لَمَحات في سيرة النبوة من خلال بردة الإمام البوصِيري

بقلم: محمد العربي أبو حزم

الحلقة الثانية

الإمام البوصيري

هو محمد بنُ سعيدٍ بنِ حَمَّاد بنِ محسن بنِ عبدِ الله بنِ حيّاني الحبوني الصنهاجي أبو عبد الله شرفُ الدين، المغربيُّ أصلاً، الدَّلاصيُّ مَوْلِداً، البُوصِيريُّ(1) مَنْشَأً. وقد قال مشيراً إلى أصله المغربي:فَقُلْ لَنَا مَنْ ذَا الأَدِيـبُ الَّذِي *** زَادَ بِهِ حُـبِّي وَوَسْـوَاسِي

إِنْ كَانَ مِثْلِي مَغْرِبِـيّاً فَمَـا *** فِي صُحْـبَةِ النَّاسِ مِنْ بَاسِ

وَإِنْ يُكَذِّبْ نِسْبَـتِي جِئْـتُـهُ *** بِجُـبَّتِي الصُّوفِ وَدَفَّاسِـيوُلِدَ الإمام البوصيري يوم الثلاثاء فاتح شوَّال (يوم عيد الفطر) من سنة 608 للهجرة؛ حفِظ القرآن الكريم صغيراً وأطلَّ على العلوم الدينية وبعضِ علوم اللغة والأدب والتاريخ؛ أما وفاته فكانت سنة 696 للهجرة، فعَمَّرَ بِذَا ثمانية وثمانين عاما.

تتلمذ البوصيري إلى جَنْبِ ابن عطاء الله السكندري (صاحب الْحِكَم) على يد الشيخ أبي العباس الْمُرْسي تلميذِ الشيخ أبِي الحسن الشاذلي رضي الله عنهم أجمعين. وقد قال مادحاً شيخَه أبا العباس رحمه الله ورضي عنه:فَاصْحَبْ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ آخِذاً *** يَدَ عَارِفٍ بِهَوَى النُّفُوسِ مُنَجِّدِ

فَإِذَا سَقَطْتَ عَلَى الْخَبِيرِ بِدَائِهَا *** فَاصْـبِرْ لِمُـرِّ دَوَائِهِ وَتَجَـلَّدِ

وَإذَا بَلَغْتَ بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ مِنْ *** عِلْمَيْهِ فَانْقَعْ غُلَّةَ القَلْبِ الصَّدِيأبياتٌ من قصيدةٍ نَدِيٍّ عُودُها، تَشِي بما سرى في عروق البوصيري من معاني الصحبة، عَبِقٍ عبيرُها، تفوح بما تنسَّمَ من نفحات الإيمان تحت ظل أحد رجالات التزكية الكبار؛ فلا غرابة إذن أن تَنْدَى البردة بِنَدَى خَيْرِ نَسَب، وتَعْبَقَ بروحِ “مَنْ صَحِب من صحب”.

فكيف لا تكون للبردة تِلْكُم الروحُ النديةُ المتجددةُ المتدفقة، كأنها غُدْرَانٌ تترقرق مِنْ فيضِ بَحْرِ مَنْ أُخِذَ منهم العهدُ والميثاق لَيُبَـيِّنُنَّ للناس أزكى ما استُؤْمِنوا عليه من روحِ ولُبِّ وعِمَادِ هذا الدين العظيم ولا يكتمونه؟

وكيف لا يستطيع الرجل أن يَجْلُوَ لنا بعضَ حقائق النفس وبعضَ منعرجاتها ومَثَالِبِهَا وقد كان له بالأمر بصيرةٌ من بصيرةِ “من صحب من صحب”، وأشَعَّ له كَوْكَبٌ من أصحابِ السند الصحيح في مَتْنِ طِبِّ النفوس المتصل المنتهِي إلى طبيبها الأول صلى الله عليه وسلم؟

