كثيرة هي الصفات التي يمكن أن تلحق فترة الشباب بما هي مرحلة تميز وقوة وعنفوان وإقبال كبير على الحياة واستشعار باطني هائج ينتاب دواخل الناشئ يدفعه لإتيان كل ما يخطر بالبال نافعا منتجا كان أو هجاما محبطا.

ولعل أبرز ما يسوق غيوم الحسرة والندم في أثناء الكبر إلى نفسية العديد من الناس، لتمطرها اكتئابا وتشتتا، هو ضياع أحلى أيام الشباب بذبول زهرة العمر، وانكماش قوة الكاهل والصدر، وقبح جمال العين وسواد الشعر.

وبما عساي أنتفع ندما؟ عندما أضيع ستين أو سبعين عاما، إلا بصادق ثوب يكون لسيء أعمالي هداما.

ولقد صور لنا القرآن الكريم، غير ما مرة، الشباب الصالح في أبهى صورة، وزينه بأروع حلل الإيمان والفتوة والنضارة، كما كرمت السنة النبوية الطاهرة واحتفت بفلاح الشباب التقي المتعالي الناظر شوقا إلى المعالي التواق لرؤية وجه الله العالي.

وليعذرني القارئ الكريم، فهو يعرف من أمثلة شباب الأمة النقي الكثير، فالمقام لا يسمح بالإطالة في التذكير، إذ الغاية من المقالة بسط مطالب الشباب النامي الذي أضحت سلوكاته وقضاياه وحياته موارد دسم تكفي لنعته باللامسؤولية والاستهتار والعبث.

إن دافعي للكتابة في الموضوع هو وجودي بمعية جمهور محاضرة حول “الشباب والعفة” أودع خلالها هذا الأخير أقفاص الاتهام وأكيلت له جميع أنواع الجرائم وقبائح الطوام دون أن يعطي حق الرد والدفاع. وما أظلمها وأظلمها من محاكمة! ترأسها من القضاة من يدعي الأستاذية ويزعم الإنصاف والمساواة والتنمية.

تبّاََ لكل انتماء سياسي ضيق ضعيف تضيع معه نزاهة وموضوعية وعلمية الموضوع لتتم تبرئة من فقروا الشباب، وجهلوا الشباب، وأذلوا الشباب… وخانوا الشباب!! بل خانوا الأمة جمعاء.

سيدي القاضي قبل أن تسودوا سجلات سيرتنا بأحكامكم الظالمة الجائرة لنا خمسة من المطالب نبغي تحققها لتقينا حر المتاعب وتكالب المتكالب.

أولا: مطلب الاعترافوإن كانت نظرتنا البديهية للمجتمع أنه كل منسجم منصهرة عناصره في بوتقة واحدة، فمجرد إطلالة سطحية عائمة سرعان ما نكتشف أنه ثمة مجتمعات كثيرة لا مجتمعا واحدا. مجتمع للأطفال يعبق نسيمه ألعابا وقصصا وأحلاما، يقابله في النقيض مجتمع الشيوخ والكهول يشتكي العزلة والتهميش أياما وأعواما، ومجتمع للكبار، رجالا ونساء، يغلي مشاكل وآلاما، ثم مجتمع فائر ثائر حائر هو مجتمع الشباب.

في غياب هذا الخصم الهائج المتموج، حيث الكل يتدافع لإيجاد المكانة اللائقة، تكون للشباب يوميا خرجات وجولات مغايرة متميزة عن المألوف وإنما يدعونا للفت الانتباه إليه، يستزيد منا اهتمامه به.

في كل لحظة وحين يحرق الجمر انتظاره الباحث عمن يقترب منه ويصغي إليه فما نزيد عنه إلا ابتعادا وعن مشاكله ومطالبه انتفاضا واعتراضا، قام يصرخ بأعلى صوته، بل بكل أصواته فيزداد تجاهلنا له صمما وعمى، فيضطر للصراخ ثانية وثالثة وعاشرة بكل ما أوتي من قوة موضة اللباس وتسريحة الشعر وصخب المسموعات وتمرد الكلمات والعبارات … ولعمري، فالمطلب الاعتراف المحرج لا يزال قائماََ؟

ثانيا: مطـلب التحصيــن وما مطلب التحصين عن سابقه ببعيد ولا يقل عنه أهمية، إذ كيف يتسنى حصول تحصين وتأطير لم يمهد له بأطيب قبول وأحسن اعتراف.

