(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)

بقلم: مبارك الموساوي / [email protected]

هذه الآية الكريمة تشير إلى أن الله تبارك وتعالى تكفل بحفظ كتابه العظيم، آية سيد المرسلين وخاتم النبيين، وأصل علم المسلمين وروح عملهم بين الثقلين إذا اتبعوه ولم يكونوا عنه محيدين.

وقد تكلم علماؤنا رحمهم الله في معنى الآية فأكدوا أن أصول الملة المحمدية وفروعها محفوظة لم يأتها التبديل والتغيير من أية جهة ولن يأتيها، لأن وعد الله حق وقد وعد بذلك سبحانه.

ولكن نتدبر قليلا كلام الله عز وجل، عسى يفتح لنا جل وعلا من كنوز معرفته ما يفيدنا في بناء أفهامنا لتستقيم به أعمالنا تفضلا منه وإكراما سبحانه، فنكون على الصراط المستقيم صراط الله العزيز الحكيم.

وقبل ذلك نورد هذا الحديث الجامع لمعنى القرآن كما أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. أخرج الترمذي والدارمي وغيرهما من طريق الحارث الأعور عن علي:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستكون فتن قلت:‏ فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال:‏ كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم”‏.

القرآن الكريم محفوظ، والسنة النبوية كذلك، بما شاء الله تعالى وبما سخر سبحانه. فمن حيث المعنى الكلي، فالقرآن مجسد في المصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم، فحفظت ذاته صلوات الله عليه بما هي حقيقة قرآنية، حيث القرآن وحي وكلامه عليه الصلاة والسلام وحي. ولما انتقل إلى الرفيق الأعلى بقي هذا المعنى محفوظا.

لذلك هنا نقطع الحديث كليا مع من ادعى القول بالقرآن دون السنة، أو العكس، حيث لا يمكن الفصل بين حقيقة القرآن وحقيقته عليه الصلاة والسلام.

هو صلى الله عليه وسلم، بنص القرآن بشر، لكن ليس كباقي البشر، لأنه، عليه صلوات الله وسلامه، اصطفاه ربه فجعله نبيا ورسولا رحمة للعالمين؛ صارت ماهيته هي ماهية القرآن الكريم. لذلك كان أهل القرآن أهل الله وخاصته، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن لله أهلين من الناس “قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ” أهل القرآن هم أهل الله وخاصّته” رواه النسائي وصححه الألباني.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه، لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من يجد، ولا يجهل مع من يجهل وفي جوفه كلام الله” [أخرجه الحاكم (2028) 1/738، وقال: صحيح الإسناد، وصححه الذهبي].

فهذا المعنى الكلي محفوظ، وحفظت معه تلك الفروع التي تبينه وتفصله من آيات قرآنية وأحاديث نبوية صحيحة. ومن سلكها تربية وتزكية دخل في دائرة هذا المعنى الكلي المحفوظ بإذنه تعالى.

نعم، ليس المقصود بالفروع الاجتهادات الفقهية لهذا الفقيه أو ذاك، فقد تبث أن اجتهادات فروعية فقهية اندثرت ومذاهب فقهية انقرضت، ولكن المقصود أن النصوص الجزئية من قرآن وسنة حفظت، كذلك، ويسر الله لذلك وسائله سبحانه.

فيفهم من هذا أن المعنى الإحساني الكلي المكون لحقيقة البعثة المحمدية المجموع في حقيقة القرآن الكريم محفوظ، وأن المطلوب من المكلفين أن يتحروا الطريق الموصل إلى هذا المضمون الكلي حتى يصبحوا محفوظين مرضيين لدخلوهم دائرة الأمن والاطمئنان رحمة منه سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب) [الرعد: الآية 28].

هنا يعرض السؤال الكبير كيف الطريق لحصول هذا الدخول في دائرة الحفظ الإلهي، الذي لا يعني العصمة لغير نبي؟

نجد في عالمنا اليوم بعثرة شديدة في كيفيات سلوك الطريق إلى الله تعالى؛ فمن يدعي أن التربية الفكرية على التصورات الإسلامية هي الطريق لذلك، وكفى، ومنهم من يدعي أن البحث في مفاهيم العقيدة، كما يتصورها، هو الطريق الأمثل، ومنهم من سلم أن السّبح في عالم الأذكار وما تترتب عليه من أحوال هو المسلك للنجاة، لكن أي نجاة؟

نجد هذا وما ترتب عليه من بعثرة في الصف الإسلامي المار من مرحلة عويصة وعصيبة في بناء العلاقات الجماعية الجامعة، ونجد معه الكيد للإسلام والمسلمين.

