إن المتتبع للشأن المغربي وللوعود الخلابة لمسؤوليه التي يعدون بها الشعب، يلاحظ جليا الهوة السحيقة بين الواقع والشعارات التي ترفع أثناء الانتخابات.

فعندما يتحدث أحدهم عن أرقام حققت أو ستحقق عما قريب، بثقة ويقين، لا يملك المواطن المقهور إلا أن يجزم أن الأمر جدي وأن الواقع المقيت والمتخلف سيتغير نحو الأفضل، لكنه يكتشف بعد حين، مع الأسف، أن كل الوعود حبرا على ورق، اختفت وتبددت معها أحلام المغاربة نحو غد أفضل وكرامة سلبت بالقهر والتهميش والتفقير.

لقد وعدونا بمحو الأمية مطلع سنة 2000، فأصبح المغرب من بين الدول الأكثر أمية ليس في العالم العربي وحسب بل في العالم كله، حيث تقدر نسبة الأمية عالميا بـ 18% وعربيا بـ 25% أما في بلدنا فقد غطت 50% من المواطنين، ولعل مقارنة بسيطة مع فلسطين، مثلا، التي تعيش ظروفا قاسية جدا جراء الاحتلال الصهيوني والحصار المضروب على الشعب والتي لا تتجاوز الأمية فيها 3% ندرك أننا نعيش وضعية استثنائية صعبة.

ووعدوا الشباب المعطل وحاملي الشهادات بمبادرات تحد من بطالتهم بمشاريع صاحبتها بهرجة إعلامية، لكن نسبة بطالة الشباب المغربي حاليا من أعلى النسب في العالم حيث تقدر بحوالي 40%.

وعدوا بمحاربة الرشوة وأصدروا من أجل ذلك قوانين زجرية ضد الفساد الإداري وانخرطوا في اتفاقية الأمم المتحدة لمحاربة الرشوة التي تم إقرارها سنة 2003. لكن التقارير الخاصة بمؤشر ملامسة الرشوة لسنة 2006 رتبت المغرب في الرتبة 79 بين 163 دولة بعدما كان في الرتبة 78 سنة 2005 والرتبة 77 سنة 2004، كما يشير تقرير الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة (ترانسبارونسي) المغرب لسنة 2006 أن 60% من المغاربة مارسوا الرشوة وأن أكثر القطاعات رشوة: الأمن والعدل والصحة . مع العلم أن نسبة كبيرة من المغاربة مجبرين على دفع الرشوة.

وأعلن ملك البلاد عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وانخرط المسئولون فيها بالتخطيط ورصد الأموال الطائلة بالملايير، وأصدروا تقرير الخمسينية وآفاق 2025 لكن دائما خيبة الأمل تلاحق الشعب المسكين، فتقرير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية رتب المغرب ضمن الدول الأكثر تخلفا في الميدان حيث يقبع في المرتبة 124 من أصل 177 دولة.

أما معضلة التعليم ومشاكله الجزئية فحدث ولا حرج، فلو تحدثنا مثلا عن الهدر المدرسي الذي ما زال في تصاعد مستمر سنجد أنه من أصل 100 تلميذ يبلغ 7 سنوات يلج المدرسة 85 ويلتحق بالإعدادي 45 ويصل الثانوي التأهيلي 22 فقط.

وحسب منظمة اليونسكو فإن المغرب عرف، سنة 2004، أكبر نسبة من الهدر المدرسي في العالم العربي، وتشير إحصائيات الوزارة الوصية لنفس السنة أنه من أصل1000 تلميذ مسجل في التعليم الابتدائي يصل فقط 620 إلى السنة السادسة.

أما الحديث عن الفقر فلا يحتاج لأرقام، فيكفي أن تكون مغربيا أو حتى زائرا متجولا لكي تلاحظ انتشار الفقراء انتشارا مهولا في كل شارع و زقاق، وهو ما يؤكد لغة الأرقام، فحسب إحصاء رسمي لسنة 2005، إذا سلمنا بصحته، قدر عدد فقراء المغرب ب 19% أي 6 ملايين فقير .

وعدوا الشباب بكثير من الأمل والترقب نحو مستقبل زاهر، لكن سرقوا منهم أحلامهم فلم يجد بعضهم طريقا للعيش الكريم سوى الهجرة السرية إن توفقوا، وإلا فالغرق نصيبهم، أما البعض الآخر من الشباب الذي فضل الانتظار والصبر في البلاد فقد ارتمى في حضن المخدرات والفواحش.

لقد سرقوا آمال وأحلام الشعب ككل وخذلونا أكثر من اللازم، والأرقام غنية عن كل تعليق.

إننا ندعو حكامنا كي يستفيقوا من سباتهم ويراجعوا حساباتهم والوعود التي أعطوها للشعب، وندعوهم ليتوبوا ويتقوا الله فيمن هم مسؤولون عنهم يوم القيامة. وإلا فليتخلوا عن مسؤولياتهم ما داموا عاجزين عن إسعاد الشعب وتحقيق أمانيه.