مع وقوف الناشئ على خط انطلاق مرحلة جديدة من حياته تهاجمه وتنازعه أفكار تدشين هذه الرحلة الشيقة بأكبر حماس وأعتى إحساس لمعرفة الآخر والآخرين وسبر أغوار عوالم مجتمع ظل لردح من الزمن يغري بالمغامرة والاكتشاف، فيفتح شهيته لابتلاع كل ما يعتقده ملبيا لفضوله في الاطلاع والمعرفة، يعنيه في ذلك وفرة الآلات والأدوات من بين حواسيب جذابة وشبكة عنكبوتية براقة وهواتف وأجهزة رقمية… وغيرها. وإذا برغبة حب الاطلاع البريئة الجادة المجردة اليتيمة من أي صحبة نافعة تتحول صوتا آزا هازا مدويا يقطع أوصال الشاب عن سماع عذب الفطرة الطاهرة، ثم صورة عاهرة عارية من كل خلق وأدب تمسخ الأصل بل تقبره وتحجب مضغة التلقي عن استقبال زلال التربية الصالحة. وإذا بأبواب ونوافذ الشخصية الصغيرة تترع لهبوب رياح شتى التيارات التغريبية والمغرَّبة.

لست ممن يهوى ويدعو للالتصاق والانغلاق، فما يجوز في حق شبابنا وما ينبغي له، وإذا كان موج الانفتاح حالاًّ لا يقبل تأجيلا والحضارة المادية، الهاجمة زمنا، الغالبة حينا، المتربصة بفلذات الأكباد دائما تلوي ذراعنا وأعناقنا، فلا مناص لنا، والحال هذه، من طينة الرجال من يحسن أن يختار وينتقي، ليشبع في الشباب نهم حب الاطلاع، وبهممهم إلى مصاف الأشراف يرتفع ويرتقي.

أيها السادة! شبابكم فطرته تحتاج لأمنع تحصين … فهلا من عقل رزين وقلب صابر معين؟

ثالثا: مطـلب التأطيــر جدير وحري بأرض ذلول، يمشي على أديمها شبان كثر، أن تنتفع بكل ما أودعه الخالق عز وجل في عقولهم وسواعدهم من قدرات ومؤهلات فهو سبحانه وتعالى القائل : ” ه والذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ” سورة الملك .

ولهذه الطاقات لن يتعبد الطريق لاستخراج عميم ثرواتها وتكرير معادنها إلا بالتأطير البارع الحذق والتأهيل الماهر الدقيق.

وكم عانى الشباب ولا يزال من التهور والحماسة الزائدة، وذلك من غياب دراية كافية مؤطرة توقف سيلان وهدر أفكاره في شتى أنواع العلم والاقتصاد والسياسة والرياضة والفن والثقافة والاختراع … والحاصل أن مواهبه ونتائجه لا تعرف إلينا سبيلا ولا تنتفع بها الأمة القابعة في السفلى إلا قليلا، وزد على ذلك قليلا.

وانظر! وتكفيك عبرة وعظة، يا من يرمي بالمجان شبابه بالاستصغار والاحتقار، إلى عقول يافعة نابغة كيف طارت إلى الآخر فوجدت من يتعهدها ويروي عطشها علما وتأطيرا وتدريبا فأنبتت ما تنبت السنابل وأعطت مجهودا جبارا كنا أولى به من غيرنا.

ولا تحدثني عن عجائب آخرين، فالله وحده أعلم بمن ظل في الظل حتى مات فماتت معه عجائب قدرة الخالق فيه.

أيها السادة! شبابكم كنز مغمور يحتاج لأكبر عملية تأطير وتنقيب …. فخلا من عالم ومهندس وطبيب؟

رابعا: مطـلب المسؤوليةمكرها مجبرا يمكن للمجتمع أن يتنازل ويعترف بشبابه، وذلك من شفقته عليه لا اقتناعا ووعيا به، فيكون نصيبه مملكة الآخرين، الواسعة الاختصاصات والتخصصات، الضيق العليل من المساحات، وطبعا معها لن يحظى يوما ما بكامل الثقة الوثيقة لأنه محكوم عليه مسبقا بالعجلة والتهور، فلا أعتقد إلا أنكم تريدون شابا يتعب ويكد وعن مواقع المسؤولية والتخطيط تودون أن يبتعد.