فإذا كان القرآن محفوظا والسنة النبوية محفوظة، من حيث المعنى الإحساني الكلي ومن حيث النصوص الجزئية، فإننا في حاجة إلى اكتشاف الطريق لحصول الحفظ الواقعي حيث تصير ماهية الفرد والجماعة فانية في ماهية القرآن الكريم المجسد فيه صلوات الله وسلامه عليه.

هنا نجد قيمة ما قاله سيدنا علي، فعنه، رضي الله عنه، أنه قيل له:”هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء بعد القرآن قال:لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ،إلا فهم يؤتيه الله عز وجل رجلا في القرآن”. [رواه الإمام أحمد في مسنده].

من أين لنا هذا الفهم الجامع؟ وكيف تصير أعمالنا القلبية والجسدية به محفوظة بإذنه تعالى.

نجد بين أيدينا اجتهادا عظيما قام به الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، مرشد جماعة العدل والإحسان، في عرض المضمون القرآني للسلوك الإنساني في بعده الفردي والجماعي اللذين لا ينفكان البته في هذا الاجتهاد.

وهذا الاجتهاد هو المسمى ب”المنهاج النبوي”.

وقبل أن نعرض لمعنى الحفظ الإلهي من خلال المنهاج النبوي، لابد من التذكير بالقاعدة العلمية التي بنيت عليها صياغة المنهاج النبوي وعرضه، وهي قاعدة ذهبية عظيمة تقول:”إن التربية على المنهاج النبوي تفضي إلى حصول فهم جامع لا ينفك فيه مصير الفرد المؤمن عند الله تعالى عن مصير أمته التاريخي”(ينظر الحلقة الخامسة من سلسلة فقه الدعوة إلى الله جل جلاله في موقع aljamaa.net).

إنها قاعدة علمية سلوكية سيحدث تنزيلها على أرض الواقع، علميا وعمليا، تحولا كبيرا في مسار البحث العلمي والاجتهادي والتاريخي في حركة الأمة. وهو ما نتوخاه من هذه السلسلة من المقالات إن شاء الله تعالى.

فالجمع، من حيث الفهم والعلم والعمل، بين مصيرين حتى يصبحا مصيرا واحدا لاشك أنه سيحدث انتفاضة تجديدية في الحركة العلمية والحركية التاريخية للأمة، ذلك أنه تجديد يوفر القدرة العلمية والعملية، وفق المنهاج النبوي، لتجاوز آثار التاريخ السلبية، علميا وعمليا، للوقوف بين أعتاب التجربة النبوية التي صنعت رجالا من طينة الصحابة الكرام وما خلفوه من علوم وما أحدثوه في واقع التاريخ البشري.

وعلاقة هذا الكلام بدائرة الحفظ الإلهي من خلال قوله تعالى:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[الحجر: الآية:9] أن ندرك تمام الإدراك أن الدخول في دائرة الحفظ الإلهي يمر عبر الانغماس الكلي في معنى وحقيقة القرآن الكريم التي لا تنفك عن حقيقته صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك أوصى عليه الصلاة والسلام وأخبر أن القرآن وعثرته الشريفة لا ينفصلان حتى يردا عليه الحوض.

فورود الحوض هنا معنى حركي، وكأنه صلى الله عليه وسلم يشير إلى أن المطلوب في التعامل مع القرآن الكريم، في انتظار لحظة ورود الحوض عليه، هو العمل الذي يحقق معنى حركيا عابرا للدنيا بانيا فيها معمرا لها حتى ورود الحوض عليه، صلى الله عليه وسلم. وبهذا يخرج من قصدنا الدلالي ما يقول به الشيعة في حصر معنى آل البيت في المعنى الترابي الطيني.

نعم، فمن جمع الله تعالى له بين الانتساب الطيني والمعنوي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذلك فضل عظيم يتفضل الله به على من يشاء من عباده، إذ لا ينال عهده في هذا الباب الظالمين، حيث أجاب تعالى سيدنا إبراهيم (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً. قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي. قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)[البقرة: الآية 124].

