمؤسسة أخرى غير الحكومة؟ وما هي؟ وما مصدر شرعيتها؟ وما علاقتها بالحكومة؟.

أهي مصادفة أن يكون هؤلاء الوزراء غير حزبيين؟.

ورغم كل هذا يأبى بعض أعضاء الحكومة إلا أن يغالطوا أنفسهم والرأي العام فيتحدثون عن الحكومة، وحصيلة الحكومة، وإنجازات الحكومة، وبرنامج الحكومة، ومبادرات الحكومة و… وهم لا ناقة لهم ولا جمل إلا مسؤولية أمام الشعب تورطهم وتورط أحزابهم وتقود المواطنين إلى العزوف من العمل الحزبي وما يترتب عنه.

الارتسام العام لدى جل مكونات المجتمع أن الذي يحكم المغرب هو المخزن، والعبارة فضفاضة تسع أشخاصا ومؤسسات وشبكات، وهي كالتنين برؤوس متعددة، فهو تارة الملك، ومرة مستشاروه، وثالثة محيطه، ورابعة الأجهزة الأمنية، ومرة شبكات المصالح صاحبة الامتيازات، ومرات هو القصر بما يحويه من أشخاص ونفوذ…

وعيب أن نصم آذان المواطنين بالمشروع الحداثي الديمقراطية وهم لا يعرفون حتى من يحكمهم، ولا يستطيعون تشخيصه.

بماذا يحكم المغرب؟يتوفر المغرب على دستور وقوانين ومؤسسات، وتجرى فيه انتخابات توحي بأنه دولة ديمقراطية حديثة: دولة قانون ومؤسسات.

لكن منهجية الحكم وآليات اشتغاله تخرق كل ما سبق ولا تلتزم به.

الدستور، ورغم علاته، يتعسف في تأويله ليوافق مزاج الحاكم وهوى الملإ حوله رغم أنهم تحكموا في إخراجه شكلا ومضمونا بما يوافق مصالحهم.

والانتخابات تصرف عليها الملايير ولا يعمل بنتائجها رغم أنها صيغت على المقاس.

يعطل الدستور والقوانين والمؤسسات وتفعل بالموازاة أعراف سياسية تكتسب شرعية فوق دستورية وقوة فوق مؤسساتية لتصبح المرجع والحكم والموجه. وليت تلك الأعراف كانت واضحة ومحصورة ومعروفة ولكنها قابلة للتمديد والتجدد حسب المستجدات بحيث تصبح ورقة حمراء تشهر في وجه المعارضين والمخالفين والمتنطعين و…

وهذا مشكل يعطل المسيرة السياسية للبلاد ويكبل الساسة ويشرعن للاستبداد وتصبح المؤسسات معه عبئا على البلاد بكلفتها المالية مقارنة مع مردوديتها.

ما العمل؟ما قاله السيد عباس الفاسي جهرا، وما يقوله غيره في جلسات خاصة يكشف بؤس السياسة، ويعكس ميزان القوى الحقيقي حيث الأحزاب السياسية في حالة ضعف، إن لم نقل نوم موت.

إن ما يثار حول تدبير الشأن العام في بلدنا يتطلب إعادة النظر في السلطة، في شكلها، وطريقة تشكلها، واختصاصاتها، ومسؤولياتها، وعلاقاتها بباقي السلط. وهذا موضوع أكبر من مجرد تعديل دستوري جزئي وسطحي، وأضخم من مقاربة دستورية تقنية، إنه يطرح سؤال النقد حول فلسفة الدستور وهوية السلطة وطبيعة المجتمع الذي نريد، أو على الأقل نستحق مقارنة بتضحياتنا وإمكانياتنا.

وهو موضوع أكبر من أن يحل بمذكرة استعطافية مشفوعة بالتوسلات ومختومة بـ”ولسدتكم العالية واسع النظر” ولكنه يتطلب حوارا وطنيا مفتوحا بدون خطوط حمراء، ويتطلب منهجية تشاركية بعيدا عن التعليمات الصادرة من جهة واحدة ثم نتحدث بعدها عن التعاقد والتوافق. والحقيقة أنه ليس سوى عقد إذعان أملاه الطرف القوي على الضعيف.

مفتاح الحل منهجية تشاركية وحل جماعي من خلال حوار وطني يفضي إلى ميثاق جامع، وبدون ذلك فإن أية مبادرة، مهما حسنت النيات، لا تؤدي إلا إلى تجديد المخزن وتمديد عمره.

المخزن هو سبب ما نحن فيه من هوان، وسياسته هي التي قادتنا إلى وضع لا نحسد عليه، ولذلك فمصيره الطبيعي التنحي، والمطلوب منا العمل على ذلك بتشكيل قوة مضادة لتمدده واستقوائه، ومن لم يستطع فليدعه يموت موتته الطبيعية دون أن يبعث فيه الروح. وهذا أضعف الإيمان.