وكأن حال الراشد تقول: يمكن أن أستعملك متى شئت، لكني لا أثق كثيرا في قدرتك على إنجاز ما شئت. إذ أنت سفيه تحت المراقبة الدائمة حتى حين.

لا أقصد بذا الكلام نية ورغبة شبابنا للانقضاض على المراكز الحساسة فذاك لم يحن أوانه وقادح في صدقنا نشدانه، لكن أنشد الانتباه إلى معانة الشباب وآمالها، في برامج سياسوية بخسة وحملات انتخابوية خسيسة، لأن يفتح أمامها الممكن من مسافات المسؤولية ليشخص ويختبر ويجص نبض القوة الصاعدة، حتى إن بان جدها وصوابها ثمَّن وشكر وإن كان غير ذلك عالج وقوم وثبر. فما لا يدرك كله لا يترك جله.

أيها السادة! شبابكم يرفض التعطيل … فهلا من تفكير جاد صادق في الحل والبديل؟

خامسا: مطـلب التقويملن يصبر للتقويم معنى وغاية حتى يأمر بمعروف موصل لأعالي المكارم وينهى عن منكر مثمن مقوض للعزائم. وذلك أساس التربية.

على النقائص النفس الآدمية مجبولة، وإن كانت تعشق الكمال فتلك بغية تبقى مستحيلة وكذلك طبعها، وعن مقوِّم مكمل دأبها وبحثها وإلا فما العبرة والحكمة من إرساله بل وتعالي رسله تترا، بعد أن خيرهم وكملهم واختارهم وزادهم على العالمين علوا وفضلا، وعصمهم من دقيق الخطإ وصغير اللمم إلا لإخراج الخلائق من ظلمات الجهل وضيقه إلى نور الهدى وسعته.

ولا يسع أحدا أن ينكر أن الطفل الصغير يبدأ بالسقوطحبوا حتى ينال هدفه مشيا ثم عدوا. كما أن الوافد القاعد عند أعتاب معلمه يجوز في حقه كل أنواع السهو والنسيان. فما بالنا بشباب فتي بدأ يخوض غمار بناء الذات في مدرسة الحياة رغما عن حداثة السن وفقر التجربة ولا تتخيل الأمر هنا سهلا، فهو حياة. ومواقف ومبادئ وأخلاق وقيم وتعامل يومي ورقيب مجتمعي، ورغيف عيش، ونوازع طيش، ومرام بعاد وقلة زاد. أليس هامش تعثره هنا أوسع؟ ويكون هجره ونخره لملكاته أتلف وأضيع ؟

بم عسانا نجيب عندما نسأل عن بذرة حياة بذرة إيمان فسيلة خير وأدناها قبل أن تولد ؟ أليس من الواجب الشرعي الذي يتعدى الواجب التاريخي المادي أن ننصحه وندله ونرشده؟

أليس المسلم مطلوب إليه نصرة أخيه المسلم ظالما أو مظلوما؟

أليس إذا استنصحك تنصح له؟

والدين النصيحة. بما هي رتق لفتق حل بالثوب.

وهل يكون ذلك إلا بخيط ذهبي رفيع قادر على رأب الصدع دون توبيخ أو قرع. يجمع بين التعديل والتقويم والتوجيه ويستحضر طبائع الناشئين الميّالة إلى اللياقة واللباقة والخفة والابتسامة.

أيها السادة! شبابكم صنيعه أكيد محتاج لتقويم …فهلا منكم رجل رشيد يتعهد العود الطري حتى يشتد ويستقيم؟

قبيل الختام، نكرر ونؤكد أن عزل كلامنا في الموضوع عن سياق ما عانته وما تعانيه الأمة من جراء قرون حكم العض والجبر وحكامه حتما يفقد نظرتنا للأمور صوابها ويفقر فحواها ويقصر مداها.

أليس الاستبداد في الحكم أم المصائب ؟

وإذ نعرض يوميا هذا الملف المطلبي المقدم في عمومياته ونفتح دفتيه للتفصيل في خصوصياته ليس لنا كبير أمل في العثور على أياد أمينة مبسوطة لاستلامه.

وفي الختام، باق ودائم أملنا في رب كريم حنان منان، أن ينصر جند الله المهتدين بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويوفقهم لحمل أمانة الدعوة تسخر لها دواليب الدولة. وما أثقلها وأجلها من مهمة !

وقتئد فقط سنلقى آدانا صاغية وإرادات عالية تربي وتحضن وتعلم وتؤطر وتصلح البقية الباقية.