وأنَّى للبوصيري بِمِثْلِ ذلك النَّفَسِ القوي في بردته وبشِدَّةِ دَفْقِه فيها وغزارة المبثوث بين ثناياها من روح المعاني لو لم يستمدَّ من الخزائن التي لا تَنْفَدُ؟ خزائنُ لا تُفَتَّحُ أبوابُها إلا بمفاتحها بإذن وَليِّهَا. أَنَّى له ذلك لو لم يكن لقلبه سِلْكٌ نورانِيٌّ موصول بالداعي الْمُسْتَأْمَنِ على الحق، الشهيدِ الشاهدِ على الخلق، الخليلِ الرَّابِطِ على القلوب برباطها، الآخذِ بالنفوس من نَوَاصِيهَا ومَعَاصِمِهَا إلى فَرَادِيسِهَا، الدَّالِّ على النور الهادي -صلى الله عليه وآله وسلم؟

البردة وبركاتها على صاحبهاتُعْرَف هذه القصيدة بعدة أسماء منها: “الْبُرْأَة” و”الكواكبُ الدُّرِّيَّة في مدحِ خيرِ البريَّة”، ولكنها اشتهرت بالْكُنْيَة التي كنَّاها بها صاحبها: “البردة”؛ وفي إطلاقه لهذه الكنية على البردة روايات وتأويلات منها أن البردةَ/القصيدةَ تضم فضائل النبي صلى الله عليه وسلم كما ضمَّت البردةُ/الْكِسَاءُ شخصَه الشريف صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال في قصيدة له:حَاكَ مِنْ صَنْعَةِ الْقَرِيضْ بُرُوداً *** لَكَ لَمْ تحْكِ وَشْـيَهَا صَنْـعَاءُلقد ذاع ذكر البردة في كل الآفاق حتى غَدَتْ أشهر تحفة أدبية في تاريخ الأدب العربي والأدب الإسلامي على الإطلاق؛ إذْ حفظها الخاص والعامّ وتغنَّت بها الشعوب الإسلامية كلٌّ بأنغامه، وتُرجِمَت إلى كثير من اللغات ووُضعت لها الشروحُ وشروحُ الشروحِ ومختصراتُ الشروحِ، وخُمِّسَتْ(2) وعُورِضَتْ(3)، وابْتُكِرَتْ لأجلها بفضلها ضُروبٌ من الفنون وضُروب… فكيف نستطيع إحصاء واستقصاء ما أنعم به الباري عز وجل على البوصيري من بركات بردته؟

وَرَدَ في ظروف كتابة البردة حكايات وحكايات مما لا أحبُّ أن أُشَوِّشَ على المقصود بمرافعات المختصمين حول صحتها، ولكنَّها عَجِيبَةٌ عجيبةٌ أن يَخْلُدَ ذكر عبد من عباد الله على مدى الأزمان بقصيدة شعر! قصيدةٌ نَافَحَتْ عن مقام النبوة وربطت قلوب الخاصة والعامة بمن جعل الله تعالى محبتَه طريقا لمحبته واتباعَه مَنْجَاةً لأتباعه وطاعتَه سبحانه رَهْناً بطاعته صلى الله عليه وسلم.

ويثير الاِنتباه أن البوصيري لم يُحَصِّلْ من العلوم قَدْرَ ما كان يُحَصِّلُ فطاحل العلماء قبله وبعده، فهو كما يقول محمد سيد كيلاني: “لم يُصِبْ حظا كبيرا من الدراسة المنظمة، لأنه مع كثرة المدارس في عهده لم تسند إليه وظيفة التدريس في أي مدرسة. وقد فتح كُتَّابا لتحفيظ القرآن. وهذا عمل لا يزاوله إلا من أوتي قليلا من الثقافة”(4)؛ (أضف إلى هذا عمَلَهُ في النقش على شواهد القبور بيديه كما سيأتي إن شاء الله) ومع هذا فما ارتفع شأن عَلَمٍ من الأعلام إلا كان له مع البردة شأن، ولا قال في التزكية قائلٌ إلاَّ اقتطف من شجرتها ثماراً يانعةً جَنِيَّةً، ولا وثَّقَ للسيرة النبوية العطرة مُوَثِّقٌ إلا خَتَمَ عليها في كل موضع بخاتَمها، وما طَرِبَ لغناءٍ أحدٌ من عامَّة الناس ولا صَفْوَةٌ إلا كان لها في ما يترنَّمون به نصيب…

دُرَّةٌ في الْحِكَم.. ومُرشدٌ في السلوك.. ومَرجعٌ في السيرة.. وتُحْفة في الفنّ معاً.

