مقدمةنشرت جريدة الأيام في عددها 263/ 13-19 يناير2007 مقالة مطولة تحت عنوان “ملاحظات في مسألة الانتقال الديمقراطي مغربيا” للأستاذ عبد الصمد بلكبير يدرج فيها ملحوظاته على ورقة أعدت في إطار “مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية” من طرف بعض الفاعلين المغاربة.

ونظرا لما يحويه المقال من غزارة وتركيز، خاصة أنه صادر عن شخصية فاعلة بعمق كبير في الواقع السياسي المغربي، فضلا عن إحاطته بكثير من تفاصيله، فإني ارتأيت مناقشته لاعتبارين:

الأول: أن الأستاذ عبد الصمد من العاملين بجدية لأجل حصول واقع انتقالي يرسخ قواعد الممارسة الديمقراطية في البلاد. لكن هناك سؤال مشروع: هل ممكن تحقق هذا الانتقال في ظل الظروف والشروط المتاحة لحد الآن؟ والجواب هو ما كان موضوع مقالة الأستاذ، إلا أن ما عرضه يحتاج إلى نقاش خدمة لمسار التغيير في المغرب وبحثا عن إيجاد قواسم مشتركة في عملية التفكير لأجل الخروج من واقع الاستبداد إلى واقع الحرية الحقيقية.

ثم إن مناقشة الأستاذ عبد الصمد للورقة المذكورة لم تخرج عن السياق العام الذي أحكم صياغتها، ومن ثم فإني أود -مع أستاذي المحترم- الانتباه إلى ضرورة اعتبار التنوع الممكن في مناقشة دعوى الانتقال الديمقراطي في بلد لم يتزحزح منطق الاستبداد فيه عن موقعه ولو خطوة نحو إعلان إرادة حقيقية لتمكين الشعب المغربي وقواه الحية من الاختيار الحر في تحديد طبيعة المرحلة الانتقالية ومضمونها السياسي والاجتماعي والمعرفي وآليات تمريض هذه المرحلة.

والثاني: أن الرجل يحرص على علاقة متوازنة مع الحركة الإسلامية ضمن وعي إيجابي بأن منطق الإقصاء إنما هو وسيلة مركزية في تعقد الوضع السياسي والاجتماعي، حيث لا يمكن إقصاء قوة مجتمعية متصاعدة لها قوة فكرية وتصورية واقتراحية، بغض النظر عن مدى صحة ما تقترحه.

ولذلك ولتحقيق أكبر قدر من التواصل المعرفي يؤسس لنقاش علمي، فإن المنهجية التي اعتمدتها في المناقشة أن أدرج أولا بعض الأفكار من خلال ملحوظات، ثم أعرج على بعض جوانب المناقشة التي لم تستوعبها هذه الملحوظات بشكل واضح وإن كانت متضمنة فيها، لأخلص إلى جوهر المفارقة بين ما يروج في الواقع السياسي والمجتمعي والثقافي والفكري من خياراتٍ عاملةٍ على إحداث الإصلاح الحقيقي المطلوب من جهة الشعب المغربي، وهو ما يعني، حتما، الحديث عن المستقبل السياسي للمغرب.

-1-لقد جاء إعلان الحسن الثاني، رحمه الله، عن خطر السكتة القلبية في سياق وعي النظام السياسي بخطورة البناء السياسي والمجتمعي والثقافي في المغرب بعد التداعيات المحلية والإقليمية والدولية، المباشرة وغير المباشرة لانتهاء الحرب الباردة. وقد كانت نتيجة التحليل المبني على هذا الوعي هي إعادة النظر في الحقل السياسي على ثلاث مستويات:

الأول: تفعيل تموقع النظام من خلال تفعيل عملية التناوب على كراسي الحكومة عبر فتح الباب أمام مشاركة المعارضة التقليدية.

الثاني: ضرورة تفعيل الحياة السياسية الحزبية من خلال الدعم المالي وتنشيط بعض مجالات الحرية السياسية بمقدار مضبوط، ومن خلال إعادة النظر في البنية الحزبية المفتتة. ولذلك كان اقتراحه رحمه الله تشكيل قطبين حزبيين سياسيين، وهو ما لم يتحقق نظرا للطبيعة الحزبية والشخصية، ونظرا لطبيعة القواعد النظامية المهيمنة على العملية السياسية منذ عقود، بل قرون من الزمن.

