القضاء نظرياوحدة القضاء.. طالما سمع جلنا بهذا المبدأ القانوني وقرأ بعضنا معناه ومدلوله في كليات الحقوق، ولعله من المبادئ الأساسية والمعروفة للقضاء.

سلطة القضاء.. طالما تغنى الساسة بهذه “السلطة” اعتمادا على نص دستوري، مؤكدين استقلالية القضاء بعيدا عن كل توجيه أو تبعية أو تحكم.

من المفروض بالنظر إلى المبدأ القانوني، أن القضاء سلطة واحدة متكاملة، تنسجم أحكامه وتتكامل ولا تتناقض ما دام القانون واحد والنص الذي يعتمده القضاة نفسه.

ومن المفروض أيضا بالنظر إلى النص الدستوري، أن القضاء سلطة مستقلة، يتخذ أحكامه بعيدا عن أي تحكم أو توجيه أو تعليمات تؤثر على معنى الاستقلالية وتتناقض مع جوهر السلطة.

كلام نظري جميل لا يسع أي عاقل إلا التشديد على قيمته وأهميته في بناء كل دولة وفي هيكلة كل نظام سياسي يروم الوضوح مع شعبه ويلتزم المسؤولية أمامه. وليس الكلام نظري فقط بل هو-إلى حد بعيد- واقع إجرائي حي تحياه الأمم والشعوب المحترمة والدول الديمقراطية والحكومات المنتخبة، لكن ذاك هناك فيما وراء البحر، أما هنا فعذرا أخي وهاك القصة.

التهمة واحدة والحكم مختلففي سياق الحملة المخزنية القمعية التي شنتها السلطة المغربية على جماعة العدل والإحسان خلال الأشهر الماضية، كان جزء من القضاء المغربي حاضرا بقوة في دولاب سياسة الحصار الجديد القديم، ووقودا مهما في معركة السلطة ضد الجماعة.

وانخرطت بعض محاكم المملكة في السياق وكانت أداة من أدوات السلطة، حتى عاش مغربنا في اليوم الواحد أربع أو خمس محاكمات للعشرات من أعضاء الجماعة.

غير أن الغريب هو سقوط الأحكام الصادرة عن القضاء المغربي في تناقضات وتباينات عجيبة، تحير الألباب وتسلم كل تحليل منطقي إلى يد الحيرة، وتُبقي حالة التردد سائدة في فهم عقلية القضاء وإرادته. وهذه بعض النماذج:

– الثلاثاء 30 يناير 2007، المحكمة الابتدائية بمدينة الدار البيضاء تصدر حكمها القاضي ببراءة كل من الأستاذ محمد بارشي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان والدكتور يونس توفيق من التهمة المنسوبة إلى كل واحد منهما. أما التهمة المعروفة فهي “عقد اجتماعات عمومية بدون ترخيص”.

– الإثنين 29 يناير 2007، نفس المحكمة أي ابتدائية البيضاء تصدر حكمها القاضي بإدانة أربعة أعضاء من الجماعة وتغريمهم ما مجموعه 12000 في 3 ملفات. التهمة “عقد اجتماعات عمومية دون ترخيص”.

التهمة ذاتها والحكم مختلف!!! غريب حقا، هل من يحكمنا عقلاء؟

ماذا أصاب قضاءنا المغربي؟ ما هذا التناقض الغريب في أحكام يصدرها في ملفات تتضمن نفس التهم؟ أهو ارتباك غير مفهوم عند أصحابه وعندنا أم إنها التعليمات السلطوية التي تنعدم معها كل سلطة؟.

عذرا.. من استطاع أن يفهم شيئا فليطلعني عليه وله مني كل الشكر والتقدير.

ودفعا لكل فهم تبسيطي للأمور، فالحكم بالبراءة في ملف الأستاذ محمد بارشي والإدانة في ملفات الأعضاء الأربعة ليس مرده إلى عضوية الأول في مجلس الإرشاد، إذ مخزننا الأخرق لا اعتبار عنده لمكانة أحد، ودليل ذلك إدانة الأستاذ الجليل محمد العبادي عضو مجلس إرشاد الجماعة بسنة سجنا نافذة، والملف ما زال معروضا أمام استئنافية وجدة، وأيضا ملف الأستاذ منير الركراكي المحكوم ب3000 درهم وغيرهما من قيادات الجماعة.