لكن من باب سلمان منا آل البيت، فإن كل ولي تقي هو من آل البيت النبوي، وبذلك دخل في دائرة الحفظ الإلهي كل من اتصف بهذين الوصفين العظيمين.

وينبغي التنبيه هنا إلى أن معنى الحفظ الإلهي لا يعني عدم الابتلاء والامتحان، بل هو من صميمه، إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه الترمذي في جامعه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة).

وفي حديث آخر أخرجه الطبراني في معجمه الكبير عن أخت حذيفة بن اليمان فاطمة أو خولة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل).

نرجع إلى معنى المنهاج النبوي من حيث الطريق الكامل لتحصيل دائرة الحفظ الإلهي.

قال الله تبارك وتعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [آل عمران: الآية 31]). والله تبارك وتعالى إذا أحب عبدا ابتلاه. قال صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَط) [رواه الترمذي (2396) وابن ماجه (4031) وصححه الألباني في صحيح الترمذي] .

فالباب هو الاتباع الكامل لرسول الله صلى عليه وآله وسلم. فهو صلى الله عليه وسلم باب الدخول على الله، ومن دخل الحضرة الإلهية فقد دخل على كريم منعم.

جعل الأستاذ المرشد باب المنهاج النبوي: الصحبة والجماعة، حيث يأخذك قلب المصحوب بأمان ويجنبك مهالك الطريق، وينقلك كسفينة النجاة ليوصلك ويقربك، وتتفرغ، وسط الجماعة وبآداب الجماعة وعلمها، للجهاد؛ فلا ينفك مصيرك عند الله تعالى عن مصير أمتك؛ فكما أنك تسعى سعي الفرد لتكون من الفائزين غدا يوم لقاء الله تعالى، فإنك تسعى سعي المجاهدين مع الجماعة المجاهدة لتحيي أمة سيد المرسلين، كما جاهد هو وصحابته صلى الله عليه وسلم حتى أقاموا الدين والأمة، وأُخرجت الإنسانية من الظلمات إلى النور.

يجعل الأستاذ المرشد الخصال العشر، وهي: الصحبة والجماعة، الذكر، الصدق، البذل، العلم، العمل، السمت الحسن، التؤدة، الاقتصاد الجهاد، أمهات، وهي مشكِّلة لمجموع المضمون القرآني علميا، وفرّع كل خصلة إلى شعب معدودة حتى يكون سلوك الفرد عبر الشعب التي تحمل في مضمون واحد وجامع ما يعني الفرد والجماعة والأمة. بحيث لا تجد شعبة إلا وتجمع بين المعنى الفردي والمعنى الجماعي بما يحقق كل آداب وعلوم الخصلة الأمّ وهي: الصحبة والجماعة. وبهذا يتحقق عمليا عبر سلوك شعب الإيمان المجموع الذي يدخل المؤمن والجماعة في دائرة الحفظ الإلهي، بحيث لا يصبح الخوف على هذه الجماعة التي حققت وأقامت هذه الأصول فهما وسلوكا، ولكن يخاف على من يكيد لها لأن الله تعالى هو الذي تكفل بحرب من آذى وليا من أوليائه، خاصة عندما يصير هذا الولي عبر الاتباع الكامل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، جماعة مجاهدة متكونة من أولياء الله، حيث هو سبحانه يعلم عددهم وقدرهم فيجمعهم برابط المحبة في الله والولاية في الله والجهاد في سبيل الله، لا دنيا غرتهم ولا سلطان خوفهم ولا جاه شغلهم.

(وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: الآية 100].

إن السلوك على المنهاج النبوي يحقق الاتباع الكامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يتجلى ذلك في تحقق المعنى القرآني الذي يعطي معنى للحركة بجعل العلاقات ولاية كاملة في الله جهادا في سبيل الله، وهو ما يعطي وحدة في الشعور ووحدة في التصور ووحدة في الجهاد. وهو معنى المهاجرين والأنصار الذين كوّنوا الجماعة المجاهدة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاهدوا في الله حق جهاده فوفّاهم أجر الصابرين الثابتين.

(لَقَد تابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: الآية 117].

صدق الله العظيم ولي المتقين وحبيب المحسنين.