الثالث: ضرورة العمل على إدماج الحركة الإسلامية ضمن النسق السياسي والنظامي القائم ليحصل احتواؤها عوض تركها تشكل ثقافتها السياسية والحركية خارج قواعد اللعبة النظامية السائدة. وفي هذا الإطار كان تحرك السيد الخطيب تجاه جماعة العدل والإحسان، وعندما لم تؤت المبادرة أكلها، كما تصوره القصر، كانت في اتجاه حركة التوحيد والإصلاح حيث تم بحث تفعيل حزب الخطيب الذي أصبح يسمى بعد نجاح المبادرة بحزب العدالة والتنمية. كما تجدر هنا الإشارة إلى المجهود الذي كان يقوم به السيد المدغري، وزير الأوقاف السابق، في الباب.

وضمن هذا السياق حصلت فكرة الانتقال الديموقراطي الذي احتضن استحقاقا انتخابيا حصل حوله الإجماع في ما يتعلق بالتزوير وإن كانت الإدارة قد”حرصت” على الحياد.

-2-انتقل الحسن الثاني إلى الدار الآخرة، وكان الحرص على أن يحصل انتقال الحكم بسلاسة ودون حدوث أي اهتزاز أو ارتباك. وهو ما حصل بالفعل عبر وثيقة “”البيعة””، وعرض الملك محمد السادس تصوره للحكم مرتكزا على ثلاث عناصر:

1- الاستمرارية مع التركيز على أن لا تغير جوهريّا في طبيعة النظام السياسي: القصر حاكم.

2- تفعيل الحياة الديمقراطية بما لا يتعارض والعنصر الأول: القصر حكَم.

3- المفهوم الجديد للسلطة: تجديد وتصحيح علاقة المواطن مع نظام الحكم: القصر ملاذ (ديوان المظالم….).

وهو ما جعل محمدا السادس ينفرد ببعض المحاور المؤثرة بشكل مباشر في تفعيل العناصر أعلاه، من قبيل مسألة الاستثمار والعمل الاجتماعي عبر مؤسسات القصر الكبرى من قبيل مؤسسة محمد الخامس للتضامن.

كما كانت خطاباته مصدر الإيحاء بمفاهيم مركزية جديدة أخذت موقعا جديدا ضمن تأطير الفعل السياسي والمجتمعي والفكري والإعلامي في المغرب. من قبيل المشروع الديموقراطي الحداثي، والتضامن، مع الخروج إلى الواقع العام عبر مبادرات ذات دلالة كما حصل في زواج الملك وظهور زوجته عبر طريقة معينة إلى عموم الشعب المغربي والإعلام في الداخل والخارج.

فضمن حركية هذه العناصر حصل نوع من الديناميكية السياسية والمجتمعية في المغرب لتحقيق ثلاثة أهداف متنوعة ومتكاملة.

أ- صناعة واقع سياسي ومجتمعي يتوخى الإيجابية الخادمة للقصر: تغيير رموز العهد القديم وإبعاد آخرين عن الدولة والنظام وعن الحياة الحزبية، وتفعيل المجتمع المدني من خلال تنشيط الواقع الاجتماعي والتنموي بالدعم المعنوي والمالي من خلال عملية انتقائية مضبوطة، بحيث لا يكون ذلك الدعم إلا مندرجا في سياق الأهداف السياسية الخادمة للقصر.

ب- محاولة تجاوز النقطة السوداء المشوشة على العهد الجديد: طي صفحة الماضي.

ج- تنشيط حركة الاستثمار والسعي للظهور بمظهر الإصلاح الإداري.

كل هذا سيصطدم بواقع معقد جدا نتيجة الطبيعة الاستبدادية تاريخيا لنظام الحكم في المغرب المتضافرة مع عوامل خارجية دولية وإقليمية.

فقد تبين أنه لا يمكن تجاوز واقع “لوبيات” اقتصادية ومالية وسياسية وإعلامية ترتبط أساسا بواقع النظام السياسي في المغرب، إما بشكل مباشر أو غير مباشر. وهو راجع إلى الاستراتيجية السياسية للعهد القديم المتبلورة مع العهد الجديد بشكل أكثر عقلانية وعمقا، والتي ترتكز، فيما ترتكز عليه، على الاحتكار الاقتصادي والمالي الجشع الذي يفضي إلى التحكم في مفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية.

وهو ما جعل القصر في حرج شديد وتعقد في ما يدعيه من عملية إصلاحية إيجابية؛ إذ لم يجد من وسيلة للفصل بين الأهداف السياسية المجردة وبين ما يرتبط بها من محاور اقتصادية ومالية ذات ارتباطات محلية ودولية متشابكة، فضلا عن مصالح القصر المالية والاقتصادية والتجارية التي لا تخرج عن هذا المجال من الترابط والتشابك المثير دوما للشك والريبة وتقاطع مصالح ربما ليست معتبرة بالنظر إلى المصلحة العامة للأمة والوطن.

