مسلك متينكيف لنا أن نصارع أبناء المادية المتغطرسة لنمكن لأنفسنا ونبني للخَلَف منابر تزكي وتربي وتؤطر، لنجعل منهم رجالا لا يرضون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن صحبه الأخيار بديلا ومحيدا، وليحملوا دعوة الإسلام إلى قابل الشعوب تحقيقا لموعود النبي الكريم بسيادة دين الحنيفية السمحاء على كل بيت وبر ومدر.

أم تُرانا ننتظر الخلاص والنصرَ بنية العاجز المحوقل الغافل اللاهي، المعرض عن نواميس الحق في ترتيب النتائج على المسببات، ونستكين إلى واقع الانهزام، فإذن لا محيد عن الغثائية الضارب جذرها في الأعماق، المتغلغل في القلوب؛ أم تُرانا ننبعثُ همةً وإرادة وعملا منقبين في تاريخ سلفنا عن مسالك النصر لأمتنا وأنفسنا، ممكنين لذلك في مجتمعنا كما مكن آل الباطل لباطلهم، دونما إهمال لواقعنا وآلياته في تتبيث العلوم وترسيخها، ثم بما نمكن ونرسخ؟.

المسلك المتين لقابل تاريخنا وتاريخ البشرية، أن نستنبت في مجتمعنا منابر تكوين الرجال ونتعهدها بأن نسترجع ما قد ضاع منها وانفرم، يقوم على ذلك أهل الدعوة وأهل الدولة، كل بنية التقرب إلى المولى عز وجل وإعزاز أمر هذه الأمة.

ثم لابد لنا ونحن نروم استرجاع ما ضاع وكسد، أن ندافع ذراري الاستعمار وأذنابَه في مجتمعنا، دفاع القوة والتمكين لا صراع العنف والتنكيل، حتى نستل من بين أيديهم منارات إبلاغ الدعوة وكلمة الحق لنُسمع الفطرة في قلوب الأمة وعقولها، ونربي ونكون ونزكي على شرعة الله تعالى ومنهاج النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

أوقف جهاز الدولة ومخزنها عمل المسجد، ووضعوا حواجز وعوائق بين يدي خطبائه ووعاظه، واختاروا له  في أحيان كثيرة- من انحسرت همته وقل فهمه،وأغلقوا منه الأبواب، وجعلوا عليه حراسا يعُدون على الخطباء الكلمات والأنفاس، فانخرم منبر من منابر التربية والتزكية في الأمة عظيمُُ.

واستفرد بعض”المثقفين” “المغربين” من بني جلدتنا بتثبيت عوامل الضعف والانهزام في نفوس الأمة عن طريق منبر الإعلام، وجعلوه أداة لعرض هجين الفعل وسخيف القول، وألهوا به عقول النشأ، وأفسدوا الشعب بما بثوه في مقررات التعليم الفارغ محتواها حتى لم يعد للمدرسة دور الريادة في المجتمع الذي تفتتت منه عرى الوصل والود والتعاون بما انهال عليه من فكر الأنانية، وبما كسبت أيدينا، فضاع منا دينُ ُ عظيمُ ُ معاملةُ الخلق بدين الحق.

مع هذا وذاك انحسرت وسائل يربى منها عموم المجتمع وأفراده، فاستفحلت الأمية الدينية، وضعف وازع الدين لدا الأفراد وتشتت المجتمع وضاعت الأمة، وزادنا ضَعفا إلى ضعف إملاءاتُ العالم المستكبر الطاغي الباغي في الأرض، وهشاشةُ اقتصاد وقلةُ علم وانحسارُ أفق.وهل يرجى لأطفال كمالٌ *** إذا ارتضعوا ثُدَي الناقصاتأنهيم في أرض الاستخلاف عابثين لاهين غير مبالين بما ضاع من الأمة وما انمحى في قلوب الخلق إثر عوامل الضعف المستشرية شرقا وغربا، أم ترانا نزاحم قدر الله تعالى بقدره سبحانه وننهض لطلب ما قد خمد وكسد، واسترجاع مقومات تبني وتوحد وتنشر دين الله تعالى بين أبناء البلد، لنلقى الزلفى يوم العرض على الحق سبحانه، ولنضع قدم الأمة على المسلك المتين لتحقيق غاية الوجود من أمة نبي آخر الزمان.

