عن كثير بن قيس رحمه الله قال: “كنت جالساً مع أبي الدرداء رضي اللَّه تعالى عنه في مسجد دمشق فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء، جئتك من مدينة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حديث بلغني أنك حدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له: ما جئت لتجارة ولا لحاجة ولا جئت إلا لهذا؟ قال: ما جئت إلا لهذا. قال: إني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: “من سلك طريقاً يطلب به علماً سهل اللَّه له طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم يستغفر كل من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورّثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر”.

قال عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه: “منهومان لا يشبعان طالب العلم وطالب الدنيا، وهما لا يستويان، أما طالب العلم فيزداد رضا من الرحمن، وأما طالب الدنيا فيزداد في الطغيان، ثم قرأ:( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ). سورة فاطر، الآية 28، وقرأ: (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)”. سورة العلق، الآيتان 7 و8.

عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: دخلت مسجد البصرة والأسود بن سريع يقص على الناس وقد اجتمع عليه أهل المسجد، وخلفه من أهل الفقه جلوس في ناحية أخرى يتحدثون الفقه ويتذاكرون، فركعت بين الحلقة والذكر، فلما فرغت قلت: “لو أتيت إلى الأسود، فعسى أن تصيبهم إجابة ورحمة تصيبني معهم”، ثم قلت: لو أتيت حلقة الفقه لعلي أسمع كلمة لم أسمعها فأعمل بها، فلم أزل أخير نفسي في ذلك حتى جاوزتهم، فلم أقعد مع أحد منهم، فلما كانت تلك الليلة أتاني آت في المنام فقال: أما إنك لو أتيت الحلقة التي كان يذكر فيها الفقه لوجدت جبريل عليه السلام معهم جالسا”.

عن أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: “من أحب أن ينظر إلى عتقاء اللَّه من النار فلينظر إلى المتعلمين، فوالذي نفس محمد بيده ما من مؤمن متعلم يختلف إلى باب العالم إلا كتب اللَّه له بكل حرف وبكل قدم عبادة سنة، وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة، ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفوراً له، وشهدت له الملائكة ويقولون هؤلاء عتقاء اللَّه من النار”.

سمعت الفقيه أبا جعفر رحمه اللَّه يذكر بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فرأى مجلسين؛ أحدهما يذكرون اللَّه والآخر يتعلمون الفقه ويدعون اللَّه ويرغبون إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: “كلا المجلسين على خير، وأحدهما أفضل من الآخر، أما هؤلاء فيدعون اللَّه فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل، وإنما بعثت معلما فهؤلاء أفضل. ثم جلس معهم”.

وعن أبي الدرداء رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال: “لأن أتعلم مسألة أحبّ من قيام ليلة”. وعن ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال: “أنتم في زمن العمل فيه خير من العلم، وسيأتي زمن العلم فيه خير من العمل”. وروى سعيد بن المسيب رحمه الله عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه تعالى عنه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أفضل الأعمال على ظهر الأرض ثلاثة: طلب العلم، والجهاد، والكسب؛ لأن طالب العلم حبيب الله، والغازي وليّ الله، والكاسب صديق الله”.

وروى أبان رحمه الله عن أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من طلب العلم لغير اللَّه لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله، ومن طلب العلم لله فهو كالصائم نهاره والقائم ليله، وإن باباً من العلم يتعلمه الرجل خير من أن يكون له أبو قبيس ذهبا فأنفقه في سبيل اللَّه تعالى”.

وقيل لعبد اللَّه بن المبارك رحمه الله: إلى متى يحسن المرء أن يتعلم؟ قال: “ما دام يقبح عليه الجهل يحسن له التعلم”. وحكي عن ابن المبارك رحمه اللَّه أنه كان في حال الموت ورجل عنده يكتب له العلم، فقيل له: في هذه الحالة تكتب العلم؟ فقال: “لعلّ الكلمة التي تنفعني لم تبلغني إلى الآن”.

وعن معاذ بن جبل رضي اللَّه تعالى عنه قال: “تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة. ألا إن العلم سبيل منازل أهل الجنة، وهو المؤنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدّث في الخلوة، والدليل على السراء، والمعين على الضراء، والزين عند الإخلاء، والسلاح على الأعداء. يرفع اللَّه به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة أئمة تقتفى آثارهم ويقتدى بأفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم، ويصلي عليهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوام الأرض وسباع البرّ والبحر والأنعام. لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصباح الأبصار من الظلمة، وقوّة الأبدان من الضعف، ويبلغ بالعبد منازل الأخيار والأبرار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكر فيه يعدل الصيام، ومذاكرته تعدل القيام، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام والعمل تابعه، ويلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء”.