ضمن هذا الإطار لا يمكن الجزم بأن شروط الانتقال الديمقراطي التي حصل ضمن صفقاتها السياسية التناوب على كراسي الحكومة، الذي أجمع المراقبون على أنه لم يكن ناجحا، مما رجع بالأمر القهقرى، حيث تم تشكيل حكومة مختلطة لا علاقة لها بالخريطة السياسية والحزبية الرسمية في المغرب والتي تشكلت قواعد عملها وأصول بنائها ضمن منطق: القصر حاكم وحكَم، المتجلي، في جانب منه، في واقع التوازنات المصنوعة بالعنف أو الترويض أو التدجين… بين الفرقاء السياسيين، والدائرة على قاعدة: لكل الحق في الوجود، لكن على مستوى من الضعف يجعل القصر دوما حاكما وحكما وملاذا.

وهو ما يعني أننا لم نتحرك أية خطوة في اتجاه الانتقال الديمقراطي، حيث لم تتزحزح الخريطة السياسية والثقافية والسياسية عن موقع الضعف المفضي إلى شللها الكلي أو الجزئي، فضلا عن أن تعمل على تقويض الروح المخزنية والاستبدادية النظامية المهيمنة على تفاصيل الحياة.

-3-لقد استوعب القصر أن الإصلاح يحتاج إلى تدرج ومراحل انتقالية، وهو شيء صحيح بالنظر إلى الحجم الكبير للتركة الفاسدة على جميع المستويات والمجالات والقطاعات، لكن الخطأ الجسيم والاستراتيجي الكبير هو أن القصر عمل على تحديد معالم الواقع التدرجي ومضمونه ومكونات المراحل الانتقالية على طريقة انفرادية لم تخضع لأي معنى تشاركي سياسي ومجتمعي، لا من داخل المؤسسات الرسمية كالبرلمان والمؤسسات الدستورية، ولا من خارجها كما يجري في كثير من التجارب التي تتميز بتعقد شديد كما الحال في المغرب.

ويمكن رصد بعض عناصر اشتغال القصر في الباب، وهو اشتغال لم يفض إلى الانتقال المطلوب الذي من أجله انخرطت المعارضة التقليدية في تبادل الكراسي مع من سبقها من الشخصيات والأحزاب:

1- القول الصريح في شأن العمل الحزبي حيث دعا محمد السادس في أكثر من مناسبة الأحزاب إلى ضرورة إعادة النظر في طبيعة سيرها الداخلي وعلاقتها بالمواطنين.

2- عدم رهن مبادرات القصر بأحزاب لم تعد لها مصداقية كبيرة مع المواطنين في إطار واقع انتخابي وسياسي أجمع الكل على سلبيته، بل تعفنه. وهو ما دفع بكثير من الشباب والفاعلين السياسيين إلى تشكيل أحزاب وجمعيات كبرى جديدة إما ولادة أو انشقاقا عسى تحظى برضى القصر لتشكيل المستقبل السياسي للمغرب. وهو ما زاد الواقع السياسي تعقدا وتمزقا وتشرذما، حيث لم تكن هذه المؤسسات الجديدة جوابا عن سؤالات الأزمة بقدر ما كانت تجليا مأساويا لها. وهو مرض معروف في المغرب يتسبب فيه قرب الانتخابات دائما.

3- السعي إلى تجديد وجوه محاور العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي عبر مراحل تحدد أولوياتها علاقة ذلك التجديد بالقصر أو علاقة هذا الأخير بالمواطنين وهمومهم.

لذلك حرص القصر على التخلص من رموز العهد القديم عبر خطة تفضي إلى التخلص مع تحقيق هدف استراتيجي وهو أن يحصل التخلص مع خروج المتخلص منه، مؤسسة أو شخصا، على حالة من الضعف لا يسمح بأن يكون خطرا مهددا.

ولذلك رأينا عمليات تخلص كانت نقطا إيجابية للعهد الجديد وإن مست شخصيات ومؤسسات كان لها الدور المحوري في العملية السياسية في المغرب.

فقد بدأ القصر في الباب بإبراز بعض الوجوه الجديدة الشابة النشطة لإدارة علاقة القصر السياسية والاجتماعية الداخلية والخارجية، كما بدأ بتحييد بعض الرموز السياسية التي كانت ركائز في العمل السياسي، سواء على مستوى البرلمان أو الحكومة، ثم عرج على وزارة الداخلية وما يتفرع عنها، ثم بدأت خطة تجديد تشبيب الأحزاب من خلال الدعوة إلى الممارسة الديموقراطية الداخلية، أو من خلال خروج بعض الشباب من أحزاب ودعمها لتشكيل أخرى، فضلا عن فرض وجوه شابة من خلال العمل الحكومي.