البردة وبُنَيَّاتُهاوبِحَسْبِ البوصيري أنه ما أَلْهَمَتْ قصيدةٌ في الشعر العربي كله الشعراءَ وحَفَزَتْهُم لمعارضتها كما فعلت البردة في من حاكاها حتى تَنَاسَلَت البردةُ بروداً وبروداً وبروداً، فروعاً مُورِقَةً مزهرةً مثمرةً من أصل مبارك، تُكتب في رصيد البوصيري ثمراتُها بما سنَّ من سُنَّةٍ محمودة ينهج نَهْجَهَا الشعراء جيلاً بعد جيل.

ومِنْ بُنيَّات البردة ما عارضها بها شاعرُ السيف والقلم محمود سامي البارودي(5) بِمِيـمِيَّـتِه التي مطلعها:يَـا رَائِـدَ البَرْقِ يَمِّـمِ دَارَةَ الْعَـلَمِ *** وَاحْـدُ الغَمَـامَ إِلَى حَيٍّ بِذِي سَـلَمِوالقصيدة الْبُنَيَّةُ -وعدد أبياتها سبعةٌ وأربعون وأربعُمائة- كلها وَحْيٌ مِنْ وَحْي، وندىً من ندى، وطِيبٌ من طِيب.. يتدفق شعورُه في خواتيمها ويَنْضَحُ صدرُه عندها بما فيه:وَلِـي بِحُـبِّ رَسُـولِ اللهِ مَنـزِلَـةٌ *** أَرجُو بِها الصَّفحَ يَومَ الدِّينِ عَن جُرُمِي

أَبكانِيَ الـدَّهرُ حَتّى إِذ لَجِـئتُ بِــهِ *** حَنـا عَـلَيَّ وَأَبـدى ثَغرَ مُـبتَـسِمِ

فَهوَ الَّذي يَمنَـحُ العافِيـنَ مـا سَأَلُوا *** فَضلاً وَيَشفَعُ يَـومَ الدِّينِ في الأُمَــمِ

نُـورٌ لِمُـقتَـبِسٍ ذُخـرٌ لِمُلتَـمِـسٍ *** حِـرزٌ لِمُبتَـئِسٍ كَهـفٌ لِمُعتَـصِـمِ

إِنّي لَمُستَشفِعٌ بِالـمُصـطَفى وَكَـفى *** بِهِ شَفِيعاً لَـدى الأَهـوالِ وَالقُــحَمِ …

أما أشهر من عارض البردةَ فهو أمير الشعراء أحمد شوقي(6) الذي تَجَلَّى لنا بقصيدته الرائعة “نهج البردة”(7) التي مطلعها:رِيـمٌ عَلَى الْقَـاعِ بَيْنَ الْبَانِ وَالعَلَمِ *** أَحَلَّ سَفْكَ دَمِي فِي الأَشْهُرِ الْحُرُمِوقد شهد شوقي في نهجه بِرِيَادَةِ البوصيري وعُلُوِّ كعبه في الشعر وبإمامتِه في المديح النبوي شهادةً تُكْتَبُ بماء الذهب وَقَّعَهَا بأدَبٍ جَمٍّ باسم كلِّ مَن يعرف للرجال قدْرَهم:الْمَادِحُونَ وَأَرْبَابُ الْهَـوَى تَـبَــعٌ *** لِصَــاحِبِ البُرْدَةِ الفَيْحَـاءِ ذِي الْقَدَمِ

مَدِيـحُهُ فِيكَ حُبٌّ خَالِصٌ وَهَــوىً *** وَصَادِقُ الْحُـبِّ يُمْـلِي صَـادِقَ الْكَلَمِ

اللهُ يَشْـهَـدُ أَنِّي لاَ أُعَـارِضُـــهُ *** مَنْ ذَا يُعَارِضُ صَوْبَ الْعَارِضِ الْعَرِمِ

وَإِنَّمَـا أَنَا بَعْـضُ الْغَابِطيـنَ وَمَـنْ *** يَغْبِط وَلِيـَّكَ لاَ يُـــذْمَمْ وَلاَ يُـلَمِوشوقي وإن كان شاعراً مطبوعاً مُجِيداً وبَلَغَ ما بَلَغَ في “نهج البردة”، إلاَّ أنه لم يَرْقَ بها إلى مَراقِي البوصيري في بردته؛ وشتَّانَ بين البردة ونَهْجِهَا، شتَّانَ بين التحفة وصورتِها!!!..

