كتب رجل اسمه الميمون بن علي عقد بيع وشراء يتنازل بموجبه عن اختياره وامتلاكه وحركته وسكنته مقابل حصوله على رضا ربه وطمأنينة قلبه ممن خلقه ورزقه ووفقه.

يقول صاحب العقد:

“هذا ما اشترى المولى اللطيف الجليل، من العبد الضعيف الذليل الميمون بن علي، اشترى منه في صفقة واحدة دون استبقاء ولا تبعيض، ولا استثناء بتصريح ولا تعريض، جميع المنـزل المعروف بمنـزل القلب والفؤاد،الذي من سكانه المحبة والخلاص والوداد،حده من القبلة قبول الأوامر المطاعة،ومن الشرق لزوم السمع والطاعة،من الجوف الإقبال على ما عليه أهل السنة والجماعة، ومن الغرب دوام المراقبة في كل وقت وساعة، بكل ما يختص هذا المبيع المذكور ويعمه،وينتهي إليه كل حد من حدوده ويضمه، من داخل الحقوق وخارجها، ومداخل المنافع ومخارجها، وبكل ما له من الآلات التابعة له في التصريف، والحواس الجارية معه في حالتي الإضاعة والتشريف، السالكة مسلكه في التنكير والتعريف، من يدين، ورجلين، وشفتين، وعينين، وأذنين، اشتراء صحيحا تاما شائعا في جميع المبيع المذكور، عاما ثبت قواعده، وظهرت بالتسليم الصحيح شواهده، بلا شرط ولا ثنيا و لا خيارا، ولا بقي مع حظ النفس ولا اختيار، بثمن رتبة العناية الربانية، وقسمته المشيئة الإلهية، بين عاجل وآجل، فالعاجل: العون على كل مندوب ومفترض، والصون عن كل غرض وعرض، والثناء على النعم الظاهرة والباطنة، وإهداء الآلاء المتحركة والساكنة، والآجل: الفوز بالدار القدسية، والحضرة الأنسية، التي فيها امتد جناح التواتر بالخبر الصادق وانتشر، ما لا عين رأت و لا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من النعيم المقيم السرمدي، والحبور الدائم الأبدي.

سلم العبد المذكور هذا المبيع المذكور، تسليما تبرأ به من الملك، ورفع به يد الاعتراض عن ما يفعل المولى الجليل فيما تملكه، وأيقن أنه المتصرف فيه في سره وجهره، وعلم أنه الملك المذكور تحت يد عزته وقهره، تجري فيه أحكامه القاهرة،وتنفذ فيه قضاياه الباهرة،وتحيط به قدرته الظاهرة،وقد أحاط المولى الجليل بهذا المبيع المذكور إحاطة ظهور، ولم يخف عليه أي من قليله وكثيره، وجليله وحقيره، ومبانيه ومساكنه، ومتحركه وساكنه، إلا اطلع عليه اطلاع عليم قدير، “”ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير””.