قال الفقيه رحمه الله: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بإسناده عن الحسن البصري رحمهم اللَّه قال: “ما أعلم شيئا أفضل من الجهاد في سبيل اللَّه إلا أن يكون طلب العلم، فإنه أفضل من الجهاد في سبيل الله. ومن خرج من بيته في طلب باب من العلم حفته الملائكة بأجنحتها، وصلت عليه الطيور في جوّ السماء، والسباع في البرّ، والحيتان في البحر. ألا فاطلبوا العلم واطلبوا للعلم السكينة والحلم والوقار، وتواضعوا لمن تتعلمون منه ولمن تعلمونه، ولا تباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء، ولا تختلفوا به إلى الأمراء، ولا تطاولوا به على عباد اللَّه فتكونوا من جبابرة العلماء الذين أدركهم سخط اللَّه فكبهم على مناخرهم في نار جهنم. اطلبوا علما لا يضركم في عبادة اللَّه، واعبدوا اللَّه عبادة لا تضركم في طلب العلم، فإنه لا ينتفع بهذا إلا هذا، ولا تكونوا كأقوام تركوا طلب العلم وأقبلوا على العبادة حتى إذا نحلت جلودهم على أجسادهم خرجوا على الناس بأسيافهم، ولو أنهم طلبوا العلم لكان العلم يحجزهم عما صنعوا. وإن العامل بغير علم كالحائد عن الطريق، فهو لا يزداد اجتهادا إلا ازداد بعدا، وكان ما يفسده أكثر مما يصلحه”. قيل له: عمن هذا يا أبا سعيد؟ قال: “لقيت فيه سبعين بدويا، واغتربت في طلبه أربعين عاما”.

وعن أبي الدرداء رضي اللَّه تعالى عنه قال: “أيها الناس، ما لي أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون؟ تعلموا قبل أن يرفع العلم، فإن رفع العلم ذهاب العلماء”. وروى عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن اللَّه لا يرفع العلم بقبض يقبضه، ولكن يقبض العلماء بعلمهم حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فَيُسْأَلون فيحدثون فضلوا وأضلوا”. وعن ابن المبارك رحمه الله عنه أنه قيل له: لو أوحى اللَّه إليك أنك ميت العشية ما أنت صانع اليوم؟ قال: “أطلب فيه العلم”. وعن إبراهيم النخعي رحمه الله قال: “لا يزال الفقيه في الصلاة”. قيل: وكيف ذلك؟ قال: “لأنك لا تلقاه إلا وذكر اللَّه تعالى على لسانه يحل حلالا ويحرم حراما”.

ويقال: العلماء سرج الأزمنة، فكل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره. وروي عن سالم بن أبي الجعد رحمه الله أنه قال: “اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم فأعتقني، فقلت في نفسي: بأيّ الحرف أحترف؟ فاخترت العلم على كل الحرف، فلم يمض كثير مدة حتى أنه أتاني الخليفة زائراً فلم آذن له”.

وعن أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال: “اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم”. وروى ابن المسيب رحمه الله عن أبي بكر عن عون بن عبد اللَّه قال: جاء رجل إلى أبي ذر رضي اللَّه تعالى عنه فقال: إني أريد أن أتعلم وأخاف أن أضيعه ولا أعمل به. قال: “أما إنك إن توسدت العلم خير لك من أن تتوسد الجهل”. ثم ذهب إلى أبي الدرداء رضي اللَّه تعالى عنه وقال له مثل ذلك، فقال أبو الدرداء: “إن الناس يبعثون على ما ماتوا عليه يبعث العالم عالما والجاهل جاهلا”. ثم ذهب إلى أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه وقال له مثل ذلك، فقال له أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: ” ما أنت بواجد شيئا أضيع له من تركه”.

وروى أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما عبد اللَّه بشيء أفضل من فقه في الدين، ولَفَقِيه واحد أشدُّ على الشيطان من ألف عابد. وإن لكل شيء عمادا وعماد الدين الفقه”.

وذكر في الخبر أن أهل البصرة اختلفوا، فقال بعضهم: العلم أفضل من المال، وقال بعضهم: المال أفضل من العلم. فبعثوا رسولا إلى ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما فسأله عن ذلك فقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: “العلم أفضل”، فقال الرسول: إن سألوني على الحجة ماذا أقول لهم؟ قال: “قل لهم إن العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الفراعنة، ولأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، ولأن العلم لا يعطيه اللَّه إلا من يحبه والمال يعطيه اللَّه لمن أحبه ولمن لا يحبه، بل لمن لا يحبه أكثر، ألا ترى إلى قول اللَّه عزّ وجل: (وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ).سورة الزخرف، الآية 32. ولأن العلم لا ينقص بالبذل والنفقة، والمال ينقص بالبذل والنفقة، ولأن صاحب المال إذا مات انقطع ذكره والعالم إذا مات فذكره باق، ولأن صاحب المال ميت وصاحب العلم لا يموت، ولأن صاحب المال يسأل عن كل درهم من أين اكتسبه وأين أنفقه وصاحب العلم له بكل حديث درجة في الجنة”.

وروي عن عليّ بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه أنه قال: “الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وسائر الناس همج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح”. وقال: “العلم خير من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم يزكو مع النفقة والمال تنقصه النفقة، والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة”. وعن أبي الدرداء رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال: “العالم والمتعلم في الأجر سواء، وإنما الناس رجلان عالم ومتعلم، ولا خير فيما سوى ذلك”.