تذكير وتذكر

بقلم: نور الدين الملاخ

[email protected]

قررت هذه السنة زيارة المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء. لكنني فوجئت بسجال ونقاش حاد-على أعمدة بعض الصحف- لا تخل نبرته من المزايدات السياسوية الضيقة من طرف محترفي السياسة وتجار كراسي السلطة.. ومما أثار كتابتي لهذه السطور تصريحات السيد وزير الثقافة في ندوة صحفية عقدت بالمناسبة، خاصة وصيف الانتخابات بدأ يلهبنا حره&

سعى القائمون على الدورة الجديدة لمعرض الكتاب الدولي بالدار البيضاء، بين 9 و18 فبراير 2007، إلى جعل دول المغرب العربي محور اهتمامها، لكن من زاوية ثقافية وإبداعية بحتة بعد أن فشلت السياسة في الإجابة عن إشكالياته العميقة.

قال السيد الوزير: “نعتبر المجال الثقافي بإمكانه أن يقدم أجوبة.. ربما تكون هناك اختلالات واضطرابات على المستوى السياسي، لكن نحن نعتبر أنه على المستوى الثقافي يمكن أن يلعب الكتاب والفنون دورا أساسيا في إطار أسئلة جديدة حول هذا الفضاء المشترك.”

كما أضاف السيد الوزير: “بعد خمسين سنة من استقلال دول المغرب العربي نجد هذه الدول اليوم تعدّ موضعا للمساءلة السياسية والاقتصادية لكنها مساءلة ثقافية أيضا(1).”

تميزت هذه الدورة الثالثة بعد العشرة برفع شعارات ضخمة، من قبيل أن الحقل الثقافي فضاء مشترك يؤدي الكتاب فيه دورا أساسيا لحل معضلة العزوف عن القراءة، بالمصالحة مع الكتاب والإبداع ومشاركة الشباب في الحقل الثقافي ومنه إلى عالم المشاركة السياسة…

لكن ما وقع في كواليس المعرض عكس ذلك، حيث “أكد مجموعة من أرباب دور النشر المشاركة في المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء، أن وزارة الثقافة منحت امتيازات خاصة وتفضيلية لبعض المكتبات في المعرض الحالي. وأوضحت المصادر ذاتها أن المنظمين “”تبرعوا”” بتذاكر سفر مجانية وإقامات سكنية بمنطقة “عين الذئاب” على هؤلاء الناشرين، كما تم تقديم بعض التسهيلات الأخرى لهذه الدور، في مقابل التشديد على دور أخرى. واستغربت المصادر ذاتها من محاباة وزارة الثقافة لهذه الدّور التي لم يسبق لها أن شاركت في فعاليات المعرض، في الوقت الذي تم فيه التضييق على بعض المكتبات التي تعتبر صديقة وفية للمعرض، بل إن بعضها تشارك منذ ما يزيد عن 15 سنة بانتظام، وتقدم أكثر من ثلاثين عنوانا جديدا كل سنة، وتنشر لكتاب ومفكرين مغاربة، كما تستوفي كل الشروط القانونية والإدارية التي ينص عليها القانون الداخلي للمعرض، ورغم ذلك، لم تستفد من أي تخفيض أو أي شرط تحفيزي..”(2).

تذكرعندما فكر المتهمِّمون بالشأن الثقافي في تنظيم معارض الكتب، كان الهدف الأساس هو تحسيس الأمم بأهمية القراءة والإطلاع على مختلف الإبداعات في كل ألوان الفكر، قديمها وحديثها، من أجل فتح نافذة على التاريخ ورِؤية لآفاق المستقبل، بالتواصل مع كل الفكر البشري كيفما كان لونه أو عرقه أو جنسه. كل ذلك يجعل من امتلك ناصية المعرفة قادرا على مد جسور الحوار والتعارف مع غيره، من أجل بسط أرضية خصبة لتلاقح الفكر وتنوع الإبداع والمزيد من الأمن والطمأنينة، والسعي في واضحة النهار دون خوف أو رعب أو أحكام مسبقة جاهزة يهمس بها خلسة في الآذان في الغرف المغلقة أو المنتديات الخاصة.

