شاء الله عزّ وجلّ أن يكون الإسلام جامعاً لثلاث أصناف من الأحكام: صنف متعلّق بثوابت لاتتغيّر في أصلها وإن تغيّر شكلها، وصنف متعلّق بالمتغيّرات تبعاً للعلل ومتعلّقاتها، وصنف ترك للإنسان المجال مفتوحاً للمساهمة والإبداع عبر قوالب شرعية محدّدة مسبقاً.

إلاّ أنّه مع الأسف؛ باسم الحداثة سعى بعض الناس إلى محاربة الثّوابت والمتغيّرات؛ محاولين التملّص من الشريعة. ذلك نهج الملاحدة والمنافقين، وباسم الاستفادة من الآخر؛ استصغر البعض الآخر دينه، فترك الصّلاة واتبع الشّهوات، وذلك نهج الغافلين والمستهترين، وباسم الحكمة والانفتاح -في الصفّ المناقض لهؤلاء- تساهل بعض آخر في الدّفاع عن بعض الثّوابت والأسس دون الانتباه لأن يكون ذلك استدراجاً، آخره الوقوع في قيود الظّالم بعيداً عن روح الإسلام وعزّته ورفعته. وباسم الدّفاع عن السنّة ومحاربة البدع، جعل آخرون الإسلام كلّه ثوابت ومتغيّرات، لا مكان للجديد؛ وإن كان خادماً للإسلام أو مجانباً غير متعارض معه.

وبين هؤلاء وأولئك يحاول البعض الآخر في هذا الزّمان الجمع بين الأمور كلّها، مؤكّداً على الثّوابت التي أقواها الارتباط بالله تعالى، وإخلاص النيّة له، وتخلية النّفس والقلب من الشّوائب، وتحليتها بالخصال الحميدة، متبعاً في ذلك رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم، ومسترشداً بولي صالح يضع قدميه على قدمي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، عملاً بقوله تعالى: “وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ..”(1) وبقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (المرء على دين خليله فلينظر من يخالل)(2). أو في رواية أخرى “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ” وهذا هو النّهج الصّحيح والله أعلم: نهج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصحابته الكرام رضي الله عنهم.

فبخصوص مساهمات الإنسان، فهموا أنّ الإسلام فتح للمسلمين طرقاً؛ يساهمون بها في التّشريع تحت عين الشّرع وفي حمى ضوابط محدّدة، متنبّهين في ذلك إلى مسألة انفتاح الإسلام على العصر، وذلك من خلال أبواب كثيرة أذكر منها ما يلي:

1- طلب الحكمة:

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)(3).

2- التطلّع إلى المصلحة المرسلة عند توفّر شروطها:

جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في حديث طويل نأخذ منه هذا الشّطر: “… فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ”(4).

3- الاستفادة من شساعة مساحة المباح:

4- تطوير وسائل تطبيق الإسلام:

عن أنس رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرّ بقوم يلقحون فقال لولم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصا فمر بهم فقال ما لنخلكم؟ قالوا قلت كذا وكذا قال أنتم أعلم بأمر دنياكم.(5) والأصل في الشّرع هنا هو الكسب وطرقه.

5- الاجتهاد بشروطه:

عن رجال من أصحاب معاذ: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث معاذا إلى اليمن فقال كيف تقضي؟ فقال أقضي بما في كتاب الله قال فإن لم يكن في كتاب الله ؟ قال فبسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال فإن لم يكن في سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال أجتهد رأيي قال الحمد لله الذي وفّـق رسول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.(6)

ومن ضوابط الاجتهاد: الاجتهاد فيما لا نصّ فيه. وقد زعم ممّن لا يلتزمون بأدنى شرائع الإسلام؛ القدرة على الاجتهاد وإخراج دين جديد “حداثيّ” على حدّ تعبيرهم مع فقرهم إلى أدنى مقدّمات الاجتهاد ناهيك عن دقائقه. فترى الواحدة منهم في جرأة أتباع بني إبليس لعنه الله؛ تتجرّأ على ثوابت الإسلام وأقوى دعائمه، فتريد صلاة الجمعة خليطا من الرّجال والنّساء، جهلاً منها أو عناداً وتمرّداً أنّ الإسلام يبيح لها ذالك، والله عزّ وجلّ يقول: “وماكان لمؤمن ولامؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخٍيَرَة ُمن أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً”(7).

وآخر يريد تفسير القرآن على هواه، وكأنّ الإسلام مرتع لكلّ تائه، ولا يعلم أنّ العلماء رحمهم الله أفنوا أعمارهم في خدمة الإسلام ووضع الضّوابط للخوض فيه، حتّى استشكل على المتأخرين موازاة ماألفوه بزمن ما عاشوه. ولم يستعظم قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النّار”(8).

إنّ الجمع بين العناصر الثلاثة المذكورة سالفاً (الثوابت والمتغيرات ومساهمات الإنسان) جعل الأمّة تقود العالم في بداية نشأتها، بإعطاء المثل والنّموذج وحضورها ملاذاً للإنسان الشقيّ في هذه الأرض، “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ…”(9). وبدأ اضمحلالها وضعفها وبهت نورها عند تفرّقها وتباين تصوّرات أفرادها، قال الله تعالى: ” وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)”(10) فقسّمت إلى فرق ، ولولا حفاظ السّادة الصّوفية وكثير من الصّالحين على روح الإسلام ألا وهو الإحسان -والإحسان كما جاء في الحديث الصحيح أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك- لأصبح الإسلام في خبر كان، وإن كان يؤخذ عليهم رحمهم الله عزوفهم وانعزالهم عن عامّة المسلمين، الذي أضعف الدّعوة وترك أبناء هذه الأمّة يتكاثرون تكاثراً غثائياً لا يسمن ولا يغني من جوع، إلاّ من جوع الأعداء الذين يتربّصون بهذه الأمّة وبثرواتها وخيراتها إلى يومنا هذا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها” فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟ قال “بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء(11) كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن” فقال قائل يا رسول الله وما الوهن؟ قال “حب الدنيا وكراهية الموت”(12).

والأمّة لن ترجع إلى عزّتها وقوّتها إلاّ بالرّجوع إلى ثوابتها ومقوّماتها، فهي لم تهزم وتهان من قوّة أعدائها أو من مكرهم كما يبيّن الحديث الشّريف، وإنّما من تفريطها فيما جعله الله لها قواماً ومنعة.

فهلاّ استيقظت من غفوتها، ونبذت التّفرقة وانجتمعت واجتمعت على أمر الله تعالى؟!!

“وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)”(13).

——————————————-

(1) سورة لقمان الآية15.

(2) قال الذّهبي في التّلخيص: صحيح إن شاء الله.

(3) رواه الإمام البخاري.

(4) والحديث قال عنه الإمام الذّهبي في مكان آخر أنّه صحيح.

(5) شيصا هو البسر الرديء الذي إذا يبس صار حشفاً.<