رغم أن الإدانة تبقى هي القاعدة في ملفات الجماعة فإن التناقض أعلاه ليس هو الحالة الوحيدة حتى نقول هي استثناء لا اعتبار له، فالتعارض يتأكد عندما نعلم أن أحكاما أخرى صدرت بالبراءة، منها على سبيل المثال الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالقصر الكبير بتاريخ 27 نونبر 2006 والقاضي ببراءة أعضاء الجماعة من تهمتي الانتماء لجمعية غير مصرح بها وعقد تجمعات دون ترخيص، وكذا حكم ابتدائية بركان يوم الخميس 25/01/2007 القاضي ببراءة تسعة أعضاء، مما يخلف ارتباكا غير مفهوم.

بل إني لا أفهم هذا “الدهاء” المخزني الذي يجر وبالا لا متناهي على بعض القضاة “المساكين” واضعا إياهم في حالة شديدة الإحراج، أليس القضاء أقر منذ زمن بعيد قانونية الجماعة ومشروعية أنشطتها واجتماعاتها؟ فما باله يرفع في وجهها تهما-عقد اجتماعات عمومية دون ترخيص والانتماء لجمعية محضورة- لا تستقيم والحالة القانونية للجماعة التي أصبح يقر بها العدو قبل الصديق؟

ارتباك أم تبعية.. محاولة للفهمكانت تبعية القضاء للنظام المخزني في حملة السلطة على الجماعة واضحة إلى الحد الذي انتفى معها كل حديث عن الاستقلالية، وانمحى أي معنى لشيء اسمه “سلطة القضاء”.

من جهة أخرى أكيد أن جهاز القضاء فيه من العقلاء، وبه من وضوح المبادئ ما يدفع احتمال الارتباك، أي التناقض الناتج عن اختلاف في قراءة النص القانوني. نعم، قد تتعدد الاجتهادات والقراءات لكن الأكيد ليس من المنطقي أن تصل حد التناقض، خاصة والملفات جميعا في إطار واحد وتهم واحدة وقانون واحد وسقف زمني واحد.

إذن أظن أن مبدأ وحدة القضاء، والذي يقتضي انسجاما في الأحكام الصادرة في ملفات الجماعة، لم يُخرق أو يُتجاوز “عقليا”، أي ليس التناقض الحاصل في الأحكام مرده إلى “قصور” عقل جهاز القضاء، كما أنه ليس راجعا إلى اختلاف في فهم النص وإعماله، مما ولد هذا التضارب بين القضاة والمحاكم بل بين المحكمة نفسها والقاضي نفسه!

باختصار شديد أقول:

واقع الارتباك الحاصل في تعامل الجهاز القضائي مع ملفات جماعة العدل والإحسان يتنافى مع مبدأ وحدة القضاء الذي يعني انسجام الأحكام، وهو ارتباك لا يمكن أن يعزى إلى خلل “عقلي” ليفسر لنا حالة التناقض الغريبة هذه، لأن الإشكال ليس مطروحا على مستوى الاجتهاد القضائي.

لذلك فالراجح في رأيي-بل اليقين- هو تبعية القضاء للسلطة المخزنية، وخضوعه لإملاءات المتسلطين من مخزننا المغربي، وهو ما ينفي عن القضاء معنى كل “سلطة” لأن مشكلة قضائنا وقضاتنا ترتبط بالإرادة.

ومع أني أرجح التبعية على الارتباك، فإن منطق “اللامنطق” الذي يميز المؤسسة المغربية، سواء أكانت قضاء أو حكومة أو برلمانا…، يدفعني إلى التحفظ في إعطاء حكم نهائي والوصول إلى فهم دقيق لهذا السلوك الغريب. فقد عيل فهمي في مغرب الغرائب والعجائب.