لم تكن معارض الكتب مجرد”سوق” لبيع الكتاب ومشتقاته، وإنما هي محافل ثقافية جامعة، بما يجب أن تشهده من حوارات ومنتديات، وأنها تمثل الخريطة الأكثر دقة والأصدق تعبيرًا عن الحياة الثقافية في أمة من الأمم، والدلالة الأكثر عمقًا على اتجاهات التفكير لدى إنسان هذه الأمة، والهموم والآفاق التي يتطلع إليها من أجل ترشيد وعيه وتمتين قناعاته بمقارنة ما لديه مع ما عند غيره.

أما معارض الكتاب في الدول العربية عامة، وفي المغرب خاصة، فتزيغ عن قاعدة الهدف التحسيسي والهدف التكويني… إلى الهدف التسويقي والهدف الإقصائي. معارض تعرض لمن تشاء وكيفما تشاء ومتى تشاء… هناك موجة من السطحية والادعاء هيمنت على الأجيال الجديدة في عالم الفكر والكتابة، ومن شتى الاتجاهات، ومازالت هذه الموجة سارية حتى الآن، وأصبح انتشار الكاتب أو الكتاب مرجعه إلى “علاقات عامة ناجحة” أكثر من كونه تعبيرًا عن موهبة وفكر ومعارف ورسالة.

ولهذا السبب نجد هناك أعلامًا في الفكر والعلم والمعرفة يتم نسيانهم ولا تكاد الأجيال الجديدة تسمع عنهم، رغم أنهم أعلام شوامخ، بينما تسمع الضجيج والاحتفالات بأشباه مثقفين لمجرد أنهم يجيدون فنون الاتصال أو يحسنون لعبة استفزاز الضمير العام في المجتمع من خلال استباحة بعض مقدساته أو رموزه، ثم تحريك موجات الغضب تجاه هذا الاستفزاز، ثم تقديم المستفز نفسه كشهيد للفكر وحرية الرأي والتعبير، وتطغى جلبة المعركة الصحافية والإعلامية الموازية لهذه “اللعبة” على أصل المسألة، وهو القيمة الفكرية أو المعرفية لما قدمه. يضيع كل ذلك لأن المقصد لم يكن الفكر والمعرفة، وإنما الشهرة من أرخص أبوابها.

تعج الساحة العربية والإسلامية- للأسف- بأشباه المثقفين والجهال المدبلمين، يشهد عليهم التاريخ والجغرافيا بأنهم منحوا جوائز فكرية وعلمية كبيرة، وذلك حسب درجة ولائهم للمعسكر الشرقي أيام صولته، أو المعسكر الغربي، وهم شديدو السطحية، ولا يحسنون فنًّا من الفنون، ولا علمًا من العلوم، لكنهم ماهرون للغاية في إقامة شبكة العلاقات العامة مع الأوساط الثقافية ومؤسساتها. لذلك عندما يكون هناك استفتاء حقيقي في دنيا الثقافة، مثل تظاهرة معارض الكتب، فإن النتيجة تكون موجعة وحاسمة. وخير شاهد على ذلك، المعرض الدولي للنشر والكتاب في دورته الثالثة عشرة الذي احتضنته مدينة الدار البيضاء خلال الفترة المتراوحة ما بين 9 و18 فبراير 2007.

عندما أحس بعضهم بهذه الحقيقة، رغبوا في اكتساح الساحة الفكرية وذلك بمحاولة إقصاء الكتاب الإسلامي من هذا الفضاء التاريخي، باسم “التعدد الثقافي والتنوع اللغوي”، رغم أن شكل التنظيم اتخذ بعدا كبيرا(3).

صراع من أجل استقطاب قارئ أو توجيه شباب ليصبح قارئا للون معين من الإبداع الفكري، وينظر بمنظار نخبة لم توفق بعد للنزول من أبراجها إلى واقع مرير يتخبط الشباب في مستنقعات المخدرات والمهلوسات لنسيان آلام بطن جائع ومستقبل غامض… تقع هذه الزوبعة، لكن في غير فنجانها!!

تذكيرأزمة الكتاب أزمات متعددة ومتداخلة، وهي أزمة قراءة، وأزمة نشر، وأزمة هياكل، وأزمة إبداع، وأزمة رقابة.