قال تعالى: وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(76) [ سورة النحل]

“عامل حاسم”مزاحمة قدر الله تعالى النازل في الأمة بما جلبته عليها أيدي العابثين من أبنائها، وبما تراكم من إعراض عن دين الله تعالى وعن سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ودفعه بقدرٍ من الله تعالى، سنة حتمية في كون الله واجبٌ سلوكها على الأمة متى استشرفت واقعَها بنية وعزم صادقين، يزكيهما عملُ ُُ أساسه تربيةٌ على شرعة الله تعالى، تُزيل ما تراكم في القلوب من أدواء وما غلفها من أسقام.

الداء العضال الذي لا فكاك معه المرتهن بالأمة الجاثم على الصدور هو انغلاق القلوب ومرضها وعَوَزها وبعدها عن معين الكتاب والسنة، لا فكاك للأمة ولا “نهضة” إن لم تنغرس في قلوب الأجيال القابلة محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما لم تذق هذه القلوب حلاوة الإيمان وما لم تخالط بشاشته سويداء القلب ولبه وجوهره، وما لم تؤسَس منابر تربية الأمة على أساس إسماع فطرة القلوب وتقريبها من خالقها؛ عن النعمان بن بشير  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”… ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب”[متفق عليه].

كما لا تصلح الأجساد إلا بسلامة القلوب، فكذلك الأمة لا تصلح في عمومها إلا بصلاح قلوب أفرادها، ولا تصلح قلوب أفرادها إلا إذا استقامت على أمر الله تعالى بتربية تزرع في القلوب حب القرب منه سبحانه، فينجلي منها الصفاء، ويلوح منها العطاء، وتنطبع فيها سجية الإخاء.وما الفخر بالعظم الرميم وإنما *** فَخَار الذي يبغي الفخار بنفسهمناط الأمر ومداره في تربية الأمة على تزكية قلوب أبنائها وتحليتها بحسن الأخلاق والطباع، ومعرفة الآخرة وخالقها وغاية الخلق ومستقره ومنتهاه، وقتئذ لا عليك من علوم و”تنمية” و”ازدهار”، إذ المؤمن المتعلق بربه حريص على حسن الاستخلاف في أرض الخالق، قال تعالى في كتابه: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)) [سورة التوبة]، وقال في آية أخرى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)) [سورة التوبة].

المعول عليه بإذن الله تعالى أن تغرس منابرُ التغيير في أفئدة الأمة التعلق بالله، والمصلحة الجارية من هذه المنابر أن تخاطب القلوب لتداوي أسقامها، وأن تحمل إليها شرعة الله تعالى الغضة الطرية كما كانت على عهد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حبا وتمثلا.

إذا استُرجعت منابر التربية في المجتمع من مساجدَ ومدارس وإعلام وغيرها من أيدي ذراري الاستعمار لتكون عزا للأمة وموردا لمعين صاف، دونما تأسيس وارتكاز على شرعة الله وشرعة المصطفى تروم تصفية القلوب وربطها بخالقها، فلا استرجاع آنئذ ولا استلال، مهما كان الظاهر منها ومهما كانت جعجعتها وطِحنها، ما يلبث هذا أن يظهر عوجُه وفسادُه، وتلوح منه الهشاشة والزيف فإذا الذي رُمنا منه الإصلاح والتمكين ينحدر بالأمة في غيابات الشقاء والتيه والزيغان، فينكسر منا العزم ويضيع منا الجهد ويشتد بنا المرض والضعف وتظهر في الجيل الجديد علامات مرض النفوس وينبري من “بني جلدتنا” من يطعن في صدق الصادقين أو قد يُحدِث بعدم صلاحية الدين ليكون “سياسة” للتغيير.

قال الله عز وجل: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ (109)) [سورة التوبة].