وقد اهتمت الاستراتيجية في مرحلة من مراحلها الأولى بتفعيل وتشبيب العمل الجمعوي في إطار خطة خادمة لأهداف القصر مصرفة عبر الحكومة ومن دونها.

كما اهتمت بشكل كبير بضرورة تجديد وتفعيل ما سمي بالحقل الديني عبر إعادة النظر جذريا في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في كل ما يتعلق بها بشريا وماليا ودينيا وغير ذلك.

وقد اهتمت الاستراتيجية، كذلك، بالمجال الاقتصادي حيث تم تشبيب وتجديد المسؤوليات في كثير من المؤسسات المالية والاقتصادية ذات الصلة بديناميكية العهد الجديد الداخلية والخارجية. وذلك من قبيل “أونا” وبعض المؤسسات البنكية والمالية لما لها من محورية في اقتصاد البلاد المحتكر أصلا من طرف القصر ومن يدور في فلكه.

ثم ظهرت الاستراتيجية في مرحلة من مراحلها على مستوى الجيش والأمن عموما.

كل هذا، إنما هو حراك يومي أخذ دفعة قوية بارتماء المغرب في أحضان الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية والإسلامية في أفق توفير الشروط المناسبة لتجديد تموقع القصر بشكل فعال ضمن الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي المغربي للعمل على فرض شروط ومضامين تشكل المستقبل السياسي للمغرب.

ولكن تبقى مسألة هامة، وهي ما سيعطي معنى لكل هذه المبادرات، والمتعلقة بقضية الدستور، إذ هي من المسائل التي لم يشر إليها القصر إلا لماما، لكن إنما تنتظر تهيؤ الشروط المناسبة للإعلان عن التغيرات الدستورية التي ستفعّل موقع القصر من جديد وتحدد معالم المستقبل السياسي للمغرب.

ولكن يمكن القول، بناء على كل المؤشرات المرتبطة بالمحاور أعلاه، إن التغييرات الدستورية لن يكون لها أثر على طبيعة النظام السياسي في المغرب الذي تعكسه قولة محمد السادس في إحدى خطاباته: “ملكية شعبية وشعب ملكي”. ودلالتها السياسية أنه لا يمكن إعادة النظر في موقع القصر في العملية السياسية والمجتمعية في المغرب، على الأقل في المستقبل المنظور، ولهذا ما له من الأثر المباشر على نمط الإصلاح ومضمونه، كما له الأثر البليغ على مضمون عملية الانتقال الديمقراطي.

-4-في هذا الإطار، أسأل أستاذي عبد الصمد بلكبير: هل يكفي أن نعقب على منطق الانتقال الديمقراطي الذي لا يضمن ولو مؤشرا واحدا على حصول تغير في مضمون العمل السياسي ونظامه الأساسي بعد انتهاء المرحلة الانتقالية؟

بل أكثر من ذلك إن قضية الانتقال حينما تتعلق بمصير شعب، إنما تكون لحظة تاريخية معبرة عن مرحلة وفرت الحد الأدنى من الشروط لضمان الاختيار الحر للشعب، وهو ما لم يظهر منه شيء لحد الآن.

فإذن، إن الغوص في تفاصيل الانتقال دون تحديد مرجعيته الكلية على وضوح وشفافية وفي إطار واقع حواري تشاوري حقيقي، إنما هو تكريس لمنطق نحلة الغالب الذي عندنا في المغرب هو نظام سياسي احتكر الكل وضمن الوجود للجميع دون أن يكون لأحد منهم موقع يخوله التأثير على مسار حركة الشعب في كليتها.

ومن هنا فإنه يحق لنا أن نتساءل بكل موضوعية: هل المغرب في حاجة إلى انتقال ديمقراطي على الطريقة المفروضة لحد الآن؟ أم هو في حاجة إلى ضرورة حصول تحوّل تاريخي قد يكون مفهوم الانتقال الديمقراطي وسيلة ناجعة فيه إذا حصل في إطار واقع الحرية الضامنة للاختيار الحر؟

نعم إن اختناق الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري في المغرب قد لا يسمح بحصول عملية تفكير كبرى عامة تصنع واقعا حركيا يفضي إلى فرض شروط الانتقال الديمقراطي الحقيقي، لكن ينبغي التأكيد على أن حجم الاختناق الحاصل قد يكون عاملا إيجابيا يحول الانتباه العام إلى ما يفتعل داخل المجتمع المغربي من تصورات جامعة تقطع كليا مع الاستبداد ومنطقه، وفي نفس الوقت تسعى في ظروف صعبة جدا لتوفير شروط التحول التاريخي.