شتّان شتّان.

وما خَرَجَتِ البرودُ كل البرودِ إلا من تحت بردة البوصيري، وما سار المادحون إلا في الطريق التي عبَّدَها لهم إِمَامُهُمْ، ولا أَيْنَعَتْ ثمارٌ جَنَوْها طيبةً إلا بِبركة لَقَاحِه، ولا نَمَتْ أجِنَّتُها إلا في رَحِمِ قريحته رحمه الله تعالى ورضي عنه آمين.

أما تلاحين البردة فقد اسْتَهْدَى صائِغُوها بأنوار مِيمِيَّةِ البوصيري واسْتَمَدُّوا واسْتَلْهَمُوا من روحها لأرواح ترانيمهم فأعانوا شاعرَنا على حمل معانيها إلى قلوب الناس لترسيخها فيها وشَغْلِهَا بذِكر من لا يَمَلُّ القلب من ذكره والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. فَغَدَا مَدْحُ الحبيب صلى الله عليه وسلم مذهباً ولازمةً في “طَقْطُوقَةِ” حياةِ الناس، وأضحى رَنِيمُهُ وَرْداً وريحاناً وفُلاًّ وأُقحُواناً يُنْثَرُ فرحاً به وشوقاً إليه صلى الله عليه وسلم.. بمناسبة وبغير مناسبة.

وبغير مناسبة؟!!!

وهل يحتاج مدح الحبيب عليه أزكى صلاة وأندى سلام إلى مناسبة؟

ألا وإن كل الأوقات مناسَبَةٌ لمدحه والصلاة عليه وذكرِ شمائله وتَمَثُّلِ سيرته لسلوك منهاجه صلى الله عليه وسلم. فحيثما وُجِدَ قلبٌ محبٌّ وروحٌ مَشُوقٌ وفؤادٌ شَجٍ فرسول الله صلى الله عليه وسلم مناسَبَة تتملى في صورته القلوب وتتحلَّى بمعناه الأفئدة. فحبُّه صلى الله عليه وسلم تِرْيَاقٌ للنفوس مُداوٍ، والتعلُّق به صلى الله عليه وسلم أمانٌ لكل خائفٍ وجِلٍ، وتعطيرُ الأنفاس بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم هو للروح مَدَدٌ وللعزيمة سَنَدٌ وللبناء عَمَدٌ وفي الجهاد عُدَد وأيُّ عُدَد.. صلى الله عليه وسلم.

الدار البيضاء ليلة السبت

28 محرم الحرام 1428 هـ/ 17 فبراير 2007 م

————————————

(1) نِِسبةً إلى بوصير، وتقع بين الفيوم وبني سويف بمصر.

(2) التخميس أن يأتي الشاعر المخمِّسُ بثلاثة مصاريع من عنده يضيف إليها مصراعين اثنين للشعر الأصلي من مثل تخميس ابن يجبش التازي (نقلاً عن “بردة البوصيري بالمغرب والأندلس للأستاذ سعيد بن الأحرش” ص: 148):

يا من له هـمة من أرفع الْهمم *** وجسمه قد غدا فِي غاية السقم

ومقلـة العين لـم تفتر ولَم تنم *** أمـن تذكر جيـران بذي سلم

مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

(3) المعارضة تعني المحاكاة، بأن يأتي شاعر بقصيدة جديدة ينسجها على منوال قصيدة سابقة شرط أن تماثلها في الموضوع والبحر والقافية والرَّوي.

(4) تحقيق ديوان الإمام البوصيري ص: 10، طبعة دار الرشاد الحديثة.

(5) (1839  1904) جركسي الأصل نسبته إلى “إيتاي البارود” بمصر، جمع بين ريادة السيف والقلم؛ أتقن الفارسية والتركية وله فيهما قصائد.

(6) تعلمنا ونحن صغار أن الشعر بدأ بأحمد وانتهى بأحمد، يقصدون بالأول المتنبي وبالثاني أحمد شوقي.

(7) لحن السنباطي بعض أبيات منها.