أكّدت إحصائيّات سنة 2005 أنّ معدّل النّشر في العالم العربي لم يتجاوز نسبة 7 بالمائة، وأنّ نصيب كلّ مليون عربي من الكتب المنشورة لا يتجاوز الثلاثين كتابا، مقابل 584 كتابا لكلّ مليون أوروبي، و0212 لكلّ مليون أمريكي. كما أكّدت تدنّي مستوى القراءة في العالم العربي مقارنة بالمعدّلات العالمية. وتتراوح عدد النسخ المطبوعة من الكتاب العربي بين ألف و ثلاثة آلاف نسخة، في حين يبلغ في أوروبا وأمريكا عشرات الآلاف، بل إنّ كثيرا من الكتب يفوق عدد المسحوب منها المليون نسخة.

وإذا كانت نسبة الأمية المرتفعة في العالم العربي، والتي تتجاوز في بعض البلدان نصف المجتمع، تفسّر بعض أسباب أزمة الكتاب خاصّة والثقافة عموما، فإنّ الأمر الذي يحتاج إلى فهم وتحليل هو هجران فئة الشباب لهذا المنتوج الثقافي، وهو ما أكّده تقرير المرصد الوطني للشباب.

بيّنت الدراسة أنّ نسبة المطالعة داخل هذه الفئة لا تقلّ عن 77 بالمائة وهي نسبة ستثير عجب من يسمع تباكي المؤلفين والناشرين وكلّ الطبقة المثقفة على ظاهرة عزوف الشباب عن كلّ نشاط جاد، وهجرانه لمرافئ الإبداع غير آسف ولا محتار. غير أنّ هذا العجب سيبطل إذا تابعنا بقيّة التقرير المذكور عندما تناول بالتصنيف مدار المطالعة وأنواعها، إذ أكّد أنّ مطالعة الصحف حازت السبق وبالضربة القاضية على بقيّة المنتجات الثقافية، حيث بلغت 68 بالمائة. وما يزيد الحيرة هو تركيز الشباب في مطالعتهم للصحف على المواضيع الرياضية وأركان الجرائم وأخبار النجوم – وأيّ نجوم !! – والتي حازت مجتمعة على نسبة 48 بالمائة، فيما كانت نسبة المواضيع الثقافية 9 بالمائة. أمّا مطالعة الكتب فإنّ نسبتها لا تتجاوز 32 بالمائة وهي نسبة تمثّل فيها الكتب المدرسية قرابة 19 بالمائة، ليكون نصيب الكتاب الثقافي 14 بالمائة.

يضاف إلى ذلك عامل الرقابة على رأس معوّقات الإبداع، ناهيك عن انتشاره، ذلك أنّ الحرية هي الشرط الكافي للتنمية الثقافية. لكن الممارسة عندنا تترك الكتاب على قوائم الانتظار طيلة سنوات لتعطيه شهادة ميلاد أو تؤشّر على موته قبل أن تدركه الأبصار. وهذه عقلية لا زالت تعشّش في رؤوس السلطات في الوطن العربي والتي لا تدرك، أو لا تحبّ أن تدرك، أنّ العالم بات مخترقا من كلّ الزوايا بفضل ثورة الاتصالات، وأنّ المثقّف فقد قدرته على تحريك جمهور لم يعد يتحمّس للشعارات. فكلّ من الكاتب والجمهور تعرّضا لتغيّرات في العمق بدّلت كلّ الوقائع القديمة ولم تبدّل ممارسة الرقيب عندنا.

فأين نحن من مجتمع المعرفة المنشود؟؟

————————————-

(1) نقلا عن رويترز

(2) جريدة التجديد بتاريخ 14فبراير2007

(3) مشاركة 59 دولة وعدد العارضين 615 (166 مباشرا، 449 غير مباشر) وسيحضر هذا المعرض شخصيا حوالي مائة ناشر من مختلف بلدان العالم، وسيشاركون في أنشطته المهنية وخاصة اليوم المهني الذي تمت برمجته يوم 12 فبراير 2007. وسيكون لجمهور المعرض لقاء مع حفل توزيع جائزة المغرب للكتاب و لقاءات مفتوحة مع أشهر المثقفين والمبدعين المغاربة والعرب ومن دول أخرى.