ومن هنا فإن هناك فرقا واضحا بين مسألة الانتقال الديمقراطي ومسألة التحول التاريخي، ومن الخطأ الجسيم في حق الأمة أن يتم تجاهل هذا الفرق والعمل على أساس سيادة المنطق الواحد القاضي بحتمية الانتقال الديمقراطي على الطريقة السائدة في المغرب اليوم.

إن من مقتضيات الانتقال الديمقراطي الحقيقي، أستاذي الفاضل، أن توفر قواعده الحقيقية التي تؤسس للانتقال من مرحلة سلبية إلى مرحلة إيجابية. وعندنا من مرحلة قاتمة، هي الاستبداد كله، إلى واقع يضمن فيه للجميع الحرية والكرامة. ولذلك فمن المعقول أن تكون هذه القواعد مقطوعة عن القواعد الكلية التي أفسدت الماضي كله. فهل هذا محقق في واقعنا المغربي؟

ولذلك، فمادامت قواعد التحول التاريخي تراهن استراتيجيا ومصيريا على رد الاعتبار لموقع الشعب في العملية السياسية ضمن شروط الكرامة والحرية والعدل في تقاسم الفرص والثروات، فإن أثرها إنما هو عبارة عن قوة هادئة تتحرك ضمن مسارات المجتمع مهما كان حجم القمع والتشويه الذي تتعرض له، لأنها ببساطة لا تراهن على فشل المنظومة السائدة في تدبير الشأن العام ومستقبل الأمة، بقدر ما تراهن على مدى الوعي الجماعي ومدى إيجابيته في صناعة قوة مجتمعية واعية ناهضة تبني خطواتها الميدانية على تصور كلي جامع.

وهو ما يعني ضرورة الجواب بوضوح عن موقع الاستبداد ضمن حركية صناعة واقع الانتقال والتحول.

وأنت تعلم أستاذي أن هذه القوة الهادئة لا ترتبط بالأشخاص، بقدر ما يُختبر الأشخاص في مسيرتهم اليومية بمدى علاقتهم بمبادئها وقيمها التي تبشر بها. أي أنها وعي وقوة حركية تنمو وتظهر وفق الشروط التي تحققها في الواقع اليومي. فهي حركة قضية كبرى، لا حركة فكرة سياسية كما يراد لمفهوم الانتقال الديمقراطي أن يكون في بلدنا.

ومن ثم فالشعب المغربي في حاجة كبرى ومصيرية، ليس إلى صناعة واقع صراعي مزور ووهمي على فكرة سياسية مضامينها محددة مسبقا، بل إلى ضرورة صناعة واقع مرحلي انتقالي يجعل هذا الشعب في واقع صحي يمكنه من الحسم في الاختيار بين مشاريع تعتمل بعض تفاصيلها ضمن الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في المغرب.

ومن هنا نطرح السؤال: هل ما يسمى بالمشروع الديمقراطي الحداثي خيار أمة؟ أم خيار الدولة/النظام والنخبة المتحالفة معها، والذي تريد أن تجعله بالقهر والتزوير خيار أمة؟

وبناء على هذا فإن تجنيب المغرب حصول السكتة القلبية لن يكون بإعادة تفعيل مسبباتها، لكن بالقدرة على صناعة واقع جماعي مغربي يقوض بكل جرأة ووضوح وحكمة مصادر السكتة القلبية وأسبابها الرئيسة، في الوقت الذي يؤسس لبناء ركائز الانتقال وفق مرحلة انتقالية تمرض وتعالج بروح جماعية قاطعة مع منطق:” أنا ربكم الأعلى” و”لا أريكم إلا ما أرى”. إنها لحظة تاريخية مؤطرة بوعي كبير وعميق يدور على رد الاعتبار لدور الأمة في تحديد خياراتها الكلية المستقبلية دون وصاية ولا تحجير.

فنحن على مفترق الطرق: الإصرار على تكريس مفهوم انتقال لم يعط ولو مؤشرا واحدا على صوابيته، أو فتح المجال لنقاش جماعي عام وحرّ يحسم في الاختيار المناسب وفق اقتراحات جدية ووازنة ومسؤولة لتحديد المستقبل السياسي للمغرب على قاعدة لحظة تحول تاريخي، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة.